أيام اللّــظــى...

لم يتبق شيء لم تدمره إسرائيل في مقر القيادة الفلسطينية في رام الله.. لكن عرفات مصمم على الصمود Keystone

وجد رئيس السلطة الفلسطينية نفسه مجددا محاصرا في مقر ألحقت به القوات الإسرائيلية دمارا لم يسبق له مثيل، في الوقت الذي يصارع فيه ياسر عرفات من أجل البقاء.

هذا المحتوى تم نشره يوم 20 سبتمبر 2002 - 17:56 يوليو,

حصل ذلك بعد وقوع عمليتين انتحاريتين هذا الأسبوع في أم الفحم وتل أبيب، وقد حمّلت إسرائيل كعادتها السلطة الوطنية مسؤولية هذه الأحداث.

المشهد يكرر نفسه: انتحاري فلسطيني يٌفجّـر نفسه في حافلة إسرائيلية، تهرع المصفحات والدبابات الإسرائيلية إلى مقر الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وتستأنف عملية تدمير "المقاطعة" التي استحالت أطلالا وتتقدم إسرائيل بمطالب جديدة إلى القيادة الفلسطينية.

هكذا تستمر لعبة الموت في إسرائيل والأراضي المحتلة وتعود الصورة إلى وضعها الأول: عرفات محاصر مجددا في مقره، واستئناف الضغوط على الجانب الفلسطيني، ويبدو الاحتلال الإسرائيلي لجميع مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، أمرا طبيعيا.

غير أن فترة الشهر والنصف الأخيرة أو مدة انقطاع الهجمات الانتحارية التي سبقت تنفيذ العمليتين الأخيرتين في أم الفحم وتل أبيب، لم تغير شيئا وظل رئيس الحكومة الإسرائيلية ارييل شارون مشعلا الضوء الأخضر الأمريكي والدولي في وجه من أراد اعتراض أوامر جنوده على الأرض الفلسطينية.

ولعل حظر التجول المشدد الذي تجاوز التسعين يوما، وتخضع له مدينة نابلس، كبرى المدن الفلسطينية، واستمرار إجراءات الحصار والقتل اليومي التي يتعرض لها سكان الضفة الغربية وقطاع غزة، شاهد على الضوء الأخضر الذي أبقاه شارون مشتعلا للاستمرار في حربه.

مبادرات لا ترى النور

لم يكل الدبلوماسيون ولم تتوقف مبادراتهم. لكنها وعلى غرار مبادرة اللجنة الرباعية الأخيرة التي أعلنت عشية استئناف الهجمات الانتحارية، لم تفلح في تحقيق قفزة الانطلاق خارج قاعات الشرف الأولى أو أبعد من تصريحات المسؤولين الدوليين الذين ما يلبثوا أن يفسحوا المجال للآليات العسكرية الإسرائيلية.

وما أن خرجت مبادرة اللجنة الرباعية على شاشات المحطات الفضائية، حتى قلّـل الفلسطينيون من شأنها، كونها لم تتعرض، كما جاء على لسان اكثر من مسوؤل، لأسباب "الكارثة الإنسانية"، وأنها تجعل انسحاب القوات الإسرائيلية مشروطا بالإصلاح الأمني الفلسطيني الشامل.

يؤكد المسؤلون المطلعون أن الجهود الفلسطينية الحثيثة التي قادها وزير التعاون الدولي نبيل شعث، لم تنجح في تغيير وجهة النظر الأمريكية داخل اللجنة الرباعية والداعمة لإطلاق يد شارون في الساحة الفلسطينية، حتى يقر عينا بالنتائج المتوخاة على الأرض.

هذه النتائج، تستند إلى رأي شارون في مواصلة "قمعه" للنشطين الفلسطينيين على مبدأ تعطيل حركتهم غير عابي بالذي يجره ذلك على اكثر من ثلاثة ملايين فلسطيني يعيشون وضعا هو الأسوأ منذ قيام إسرائيل عام 1948.

الجهود الفلسطينية تحطمت مرة أخرى على باب الإدارة الأمريكية المفتوح على اقتراحات شارون وخططه والموصد أمام اليد الفلسطينية الممتدة، رغم خطة العزل التي تواصلها إسرائيل بأحكام ضد ياسر عرفات وقيادته وبتأييد أمريكي ودولي صلب.

الجبهة الداخلية

المفارقة، أن الوضع الفلسطيني المتوتر اخذ يسهم أيضا بطريقة غير مباشرة في تسهيل جهود الإدارة الأمريكية وحكومة إسرائيل في مواصلة عزل عرفات، وبالتالي، إضعاف القيادة الفلسطينية بشكل عام.

الخطوتان الأخيرتان المتعلقتان بجهود شعث للحصول على وقف إطلاق نار رسمي من حركة فتح وعملية إسقاط حكومة عرفات بسبب الضغوط التي مارستها مجموعة متمرّدة من حركة فتح داخل المجلس التشريعي، تؤشران على هذا الضعف والتشتت.

قاد شعث حملة محمومة بمساعدة زميله هاني الحسن في اللجنة المركزية لحركة فتح، للحصول على تعهد "فتحاوي" يمنع العمليات الانتحارية والهجمات ضد المدنيين الإسرائيليين، وتمكن من الحصول على بيان من دائرة التعبئة والتنظيم داخل الحركة وعرضه على محاوريه الأوروبيين والأمريكيين، ثم طار به إلى نيويورك لمندوبي اللجنة الرباعية.

لكن المقاتلين الفلسطينيين ومعهم اللجنة الحركية العليا التي يرأسها أمين سر حركة فتح المعتقل مروان البرغوثي، تحفظوا على البيان، خصوصا البند المتعلق بتعريف المدنيين الإسرائيليين. وبانتظار حل هذه الإشكالية داخل فتح، ستظل الحركة غير قادرة على إقناع أطراف المواجهة الأخرى بنواياها.

أما مسألة إسقاط حكومة عرفات في مداولات المجلس التشريعي الأخيرة، فإنها صبّـت أيضا في خانة إضعاف عرفات وإغراء إسرائيل والإدارة الأمريكية بمواصلة حربها ضده. ويؤكد مسؤولون داخل فتح أن توقيت الخطوة لم يكن مناسبا على الإطلاق وأنه أضاف تصدعا جديدا داخل القيادة الفلسطينية.

العزلة الدولية

أكد وزير الدفاع الإسرائيلي بنيامين بن اليعازر غداة استئناف الحصار ضد عرفات،أن إسرائيل لا تنوي طرد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات أو إيذاءه جسديا، لكنها تريد "عزله". أما ما يجري في المقاطعة، فإنه ليس سوى محاولة تطويق جديدة. بيد أن شارون الذي طالما ردد علنا رأيه في طرد عرفات، أصر خلال مداولات مجلسه الأمني المصغر بعد وقوع العمليتين الأخيرتين، أنه لا يريد المساس بعرفات بل عزله.

لكن الذي يجري على أرض الواقع منذ بداية العام الحالي، ليس سوى عملية عزل لعرفات سجلت رسميا عندما أعلنها الرئيس الأمريكي جورج بوش في خطابه أوائل يونيو الماضي.

التفسير الذي يؤكده مسؤولون ومراقبون معا، أن شارون يعلم أنه لو تراجع عن حربه الميدانية ضد الفلسطينيين، فإن عليه أن يدفع استحقاقات سياسية لا يريد أصلا البت فيها، وتتعلق بتسوية القضية الفلسطينية. وشارون مرتاح لهذه اللعبة وللأجواء الدولية التي تدور فيها، لاسيما على خلفية التصعيد الأمريكي تجاه العراق والذي يغريه بالبقاء حيث يريد، في ملعب الحديد والنار الذي حاول عرفات تجاوزه.

هشام عبد الله - رام الله

باختصار

عادت الدبابات والمدرعات الإسرائيلية لتحاصر مقر الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في رام الله وتُدمر أجزاء كبيرة من المبنى المعروف باسم المقاطعة. جاء ذلك إثر عمليتين انتحاريتين في أم الفحم وتل أبيب بعد أن توقفت هذه العمليات زهاء الشهر ونصف. ويواجه الرئيس الفلسطيني وشعبه أوضاعا قاسية لم يسبق لها مثيل.

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة