تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

أوباما والعراق نحو تشكيل حكومة وِحدة وطنية عراقية تُرضي السُنّة والأكراد

العراق

يوم 24 يونيو 2014، التقى وزير الخارجية الأمريكي جون كيري بأربيل بمسعود برازاني، رئيس حكومة كردستان العراق

(Keystone)

أخيرا، شمّر الرئيس ذو الحذر والتردد الأسطوريان، عن ساعِديْه وقرّر الإقدام على رقصة عسكرية - سياسية كبرى في العراق والشرق الأوسط. هذا قد يكون المضمون الحقيقي لقرار باراك أوباما مؤخراً إرسال 300 "مستشار عسكري" إلى العراق، تمهيداً لضربات جوية محتملة، ولكن مشروطة سياسيا.

فهو من جهة، أنهى بقراره هذا بشطْحة قلم سياسة دامت نيْفاً وسِت سنوات، استندت إلى إدارة الظهر لأي/وكل تطوّر في الشرق الأوسط وأطرافه، من سوريا والعراق إلى مالي وليبيا. كما استندت إلى تيميم الوجه نحْو مركز العالم الجديد في منطقة آسيا – الباسيفيك، ومن جهة أخرى، ربط هذا التوجه العسكري بشرط سياسي، قِوامه تشكيل حكومة وِحدة وطنية عراقية تُرضي السُنّة والأكراد، إضافة إلى الشرط الآخر المُتمثل برفض الإنجِرار مرّة أخرى إلى حرب برية تتضمّن إرسال عشرات آلاف الجنود الأمريكيين إلى العراق.

خطوة حاذقة حقا، وهي وضعت رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي أو مَن قد يخلفه، أمام خيار من إثنين لا ثالث لهما: إما إسدال الستار على محاولة الهيمنة الطائفية الشيعية المُطلقة على القرار في بغداد، أو خسارة بغداد نفسها وتفكّك الكيان السياسي العراقي إلى ثلاث كيانات أو أكثر.

وهذا الإحتمال الأخير، أي خسارة بغداد (ناهيك عن تفكك العراق)، لم يعد فرضية نظرية، عقِب الانهيار المُذهل والمفاجئ لجيشٍ عراقي، صرفت الولايات المتحدة 30 مليار دولار على تدريبه وتسليحه طيلة سنوات عدّة. يقول الخبير الإستراتيجي العسكري الأمريكي البارز جون ناغل: "من دون سلاح الجو الأمريكي والقوات الخاصة الأمريكية على الأرض، ستسقط بغداد في أيدي المتمرِّدين السُنّة كما سقطت سايغون عام 1975 في أيْدي الثوار الفيتناميين".

لكن أيضاً من دون حكومة عراقية جديدة تجذب العشائر السُنّية بعيداً عن لُعبة زواج المصلحة مع تنظيم "داعش"، لن يكون وارداً أيضاً أن تتحوّل القوة العسكرية الأمريكية إلى "سلاح طيران لميليشيات المالكي الشيعية"، على حدِّ تعبير مسؤول عسكري أمريكي كبير. صحيح أن الولايات المتحدة قد تُقاتِل لمنع سقوط بغداد بين أيدي داعش، لكن الصحيح أيضاً، أنها غير مستعدّة البتّة لأن تخوض معارك المالكي الطائفية ضد السُنّة، الأمر الذي سيكون هِبة هائلة من السماء لداعش وبقية السّرب السُنّي المتطرّف في كل الشرق الأوسط، لأنه سيمكّنهما من مواصلة تزعم حركات الاحتجاج والتظلمات الشعبية السُنية في العراق وسوريا وبقية المنطقة.

أسابيع حاسمة

لدى الرئيس أوباما الآن حفنة أسابيع ثمينة كي يدفع باتّجاه إنجاح رقصته الكبرى الجريئة هذه. فالقوات الخاصة الأمريكية التي سترسل إلى بغداد وبعض مناطق الشمال، تحتاج إلى مثل هذه الأسابيع كي تحدّد لسلاح الجو الأهداف التي سيقصفها، والتي يجب أن تتجنّب بأي ثمن ضرب المناطق المدنية العشائرية السُنيّة.

وهذا سيكون أو يفترض أن يكون، وقتاً كافيا، إما كي يغيّر المالكي جلده الطائفي أو كي يتغيّر هو نفسه، بعد أن تحوّل إلى صدّام صغير جديد يستحوِذ على جلّ السلطة الأمنية والسياسية في البلاد، ويستعدي في آن السُنّة والأكراد والقِوى الشيعية الرئيسية من آل الصدر إلى آل الحكيم.

حتى الآن، لا يزال المالكي يُبدي كل استعداده للتمسّك بالسلطة، كما أعلن يوم الأربعاء الماضي حين وصف الدّعوات إلى حكومة وحدة وطنية، بأنها تمرّد على الدستور. ثم أنه قبل ذلك أفصح بالكامل عن هويته الطائفية، حين قرر الاعتماد على الميليشيات الشيعية لمواصلة الحرب، بدل العمل على التواصل مع العناصر المعتدلة في انتفاضة سُنيّة يبدو واضحاً أنها تضم داعش، لكنها لا تقتصر البتّة عليها، حيث تأكّد أنها تشمل كل العشائر السُنيّة وقِطاعات واسعة من ضبّاط وجنود الجيش العراقي السابق (الآن جيش الطريقة النقشبندية) بقيادة حزب البعث.

بيْد أن بقاء المالكي أو ذهابه لا يرتبطان في الواقع بقراره هو، بل في الموقِف الذي ستتّخذه إيران، صاحبة النفوذ الأكبر بين شيعة العراق. فهل طهران في وارد بيْع جلد المالكي لإبقاء الدبّ الإيراني حياً يُرزق في بغداد؟

القرار الصعب

فلننتظر قليلاً لنرى، على رغم أن مثل هذا القرار لن يكون سهلاً بالنسبة إليها. لماذا؟ لأن تغيير جلد المالكي أو المالكي نفسه (ربما لصالح أحمد جلبي)، سيتطلّب أيضاً تغييراً جِذرياً في تركيبة السلطة العراقية نفسها، إذ أن السُنّة يطالبون بمشاركة واضحة وجلِية في السلطة السياسية. والآن، وفي ضوء الاستنفار الطائفي الشيعي، الذي فاجأ آية الله السيستاني الجميع بالعمل على تغذِيته، بدل تهدئته، فإن السُنّة قد يهجعون إلى مطلب تقرير المصير والحُكم الذاتي على النمط الكردي في الشمال، وبالتالي، قبول طهران بهذه "التنازلات" للسُنّة سيعني أيضاً قبُولها بحقيقة انحِسار نفوذها في بلاد الرّافديْن، فيما هي لا تزال تبذُل الغالي والنّفيس في سوريا (م بين 15 إلى 20 مليار دولار سنوياً)، للحفاظ على موطئ قدمها على شواطئ البحر المتوسط. وهذا قرار صعب حقا. هذه نقطة.

وثمّة نقطة ثانية لا تقل أهمية: كما أنه يتعيّن على إيران إعادة النظر في مواقِعها العراقية كشرط لتوفير الدّعم الجوي الأمريكي لبغداد وحكومتها، سيكون على المملكة السعودية ودُول الخليج الأخرى والأردن أن تكون أيضاً في وارِد قبول إجراء حوار ثلاثي أمريكي – عربي – إيراني، لتسوية الأزمة العراقية (وربما السورية أيضاً)، في حال باتت طهران مستعدّة لتقديم التنازلات. وهذا على ما يبدو أحد الأهداف الضمَنية أو السرِية لمبادرة أوباما.

سيناريوهان

الآن، ما السيناريوهات المُحتملة للتطوّرات في العراق، في ضوء الرّقصة الكبرى الأمريكية الجديدة؟ ثمة سيناريوهان رئيسيان:

الأول والأمثل بالنسبة إلى أوباما، هو نجاح "خدعته" (Bluff) العسكرية والسياسية الرّاهنة لتشكيل حكومة وِحدة وطنية جديدة تلبّي مطالب السُنّة والأكراد، إذ حينها ستفكّ العشائر السُنّية تحالفها على الأرض مع داعش، كما فعلت عام 2006-2007، فيما يقوم سلاح الجو الأمريكي في السماء بتدمير قواعد وقوافل داعش، خاصة على الحدود العراقية - السورية.

ومثل هذا السيناريو، سيفتح الأبواب على مصراعيْها أمام حلٍّ سياسي للأزمة العراقية (والسورية؟)، ربما من خلال تحالف دولي - إقليمي بقيادة الأمم المتحدة أو حتى من خلال إرسال قوات من مجلس التعاون الخليجي إلى العراق لطمْأنة وتهدِئة المناطق السُنّية العراقية.

أما السيناريو الثاني والأسوأ، فهو أن يتمرّد المالكي، بدعم من إيران، على "ابتِزاز" أوباما الحاذِق ويرفض هو أو حتى مَن قد يخلِفه تقديم تنازًلات ذِي معنى للسُنّة. حينها، سيكون أوباما نفسه في موقف حرِج، لكن المرجّح أن يرفض حينها القيام بأي خطوة من شأنها وضْع سلاح الجو الأمريكي في خدمة المشاريع الطائفية الشيعية المغلقة.

وفي هذه الحالة، سيكون في وُسع الرئيس الأمريكي القول بأنه حاول إنقاذ العراق، لكن العراقيين أنفسهم لم يكونوا أهلاً لهذه المهمّة. فيكتفي بتركيز النفوذ الأمريكي في الشمال الكردي ويترك خريطة العراق ومعها خريطة الشرق الأوسط برمّتها لمباضع القِوى الإقليمية والدولية والطائفية والمذهبية، كي تعيث فيها تقسيماً وتناتشا.

×