جنيف الدولية

هل ستُصبح الأمم المتحدة قريبا هيكلا عفا عليه الزمن؟

بينما تحتفل جنيف في عام 2020 بمرور 75 عاما على نشأة الأمم المتحدة و100 عام على ظهور عصبة الأمم المتحدة، يطرح سؤال حول قدرة هذا النظام العالمي على استيعاب التغيّرات الكبرى الحالية التي تعصف بالدول والمجتمعات في جميع أنحاء العالم، وعلى الاستجابة لمتطلباتها؟ يقدّم هذا الموضوع عناصر الإجابة على هذا السؤال في علاقة بالتحديات الرئيسية الخمس التي تشغل اليوم جنيف الدولية.

هذا المحتوى تم نشره يوم 01 أكتوبر 2020 - 15:53 يوليو,
(جيفي / الرسم)

 إلى جانب نيويورك، تُعد جنيف، المقرّ الأوروبي للأمم المتحدة، أحد أهمّ مركزيْن للدبلوماسية متعددة الأطراف في العالم. ففي جنيف، يتم تناول التحديات التي تواجه العالم بالتحليل والنقاش، قبل أن تقرّر البلدان الأعضاء في نيويورك أي الخيارات التي يجب اعتمادها لمواجهتها.

للتأكيد على أن هذه الطريقة في تنظيم العلاقات بين الدول هي أكثر قيمة الآن من أي وقت مضى، اختارت جنيف وسم  #Multilateralism100 رمزا لهذه الاحتفالية. إنها دعوة صريحة وإرادة قوية لا نظير لهما من أجل حماية سيادة البلدان الأخرى وإنفاذ القانون الدولي المصمم لتنظيم العلاقات فيما بينها، حتى وإن كانت الولايات المتحدة، شرطي العالم في القرن العشرين، بصدد الانزلاق نحو الأحادية. ولعل أحدث مثال على ذلك هو الانسحاب الأمريكي، جزئياً على الأقل، من منظمة الصحة العالمية.

تحدي تحقيق السلام والأمن: كان هذا سبب وجود عُصبة الأمم المتحدة، ثم لاحقا الأمم المتحدة، وهما منظمتان نشأتا في أعقاب الحربيْن العالميتيْن اللتيْن دمرتا القارتيْن الأوروبية والآسيوية. وفي كل مرة، سعى المنتصرون في هذيْن النزاعيْن اللذيْن كانت لهما عواقب على النطاق الدولي إلى صياغة وضع قانوني يتأسس على حق الشعوب في تقرير مصيرها. وذلك حتى لا يكون السلام رهينة توازن القوى بين البلدان العظمى، وحتى يأخذ في الاعتبار مصالح جميع البلدان الأعضاء في الأمم المتحدة وشعوبها بشكل أفضل.

تحقيق هذا الهدف لا يزال بعيد المنال، وفق ما صرّح به أنطونيو غوتيريس، أمين عام الأمم المتحدة الذي حذّر يوم 4 فبراير 2020 من الرياح المجنونة التي تعصف بعالمنا. "من ليبيا إلى اليمن، مرورا بسوريا، وربما أبعد من ذلك- لقد عاد التصعيد من جديد. فالأسلحة تتدفّق، والهجمات تتوالى (...)، في الأثناء، يتم انتهاك قرارات مجلس الأمن قبل أن يجف الحبر الذي كتبت به".

فهل ستصبح الأمم المتحدة قريبا عاجزة عن تحقيق الأمن الجماعي، مثلما كانت عصبة الأمم في نهاية ثلاثينات القرن الماضي؟

إذا كان مجلس الأمن- الجهاز التنفيذي للأمم المتحدة- في حالة شلل تام، فإن مؤسسات دولية أخرى تابعة للأمم المتحدة تساهم بنشاط في نشر السلام داخل المجتمعات استنادا إلى أسس ثلاث هي: السلام والأمن، والتنمية، وحقوق الإنسان. وهي مجالات متداخلة، مثلما أوضح ذلك كوفي أنان في عام 2005، لما كان أمين عام الأمم المتحدة. أنان قال آنذاك: "لن يتحقق الأمن دون تنمية، كما لن تكون هناك تنمية دون أمن. وكلاهما رهين احترام حقوق الإنسان ودولة القانون".

ولكن ما هو ملاحظ منذ عشر سنوات تقريبا هو التضييق على الحريات المدنية حتى في ظل الأنظمة الديمقراطية الليبرالية، ليس في الولايات المتحدة فقط بل في أوروبا أيضا.

التحدي الديمقراطي: بالتزامن مع ذلك، تستغل أنظمة استبدادية مثل الصين نقاط ضعف النظم الغربية للتسويق لنموذج آخر من النجاح الاقتصادي الذي لا يعير أي اهتمام للحقوق المدنية والسياسية للأفراد والمجموعات. وفي قلب العواصم الديمقراطية، يتم التشكيك في منظومة حقوق الإنسان داخل الهيئات الدولية التي يفترض أن تدافع عنها. وفي جنيف، حيث يوجد مقرّ مجلس حقوق الإنسان نشاهد أتون هذه المعركة ذات العواقب العابرة للحدود.

هذا التراجع الذي تشهده الديمقراطيات في العالم، إذا ما تأكّد، يمكن أن يؤثّر على الطريقة التي سيتعامل بها العالم مع التحديات الكبرى التي تواجهه في القرن الواحد والعشرين: التغيرات المناخية وأزمة البيئة، وكذلك التحوّل الرقمي على مستوى الاقتصاد والمجتمع.

 التحدّي البيئي: لا يتوانى أمين عام الأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، عن التأكيد على أنه لن يكون هناك من حل بالنسبة للتغيّرات البيئية، إلا بانخراط جميع البلدان الأعضاء في الأمم المتحدة. أمام هذا الخطر الذي يهدد الوجود الإنساني، هل يمكن أن نشهد استفاقة للمجتمع الدولي، مثلما حدث في أعقاب الحربيْن العالميتيْن خلال القرن الماضي؟

في الوقت نفسه، ينخرط العالم في ثورة صناعية أكثر عمقا وأوسع نطاقا من الثورة السابقة التي حدثت في القرنين التاسع عشر والعشرين. ويعمل التحول الرقمي على إحداث تغيّرا جذريا في عالم الاقتصاد والمال، كما يعيد صياغة عمل المجتمعات والحقوق الديمقراطية التي من المفترض أن تحكمها. وتواجه الحقوق الفردية والجماعية الواردة في ميثاق الأمم المتحدة تهديدا حقيقيا.

التحدّي الصحي: إنه البجعة السوداء - الحدث غير المتوقع – على مستوى القضايا العالمية. إن وباء الفيروس المستجد SARS-CoV-2 يهز المنظمات العالمية على كوكبنا بطريقة لم يعرف لها مثيل قط. وبوجود منظمة الصحة العالمية في الخط الأمامي، يمكن للأمم المتحدة أن تثبت أهمية دورها كمنبر للتعاون والتنسيق بين السياسات الوطنية.

خاصة وأن هذا الوباء، الذي فاجئ الدول، كان من الممكن في الحقيقة التكهن به. بعد الأوبئة السابقة له،مثل الإيدز في الثمانينيات والسارس في عام 2002، قامت الدول الأعضاء في منظمة الصحة العالمية بمراجعة اللوائح الصحية الدولية في عام 2005 لاحتواء هذه الفيروسات ذات الأصل الحيواني. ولكن فيروس كورونا الجديد تسبب بمثل هذا الخراب، لعدم تنفيذ تلك التوصيات بشكل كاف. ويبقى أن نرى ما إذا كانت صدمة كوفيد – 19 وعواقبها المتعددة الأوجه ستعيد إضفاء الشرعية على الأمم المتحدة أو تفريغها من جميع عناصرها، مثل عصبة الأمم التي تأسست قبل قرن من الزمان.

التحدّي الرقمي: تحاول الأمم المتحدة استعادة المبادرة بالنسبة لهذه القضية، لا سيما انطلاقا من جنيف، من خلال وضع معايير قانونية قادرة على توجيه هذا التحوّل من أجل أن يكون في مصلحة الجميع وفي احترام كامل لحقوقهم الأساسية. 

(نقله من الفرنسية وعالجه: عبد الحفيظ العبدلي)

مشاركة