تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

أي عراق يريد العراقيون؟

مشهد من أحد الاجتماعات للتيارات والفصائل السياسية العراقية في بغداد

(Keystone)

العراقيون، حلم بالحرية والرفاهية. فجأة، وجد العراقيون أنفسهم في وضع يختلف تماما عن الحالة التي ألفوها طيلة قرابة أربعة عقود.

ورغم أن كثيرا من العراقيين كانوا يتمنون تغيير تلك الحالة، إلا أن ما هو قائم الآن، لم يكن يراود مخيلتهم، علاوة على أنه لم يحقق لهم حتى الآن بعض طموحاتهم.

إن ما حصل، حصل فعلا، وليس أمام الجميع إلا التسليم به كواقع دون أن يكون وصف التسليم مرادفا لوصف الاستسلام. لابد أولا من تبرير حقيقة أن النظام السابق كان من الهيمنة والشمولية، بحيث أنه طال جميع مرافق الحياة.

وما هو شاق وقريب من المستحيل في بعض الحالات، أن السنوات الخمس والثلاثين الماضية رسّـخت في الأرض وفي صميم الإنسان العراقي منظومتها القيمية والأخلاقية والقانونية، وأكسبت كثيرين مراكز قوة ومنحتهم أدوارا وحقوقا لا يمكن سحبها بجرة قلم، حتى وإن زال النظام الذي كان يمنحها القوة والغطاء والقدرة.

كذلك، فإن من الحكمة إدراك أن سقوط النظام في العراق شيء، وزوال آثاره شيء آخر، حيث لا يمكن حصر الموضوع بعشرات التماثيل ولا بآلاف الصور للرئيس صدام حسين، مما تزدحم به الشوارع والساحات ومداخل المؤسسات. فإزالة هذا الكم الهائل ليست مستحيلة، وإن كانت شاقة. كما أن الموضوع لا ينحصر بعدد من القيادات يتم استبدالها، ولا بجيش يتم تغيير قياداته كما ينظر البعض.

تبدو المهمة الملقاة على عاتق العراقيين اليوم أكثر صعوبة من مهمة إزالة النظام السياسي السابق، التي تكفّـل بها الأمريكان. فأي خطوة إلى الأمام، لابد أن تسبقها خطوات لمعالجة آثار الماضي، حتى لا تبدو عملية التقدم إلى المستقبل خطوة غير محسوبة أو قفزة في المجهول.

تعددية بالجملة

يرى كثير من العراقيين أن اليافطات التي أصبحت تملأ واجهات المقرات والتنظيمات السياسية، القديمة والجديدة، قد لا تبشر كلها بخير، ولا بمستقبل زاهر للعراق وأهله، إذ ليس غريبا أن ترى بعض من تلوث بآثار النظام السابق، وكان يوما ما أحد أركانه أو المستفيدين منه، أو أحد أدواته، وبعضها ملوث بل أكثر من ذلك، يسعى اليوم إلى تأسيس تنظيم سياسي رافعا شعارات كان يوما ما يسعى إلى قمعها، فضلا عن أن الضغط الشاذ الذي يعيشه العراق، يسمح لكثير من المرتزقة وانتهازي الفرص بإنشاء تيارات سياسية، حتى وإن كانت بعيدة كل البعد عن الواقع الجديد.

وفي ظرف العراق الآن، نرى البعض كمن ينفلت من عقاله أو يتصرف كالمارد الخارج توا من القمقم، يحاول أن يثير فتنة هنا ويشعل نار فتنة هناك. ورغم أن دوافع عمل كهذا مفهومة عند البعض بعد سنوات من القهر والحرمان، ومصادرة الآراء وإلغاء الآخر، إلا أنها ظواهر يجب أن يُـحسب لها ألف حساب في بلد كالعراق تتكاثر فيه الملل والأديان والطوائف والقوميات، مما يجعل من هذا البلد الأكثر قابلية للتشظي والتشرذم، إذا لم يتم تدارك الأمر على نحو لا يمنح فرصة لأولئك المتصيدين في المياه العكرة، وهم ليسوا قلة حتما لإشعال نار حرب أو حروب داخلية.

وبرغم أن عدم حدوث أي نوع من المواجهة بين السنة والشيعة، إلا أن بقاء الحال الأمني دون حسم، يمكن أن يُشعل نار الصراع الطائفي، خاصة مع ملاحظة اندفاع بعض القوى الشيعية إلى الاستيلاء على كثير من المساجد، التي كانت عائدة للسنة، ومع تحويل معظم مقرات حزب البعث السابق إلى حسينيات تمارس فيها طقوس الولاء الشيعية على نحو يتسم أحيانا بالمغالاة.

ثمة مشكلة أخرى طرأت منذ سقوط نظام صدام حسين، وتتعلق بظهور بعض الخلافات بين تيارين من القوى السياسية في العراق، سواء منها تلك التي تحتفظ بإرث تاريخي، أو تلك التي نشأت أخيرا فقط. وتنحسر الخلافات بين تياري الداخل والخارج حول من ستكون له الأغلبية في أي ترتيبات مستقبلية، هل هي لقوة الداخل التي عانت كثيرا من اضطهاد النظام السابق، أم إنها للقوى القادمة من الخارج، وتحديدا للجنة التنسيق المعروفة بلجنة 65 + 6؟

وهناك أيضا الموقف من رموز النظام السابق، حيث ثمة تياران، أحدهما تسامحي، والآخر استئصالي. فضلا عن أن فكرة وجود القوات الأمريكية ومدة بقائها في العراق محل خلاف واضح. ففي حين يطالب البعض برحيل القوات الأمريكية فورا، يرى البعض الآخر وجود مصلحة سياسية ظرفية تتطلب بقاءها مدة معقولة من الزمن، لفرض مقتضيات النظام والأمن والاستقرار.

ويُدرك العراقيون أن مستقبل بلدهم لم يعد حكرا عليهم كما هو شأن كل الدول والشعوب الحرة ذات السيادة. فمستقبلهم ونظام الحكم في بلدهم وشكله وحدوده وسياساته الوطنية والقومية والدولية، وخطط التنمية فيه، لن تتقرر على الإطلاق في بغداد، وإنما ستتقرر في عواصم أخرى، بعضها في الجوار القريب، والأخرى في الأفق البعيد.

أي قيادة جديدة؟

وفي أعقاب سلسلة مكثفة من الاتصالات والمداولات التي جرت مؤخرا بين القوى والفصائل والشخصيات السياسية من تياري الداخل والخارج، يمكن القول، إن شكل القيادة الجماعية التي ستحكم العراق، تم تحديده على نحو يمثل أطياف المجتمع العراقي، ويحظى بموافقة جي غارنر، مدير مكتب اعمار العراق والمساعدات الإنسانية.

وطبقا لما راج بشأن تلك الاتصالات والاجتماعات، فإن القيادة الجماعية ستتكون من 8 أشخاص، يُتوقع أن يترأسها السياسي العراقي المعروف عدنان الباجه جي، الذي يعتبره البعض أحد صمام أمان في عراق ما بعد صدام، إضافة إلى الزعيم الكردي مسعود البرزاني، الذي قام بدور محوري في التوسط بين جميع الأطراف لتقريب وجهات النظر بشأن مستقبل العراق السياسي.

ويمكن القول إن عودة الباجه جي، وزير الخارجية في عهد عبد الرحمن عارف في الستينات، والذي يمثل تيار الوسط أو الكتلة المستقلة، ستمهد بلورة رؤية متكاملة حول ملامح مستقبل العراق السياسي، خصوصا وأن القيادة الكردية المتمثلة بمسعود البرزاني، وهي الأوفر حظا، تسعى لإشراك الباجه جي في القيادة الجماعية لدوره المتوقع في تحقيق التوازن التوافقي بين جميع القوى السياسية والعرقية، نظرا لما يحظى به هذا الرجل من مصداقية ورصانة واستقلالية، رغم أن جلال الطالباني، العنصر الآخر في القيادة الكردية، نفا أن تكون أمام الباجه جي فرصة للانضمام إلى لجنة التنسيق والمتابعة.

من جهته، يحاول التيار القومي العراقي، ممثلا بفصائله المتعددة، لملمة صفوفه لتأكيد حضوره في المعادلة السياسية في العراق الجديد، حيث تشهد بغداد ومدن أخرى اتصالات بين العديد من الأطراف ذات الصلة بالتيار القومي، لبلورة برنامج عمل واقعي تستند إليه هذه الفصائل التي غابت طويلا عن ساحة العمل السياسي أسوة لتيارات أخرى، فيما يسعى ضباط قوميون وناصريون، في مقدمتهم رئيس الوزراء الأسبق ناجي طالب، ووزير الخارجية الأسبق صبحي عبد الحميد، إلى استقطاب بعض الضباط القوميين الذي عُزلوا من طرف النظام السابق.

فالعراقيون الذين لم يألفوا العمل السياسي المعارض، ولم يعيشوا في جو يتسم بأي قدر مقبول من العافية السياسية طوال أربعة عقود ونصف، يحتاجون إلى فرصة لالتقاط الأنفاس قبل أن يبدءوا مرحلة جديدة من العمل السياسي، وهي فرصة قد تطول بعض الشيء، خاصة وأنهم ما زالوا ينظرون بعين الريبة والشك، وربما الاتهام أيضا، إلى العديد من التنظيمات المعارضة التي جاءت إلى بغداد على ظهر الدبابات الأمريكية، فضلا عن أن معظم من هم في سن الشباب في العراق اليوم بعيدين كل البعد عن الهم السياسي وغير معنيين به أصلا، حيث من المهم معرفة أن الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و30 عاما، لم يعرفوا إلا صدام حسين، ولم يعيشوا إلا الحرب والحصار والقمع.

كما سئم كثير من رجالات العراق ومثقفيه وأساتذة الجامعات والنخبة عموما العمل السياسي بعد ما عانوه في مراحل "التيـئيـس" المقصودة وغير المقصودة. لكن كل ذلك لا يعني إطلاقا أن نهوض العراق في هذه الظروف قد يكون محالا. لكن ما هو مؤكد أن الأمر قد يطول، وربما لأكثر مما هو متوقع.

مصطفى كامل – بغداد


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×