تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

أحداث الفلوجة .. مشاهد ومواقف

لأول مرة اتفقت الطوائف العراقية المختلفة على بلورة موقف موحد إزاء الأحداث الدامية الجارية في بلادههم

(Keystone)

تابع العالم أحداث الفلوجة العراقية وما أسفرت عنها الهجمات الأمريكية من مصرع ما لا يقل عن 600 شخص وإصابة أكثر من 1000.

ويستخلص المتابع لواقع العراق خلال الأسبوعين الأخيرين، دروسا لها دلالات وإشارات مختلفة، قد تكون لحظية مؤقتة أو بدايات لمنحى آخر بعد عام من الاحتلال.

لا يدري أحد إذا كان يمكن القول الآن إن الأمريكيين ساهموا، من حيث لا يرغبون، في خلق وحدة العراقيين. فلأول مرة اتفقت الطوائف العراقية المختلفة على بلورة موقف موحد إزاء الأحداث الدامية الجارية في غير واحدة من مدنهم.

ولئن كان مبكرا جدا إطلاق مثل هذا الوصف على ما حدث، فإن الذي يتحتم قوله هنا أن الأسبوعين الماضيين كانا علامة فاصلة ونقطة تاريخية لتوضيح العلاقة بين أكبر مجموعتين في البلاد.

فالذي أتيحت له فرصة الاطلاع على الجهود المشتركة التي بذلها رجال دين مسلمون من الطائفتين السُـنية والشيعية، يلمس على نحو لا يقبل شكّـاً أن خيوط الوحدة نسجت بين الفصائل العراقية التي عمل كثيرون على فصم عراها.

ويبدو أن الطّـبع يغلب التطبّـع حقا، ذلك أن ما بدا ملامح فرقة في الأشهر الاثنتى عشرة الماضية بين الأطراف العراقية، صار مجرد ذكرى عندما التأم العراقيون في مواجهة آلة الحرب الجهنمية الأمريكية التي لا تعرف الفرق بين سُـنة وشيعة، لكنها بالتّـأكيد تعرف جيدا طريقها إلى صدور العراقيين.

وإذا كان العراقيون لا يعرفون، برغم الاختلافات، سببا للتناحر بينهم، إلا أن جهات بعينها عملت، بدعم خارجي واضح، على بث أسباب الصراع والاحتراب طيلة الشهور الماضية، لا لشيء سوى أن هذا الطريق دون سواه هو الذي يحقّـق لهم مخططاتهم، ويلبي مطامعهم في العراق الجديد، على حد وصف الشيخ جواد الخالصي، إمام جامع الجوادين في الكاظمية.

واللافت، أن من توطدت بينهم العلاقات، كانوا حتى وقت قريب الأشد خصومة وتباغضا، حيث لم يكن كثيرون يعتقدون بإمكانية أن يلتقي أتباع مقتدى الصدر مع أقطاب هيئة علماء المسلمين بعد أن تبادلت عناصر من الطرفين كثيرا من الشكوك والاتهامات أيضا.

ويبدو أن كولن باول، وزير الخارجية الأمريكي كان مُـحِـقا حينما تحدث عن وجود بوادر علاقة تكتيكية بين أطراف سُـنية وأخرى شيعية، مع أنه كان يعني شيئا آخرا مختلفا تماما. لكن ذلك ليس إلا جزءا من حقيقة مفادُها أن العلاقة بين الطرفين أكثر استراتيجية وعمقا مما هو بين الادارة الأمريكية وأصدقائها الذين أغروها بـ (النزهة العراقية).

وبأمّ عيني، رأيت كيف لبّـى شباب وشيب من الشيعة نداءً أطلقه أحد مساجد السنة لجمع المال والتبرع بالدم والغذاء وبالذهب، دعما لأهالي الفلوجة التي باتت رمزا عراقيا خالدا في الصمود والمطاولة، بل ورأيت كيف أن أعدادا من الشيعة العراقيين جاءوا من أماكن بعيدة للتبرع بالدم دعما للفلوجة السنية، إلا أن القائمين على هذه الحملة الشعبية، اعتذروا لهم بكثير من الحياء عن تلبية رغبتهم لعدم وجود مزيد من أكياس الدم، فما كان منهم إلا إعلان تبرعهم بالمال على ان يأتوا في اليوم التالي علَّـهم يجدون فرصة للتبرع بالدم.

وفور سريان الهدنة الهشَّة في الفلوجة، ضحى يوم الأحد 11 أبريل، كانت نحو 15 شاحنة محملة بالأغذية تشق طريقها إلى المدينة وهي تنقل لأهلها هدية متواضعة من مدينة الصدر، حيث معقل النجم الشيعي الشاب مقتدى الصدر، تماما كما تدفقت إليها عشرات الشاحنات من مدن أخرى، لا لشيء إلا دعما وإسنادا لعراقيين واجهوا بشاعة الموت الأمريكي دون تمييز طائفي.

ومن بين المناظر المؤثرة، تلك الصورة التي تجمع عددا من رجال الدين المسيحيين وهم يجمعون موادا عينية ليقدمونها دعما لاخوانهم وأبناء وطنهم في الفلوجة.

فقد تنادى جمع خير من رجال الكنيسة الكلدانية العراقية لأداء هذه المهمة الإنسانية النبيلة في بادرة لا تنم عن وحدة العراقيين من كل الطوائف والأديان فحسب، وإنما لتفصح أيضا عن عمق إيمان مسيحيّـي العراق بانتمائهم الوطني الأصيل، والتزامهم نهج السلام والرحمة الذي جاء به السيد المسيح عليه السلام.

دروس وإشارات

ليست العلاقة بين السُـنة والشيعة، والمسلمين والمسيحيين هي التي بدت واضحة في هذه الأيام فحسب، فهناك جملة من الحقائق وجدت طريقها لتظهر إلى العيان هي الأخرى، إذ ينبغي للمخططين الأمريكيين أن يتفحصوا جيدا في التقارير التي تتحدث عن أن جنود الكتيبة الثانية من الجيش العراقي الجديد، المشكَّل على وفق المشيئة الأمريكية، رفضوا التوجه إلى الفلوجة لدعم مشاة البحرية الأمريكية الذين كانوا يصبون نيران حقدهم على أهلها.

كما عليهم أن ينتبهوا جيدا إلى ما قاله هؤلاء الجنود الذين يربو عددهم على 620 مقاتل من أنهم لم ينضموا إلى الجيش الجديد ليقاتلوا أبناء وطنهم من العراقيين، وعليهم كذلك أن يتمعنوا كيف أن هؤلاء الجنود جُـوبهوا، وهم في الطريق إلى الفلوجة، بإطلاق نيران كثيف من عراقيين، تصر وسائل الإعلام الأمريكية على وصفهم بالشيعة، لثنيهم عن الاستمرار في هذا المنهج.

أما الحقيقة الأخرى، التي يتعيَّن على الخبراء الأمريكيين ومن يقدمون النصائح لمسؤولي إدارة الحرب الأمريكية في واشنطن أن يُـدركوها، فهي تلك المكانة التي ظهرت جليا لمقتدى الصدر.

فهذا الشاب الذي كثيرا ما نُـعت في وسائل الإعلام بعدم الخبرة، بدا واضحا أنه قادر على تحريك الشارع، بل وقيادته أيضا. صحيح أن كثيرا من أتباعه هم من الشباب الذي يُـمكن أن يُـشار إلى كونهم مهمّـشين اجتماعيا، لكن ذلك ليس هو السر الوحيد الذي يكمُـن في قدرة مقتدى الصدر على توجيههم حسب ما يشاء. فالسر الأكبر هو انتماء الرجل وما يحمله من تراث أسرة تميّـزت دائما بكونها في طليعة القادة من بين رجال الدين الشيعة البارزين.

وبالتأكيد، فإن تلك القدرة التي أظهرها مقتدى الصدر ستُـعزز من نفوذه في الشارع العراقي، والشيعي منه تحديدا، على حساب سلطة ومكانة المؤسسات التقليدية الأخرى مثل مرجعية آية الله علي السيستاني، وعلى حساب التيارات السياسية الشيعية، سواء منه تلك الممثلة في مجلس الحكم الإنتقالي العراقي، مثل المجلس الأعلى أو حزب الدعوة، بشقيه، أو غير الممثلة فيه، مثل الحركات الشعبانية وحزب الله العراقي، والوفاق الإسلامي والعمل الإسلامي.

وهنا، يمكن لنا أن نشعر بمدى الحرج المزدوج الذي يواجهه الأعضاء الشيعة في مجلس الحكم الانتقالي العراقي. فهم من جهة، محرجون أمام الإدارة الأمريكية، التي دفعت بهم إلى الواجهة وسمحت لهم بالعمل والتصدر، وهم من جهة أخرى، محرجون أمام شعب طالما تحدثوا باسمه ويسعون لقيادته.

وليس غريبا أو مستبعدا أن تثور مرات أخرى ثائرة أتباع الصدر على نحو لا يمكن ضبط إيقاعه أو التنبؤ به، حتى بعد الإشارات أو الوعود القاضية بجعله تنظيما سياسيا، وحينها سوف لن يكون أتباع الصدر من جيش المهدي هم وحدهم في الميدان، بل معهم قطاعات أعرض من الشارع الذي لم ينضم بعد لحزب أو تيار بعينه، كما سيقف معه أيضا، وهنا مَـكمن الخطر، مُـنتمون لتيارات سياسية تُـنافس الصدر على المكانة والنفوذ.

وأخيرا، ينبغي للولايات المتحدة أن تُـدرك حجم كراهية الشارع العراقي لها ولوجودها في العراق. فالولايات المتحدة التي صدَّقت حديث أولئك الذين صوَّروا لها أطواق الورود وأكاليل الغار التي ستُـزين هامات جنودها المحررين، جُـوبهت باتساع رقعة المقاومة، وحجم التصدي لاحتلالها، ذلك أن العراق وأهله ليس بدعة بين الشعوب والدول التي تعرّضت لاحتلال غاشم وقاومته سياسة وسلاحا.

المثلث السني والمربع الشيعي

هل كانت صدفة محضة أن يتزامن حصار الفلوجة السُـنية والقتال الدائر في مدن ذات أغلبية وخصوصية شيعيتين؟

هنا ينبغي على واشنطن أن تُـدرك أن ما اعتادت تسميته بالمثلث السُـني المقاوم، ما هي إلا تسمية خاطئة، أريد بها إعطاء الأنطباع وكأن شيعة العراق استمرأوا احتلالها وباتت المقاومة العراقية المسلحة موسومة بالمذهبية والطائفية!

فحقائق الأشياء التي ظهرت بقوة هذه الأيام، أطاحت بالفرية الأمريكية التي صدَّقها البعض بتقسيم عرب العراق بين سُـنة مقاومين، وشيعة مرّحبين لأن مدى المقاومة واتساعها على نحو ما ظهر أخيرا، ينبغي أن يمسح مثل هذه الصورة ويَـحلَّ بديلا عنها.

ويمكن التدليل على ذلك بوضوح أكثر، حينما أعلن فصيل مقاوم في الفلوجة دعمه لأنصار مقتدى الصدر، فيما أعلن أتباع الأخير أن أهالي الفلوجة لم يعودوا وحدهم في الميدان.

ربما سيقول البعض إن ما قام به اتباع الصدر يبقى عملا محدودا في حقيقته وفي الأسباب المؤدية إليه، وإذا كان ذلك صحيحا أول الأمر، فإن التغذية السياسية التي حصلت في أعقاب انطلاق الشرارة الأولى والشعارات التي رفعت، جعلت الأسباب الأولى تتراجع إلى الوراء لتقفز إلى الواجهة صورة المقاوم بدلا عن صورة المُـشاغب التي حاول الأمريكيون إطلاقها على أتباع الصدر.

هذه الحقائق الميدانية التي أشرنا إليها تدل على أن الأمريكيين لا يدركون حقائق الميدان، لأنهم لا يسيرون على وفق مبادئ العقل والحكمة، وإنما هم مدفوعون هذه الأيام برغباتهم في الهيمنة على العالم، أنطلاقا من العراق.

مصطفى كامل - بغداد

Neuer Inhalt

Horizontal Line


The citizens' meeting

المؤتمرات البلدية في ربوع سويسرا

تابعُونا على تلغرام

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك