تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

أمريكا وإيران وشيعة العراق: 4 رهانات خطيرة

لم تلق تحذيرات حلفاء واشنطن في المنطقة من "الخطر الإيراني" المزعوم و"القوس الشيعي" القادم آذانا صاغية في الولايات المتحدة.

(swissinfo.ch)

"عروبة العراق في خطر".. "الفُـرس سيهيمنون على العرب عبر العراق".. "إيران تدفع مئات ملايين الدولارات، للتأثير على الانتخابات العراقية، وترسل عبر الحدود مليون ناخب وآلاف عملاء المخابرات"..

"وصول شيعة العراق إلى السلطة، سيعني بروز "قوس شيعي" يمتد من إيران إلى العراق وسوريا ولبنان، ويبتلع في طريقه العديد من مناطق الخليج العربي"...؟!

كانت هذه بعض التحذيرات المجلجلة التي أطلقها مؤخراً كورس موسيقي متناغم، جمع الملك الأردني عبدالله مع الرئيس حسني مبارك، والرئيس العراقي (السنّي) المؤقت غازي الياور مع "مصادر" سياسية عُـليا وأخرى إعلامية في المملكة السعودية.

كل هؤلاء المحذرين هم من حلفاء واشنطن الخلّص، وكانوا يتوقعون أن تَـلقى هذه النصائح المجانية عرفاناً فورياً غير مجاني بالجميل في الولايات المتحدة.

ولا عجب! فهم في النهاية يقولون لأمريكا ما تعرفه أمريكا وما يجب أن تخشاه: "محور الشر" الإيراني على وشك أن يُـحَوّل بحيرة الشرق الأوسط كله إلى محور شر عبر مساعدة حلفائه، شيعة العراق، على الوصول إلى السلطة في إنتخابات 30 يناير الحالي.

لكن هنا حدثت مفاجأة لم ينتظرها أحد، النصائح العربية وقعت على آذان أمريكية صمّـاء. أكثر من ذلك، بدلاً من تنشيط واشنطن للعمل بهذه النصائح، بادرت على العكس إلى إلقاء ثقلها إلى جانب "شيعة إيران" العراقيين.

وهكذا، بادرت "نيويورك تايمز" ومسؤولون أمريكيون إلى التركيز في الأسبوع الأول من العام الجديد على النقاط الآتية:

• المخاوف من أن يأخذ حزبا "الدعوة" والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق" الشيعيان، الأوامر من طهران بعد فوزهما المتوقّـع في الانتخابات، لا أساس لها.

• صحيح أن للحزبين روابط تاريخية وشخصية مع إيران وقيادتها، لكن سياستهما وتطلعاتهما وقواعدهما مغروسة بعُـمق في التراب العراقي. وبالتالي، إذا ما وصلا إلى السلطة، سيكون استقلالهما عن إيران مؤكداً.

• التهديد الرئيسي للعراق، لا يأتي من "آيات الله الإيرانيين المتآمرين"، بل من الأقلية السنّية الغير راضية.

جداول سرّية؟

هل حسابات واشنطن في محلها؟ ما العوامل العلنية، أو ربما جداول الأعمال السّرية، التي تجعلها مُـرتاحة إلى هذا الحد، فيما حلفاؤها العرب قلقون إلى هذا الحد؟

يمكن رصد أربع رهانات كُـبرى في هذه اللعبة الأمريكية مع إيران وشيعة العراق.

الأول، هو الثقة بأن الاحزاب الشيعية العراقية ستكون حقاً عراقية أولاً، عربية ثانياً، وشيعية ثالثا، وهذا سيُـكَـرّس حين تصل هذه الأحزاب إلى السلطة في العراق، وتكتشف أن المصالح الوطنية العراقية متناقضة مع المصالح القومية الفارسية.

ويستند الأمريكيون هنا إلى استطلاعات الرأي التي أجروها مؤخراً، والتي بيّـنت أن غالبية شيعة العراق، يرفضون بقوة الحكم الديني على النمط الإيراني، كما يرفضون بقوة أكبر السيطرة الإيرانية على العراق.

كما يستندون أيضاً إلى الدراسة المهمة التي وضعها الباحث العراقي البارز فالح عبد الجابر بعنوان: "آيات الله والصوفية والأيديولوجيات في العراق"، والتي وصل فيها إلى الخلاصات الآتية:

• أظهر تطوّر الحركة الشيعية في إيران والعراق خلال القرون القليلة الماضية، وجود سياقين مختلفين بشكل راديكالي لتشكّـل المجتمعين. فالسكان الإيرانيون أصبحوا شيعة في القرنين السادس عشر والسابع عشر في أعقاب تأسيس السُّـلالة الصفوية عام 1501. ومنذ ذلك الحين، أصبح الإسلام الشيعي هو دين الدولة الرسمي (عدا حقبة قصيرة احتل خلالها الأفغان السُـنة أصفهان عام 1722). وفي المقابل، تشكّـل المجتمع الشيعي العراقي من أواسط القرن الثامن عشر فما فوق، وكان السبب صعود دور النجف وكربلاء كمعقلين للشيعة في بلد كان من ممتلكات العثمانيين السُـنة.

• ثمة اختلافات كبيرة بين شيعة العراق وإيران في مجال الطبيعة التنظيمية. تميّـزت الشيعية الإيرانية بشكلها التنظيمي الرفيع، والدين كان هو اللحمة التي حافظت على تماسلك إيران لقرون عدة بضغط من الرأي العام الإيراني. أما شيعة العراق، فتميّـزوا بعدم وجود مصالح بين العلماء والطبقات التجارية في مجتمعهم. فالتجار الشيعة لم يشكّـلوا، كما في إيران، الهيكل العظمي للمؤسسة الشيعية، وهذا ما مكّـن الدولة السُنـّية من عزل الأسواق الشيعية المهمة في بغداد عن التأثير الفعال للعلماء الشيعة، ومن وضع الأوقاف تحت سيطرة الدولة.

• هناك تباينات عميقة بين الطرفين في كيفية ممارسة الشعائر الشيعية، مما يعكس وجود فروقات ثقافية وإجتماعية. فالأولياء المقدسون مشتركون بين رجال القبائل الشيعة والسُـنة في العراق، كما أن الشيعية العراقية، أكثر واقعية بكثير من مثيلتها الإيرانية.

• إقامة الدولة الحديثة وصعود القومية، عزز هذه الاختلافات بين الدين والمجتمع الشيعي في إيران والعراق، وباعد إلى حد كبير بينهم. وقد لعبت اللغة العربية والفارسية دورا مُـهما في تعزيز هذا الشقاق، خاصة بعد أن أدار العديد من شيعة إيران ظهرهم للغة العربية.

• شيعة العراق لم يفكروا يوما بالانفصال عن العراق والاندماج بإيران. كل ما كانوا يطمحون إليه هو الحصول على مداخل إلى السلطة في بغداد في دولة سيطرت على مقاليد الأمور فيها أقلية سُـنية منذ عام 1921.

"جيو بوليتيك الاحتلال"

هذه الفروقات الكبرى تشكّـل الآن الرهان الأمريكي الأول. ماذا الآن عن الرهانات الثلاث الباقية الاخرى؟

تندرج هذه، فيما يُـمكن أن نسميه "جيو بوليتيك الاحتلال الإمبراطوري". فأمريكا، مثلها مثل باقي الإمبراطوريات السابقة قبلها، تعمد إلى تفضيل فئة في البلد المحتل على الفئات الاخرى، لتشعل بذلك فتيل صراع (أو حتى حرب أهلية) تلهي الناس عن الاحتلال.

كتب جيمس فيرون، بروفسور العولمة السياسية في جامعة ستانفورد: "إن تاريخ الحكم الاستعماري يُـعلّـمنا أن النزاع الأهلي يُـمكن أن ينتج، حين تفضّـل القوة المحتلة مجموعات محلية على أخرى وتستخدمها كوسيلة عسكرية. هذه إستراتيجية شائعة بين القوى الإمبراطورية".

هذا التوّجه يشكّل الآن رهان أمريكا الثاني في العراق: تفضيل الأغلبية الشيعية لدفع باقي الأطراف إلى مجابهتها، أو على الأقل موازنتها.

أما الرهانان الثاني والثالث، فهما: إحياء الصراع التاريخي التقليدي على زعامة الشيعة في العالم بين النجف العربية وقم الفارسية، من خلال دعم آية الله علي السيستاني ومدرسته الرافضة لمبدأ ولاية الفقيه، التي تشكـّل أساس النظام الإسلامي الإيراني، وتحويل الصراع السُـنّي - الشيعي المتوقّـع في العراق، إلى صراع سنّي – شيعي شامل في كل الشرق الأوسط الكبير، وهذا يحقق جملة أهداف دفعة واحدة: تحويل حراب المنظمات الأصولية السُـنّية الإسلامية بعيداًُ عن صدور الأمريكيين وحلفائهم العرب، وقريباً، نحو قلوب الشيعة (والعكس بالعكس)، وقلب كل معادلة الصراع الراهن: من صدام حضارات بين الغرب والإسلام، إلى صدام أهلي داخل الحضارة الإسلامية نفسها.

الدور والبطل

هل تمتلك، مثل هذه الرهانات مقومات كافية للنجاح؟

واشنطن على الأقل، تبدو واثقة من ذلك. وستكون بالطبع على حق، إذا فجّـرت الانتخابات المقبلة الصّـراع بين الشيعة وباقي الأطراف، وربما أيضاً، بين أطراف الشيعة، الذين يُـعانون هم أنفسهم من انقسامات دينية وسياسية وعلمانية حادة.

الأمر الوحيد الذي يُـمكن أن يطرح هذه الثقة الأمريكية أيضاً، هو بروز زعيم تاريخي عراقي يضع الهوية الوطنية العراقية فوق كل ما عداها من هويات طائفية ومذهبية، ويقترح أُسُـساً جديدة لدولة عراقية حديثة وديموقراطية في آن واحد.

في العراق الآن، دور يبحث عن بطل. وما لم يحدث اللقاء التاريخي بين هذا الدور وذاك البطل، ستواصل الدول العربية التحذير من مخاطر إيران و"القوس الشيعي" في المنطقة، وستواصل الولايات المتحدة الرهان على حرب الجميع ضد الجميع.

سعد محيو - بيروت


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


The citizens' meeting

المؤتمرات البلدية في ربوع سويسرا

تابعُونا على تلغرام

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك