تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

إسماعيل أمين: الطريق الوحيد هو الحوار

(swissinfo.ch)

"بعد أن أنهَـيت دراساتي العليا بزيورخ سنة 1968، عُـرض عليّ التدريس بالجامعة لفترة محدودة. وفعلا، مكَـثت ستة أشهر، ثم عام، ومن عام لعام..أدركت بعد أربعين عاما أنني لن أعود إلى مصر، هذه العودة التي منّيت النفس بها طويلا".

هكذا بدأت رحلة الدكتور إسماعيل أمين، أستاذ الفلسفة والدراسات الشرقية بجامعة زيورخ ورئيس اتحاد المنظمات الإسلامية بنفس المدينة.

وكأن يدا حانية قد امتدّت، ترسم لحياته طريقا فيه من الاختيار قليلا ومن الأقدار الكثير. أراد الدراسة في مصر، فانتهى طالبا في سويسرا، وهاجر للدراسة إلى فيينا، فكانت إقامته في زيورخ، وأراد تعلّـم الهندسة، فحصَـل على الدكتوراه في الفلسفة والدراسات الشرقية.

وبين حنايا والتواءات هذه الرِّحلة الطويلة وتفاعلاتها مع الزمان والمكان، زمان يسكُـنه وهو بعيد منه، ومكان يألفه وهو غريب عنه، تشكّـلت مفردات هذه التجربة الثرية، التي تروي بعض فصول قصّـة الجيل العربي الأول، الذي حطّ الرحال في سويسرا.

وبرغم نصف قرن من الغربة عن الوطن، يقول الدكتور إسماعيل: "إننا من الوطن العربي وإننا شرقيون، ولابُـد أن يكون انتماؤنا قويا للوطن الأم، ولكن هذا لا يعني أننا نفضّـل مصر على سويسرا أو العكس".

اهتمام مبكّـر بالشأن العام

اختار إسماعيل أمين أن يكرّس حياته لخِـدمة الآخرين ونصرة القضايا العادلة، واعتنق الفِـكر اليساري قبل قدومه إلى أوروبا، لِـما وجد فيه من انحياز "للجماهير الشعبية وللمسحوقين"، وناصر الحركة القومية لمّـا كانت عنوان الاستقلال والتحرّر، ولكن بعد هزيمة 1967، "اهتزت الهوية بعنف، هوية الذات والانتماء، فغمر الشك ما تبقّـى من شعارات الناصرية".

لكن الهزيمة القاسية لم تفت من عزمه، فأسّـس مع بعض زملائه "رابطة الطلاب العرب"، التي كانت لها أنشطة متنوِّعة، تصُـب أغلبها في نُـصرة القضية الفلسطينية، فنظّـم معارض الفلكلور الوطني ومعرض الكتاب الفلسطيني، وعقد ندوات ومحاضرات لشرح وِجهة النظر العربية، وساهم هذا الإتحاد في تعزيز الترابط بين أعضائه من الجالية العربية.

وفي الثمانينات، ومع تزايُـد عدد الأقلية المسلمة، أدرك الدكتور إسماعيل ونُـخبة من المتعلِّـمين، مثل البروفسور حسن نور الدين ومحمد منصور وعادل ذي الفقار، وكلهم مدرّسون بالجامعات، "أنه لابُـد من فعل شيء لتوعِـية هؤلاء الشباب القادمين إلى الدراسة والعمل، والحال أنهم يجهلون لغة القوم وثقافتهم".

فكانت هذه هي البوابة التي ولَـج منها الدكتور إسماعيل إلى ما يسمِّـيه "التيار الإسلامي العام"، فأنشأ مع من سبَـق ذكرهم أوّل جمعية إسلامية في سويسرا، تطوّرت بعد ذلك إلى ما يُـسمى اليوم "المؤسسة الإسلامية بزيورخ"، بعد أن انسلخ عنها الأتراك والألبان لمّا توسّـعت قاعدة كل طائفة وقويت شوكتها. ومرة أخرى، لم يكن الولاء، حزبيا أو طائفيا، بل شعور المثقف الواعي بدوره وواجبه في الأخذ بيد الجمهور.

لم تتوقّـف رحلة البِـناء والإنجاز عند هذا المستوى، إذ اختير الدكتور إسماعيل رئيسا لإتحاد الجمعيات الإسلامية بكانتون زيورخ، هذا الإتحاد الذي تمكّـن من بناء جُـسور قوية للتواصل والثقة مع السلطات المحلية وحقق إنجازات، يحِـق لأبناء الكانتون أن يفخروا بها.

الخيار الثالث

حاول البعض أن يضع المسلمين مُـنذ البداية أمام خيارين: الاندماج الكامل في المجتمع والذوبان فيه أو العزلة والانكفاء عن الذات، وبين هذا الخيار وذاك، يدعو إسماعيل أمين إلى ما يُـسميه الخيار الثالث المتمثل في "المحافظة على الهوية والكِـيان الثقافي، مع الانخراط بفعالية في المجتمع المحلي والتكامل معه".

والسبيل إلى هذا الاندماج طويل وشاق، و"يجب إعطاء الوقت الكافي للمسلمين، لكي يتعوّدوا على طبائع المجتمع، دون أن يُـجبروا على ترك ثقافاتهم وهويّاتهم الدينية والوطنية"، حسب قول السيد أمين.

هذا الخيار السليم من حيث المبدأ، يتطلّـب توفّر بنية تحتية صلبة وخطوات مدروسة، تبدأ ببناء جُـسور الثقة بين السلطات والأقلية المسلمة والاستجابة لمطالبها المشروعة وتيسير شؤون حياة أبنائها، وفي المقابل، يلتزم المسلمون باحترام قوانين البلاد وثقافة مجتمعها.

وإذا كان الاندماج، يتساءل الدكتور إسماعيل أمين "هو أن أكون عضوا صالحا داخل المجتمع، أخلِـص في عملي وأؤدي ضرائبي وأرسل أبنائي إلى المدارس وأعيش كبقية فئات المجتمع في احترام تام للقانون والدستور، فلماذا يُـطلب من المسلمين ما لا يُـطلب من غيرهم؟"

الحوار والشفافية سرّ النجاح

الدكتور أمين لا يرى غير الحِـوار سبيلا للتعايش والتَّـواصُـل بين المسلمين وغيرهم من الطوائف. وبرغم انتشار نزعة الإسلاموفوبيا، استطاع اتحاد الجمعيات الإسلامية الذي يرأسه، من خلال الحوار، بِـناء جَـوٍّ من الثقة والتفاهم مع كل الجهات، الرسمية وغير الرسمية، الدينية والمدنية. فشكـّل ذلك مدخَـلا مناسبا لتفهّـم مطالب المسلمين والاستجابة لها.

وفي هذه الأجواء الإيجابية، سمحت لهم بلدية زيورخ بإنشاء مقابر خاصة ورخّـصت لهم أخيرا بإنشاء مركز إسلامي يعلِّـق عليه المسلمون آمالا كبيرة، في الوقت الذي رُفض مشروع مماثل له في العاصمة برن، وقبلت وزارة التربية بإعادة صياغة المقررات الدراسية وتنقيتها مما يتخللها من تشويه للدّين الإسلامي.

وعن التحديات، يقول الدكتور أمين: "أكبر مشكلة نعاني منها، هي تنشِـئة الجيل الثاني والثالث تنشِـئة سليمة، وهذا برأيي، يتطلّـب إنشاء مراكز ثقافية كبيرة وهيئة من كِـبار العلماء وأئمة ومُـرشدين يعلِّـمون جيِّـدا تاريخ هذا المجتمع وثقافته، ويحسنون التخاطب بلغة القوم".

ومن وحي تجربة الأستاذ الجامعي ورجل التعليم لعقود طويلة، يحذّر من إجبار الأبناء على إتِّـباع اختصاصات لا يرغبون فيها، مؤكِّـدا على أن لكل شخص مُـيولا ومؤهلات، لا يستطيع التميـّز في غيرها.

ويستمر إلى اليوم نشاط الدكتور إسماعيل أمين في مجال حوار الأديان، إلى جانب ممثلين عن بقية الأديان والسلطات المحلية، ويهتَـم هذا المنتدى الفريد من نوعه بتشجيع التعايش السلمي والتعارف بين الأديان، اعتقادا من القائمين عليه، أن الخِـلاف عادة ما يكون نتاج الجهل بالآخر.

عبد الحفيظ العبدلي - زيورخ

باختصار

ولد الدكتور إسماعيل أمين في منيا القمح - شرقية بمصر يوم 23 ديسمبر 1934، وكان والده يعمل طبيبا. وبعد إكمال الثانوية، اختار أن يدرس الهندسة، لكنه لم يوفّـق فيها في مصر، فقرر السفر إلى أوروبا سنة 1955، والتحق بجامعة فيينا بالنمسا، ثم إلى دارمشتاد بألمانيا، لكن سوء الطالع ظل يلاحقه، فعاد من جديد إلى النمسا، ليلتحق هذه المرة بكلية الفلسفة وعلم النفس. فارتاح لهذا التخصص الجديد، وسكنت إليه نفسه وكانت تلك نهاية مصاعبه الدراسية.

نبغ إسماعيل أمين في دراسة الفلسفة وعلم النفس وزادت قراءاته ومطالعاته في المجال، وعندما أدرك أن مصر، وطنه الأصلي، لا يعترف بالشهادات العِـلمية المتحصِّـل عليها في النمسا، قرر الرحيل إلى زيورخ في أكتوبر 1960. في هذه المدينة، كان علم النفس، وعلى خلاف فيينا، يُـدرَّس في قسم العلوم النظرية، وكان التركيز كل التركيز في تلك المرحلة، مُـنصبٌّا على مدرسة التحليل النفسي ورمزها، سيغموند فرويد.

أكمل إسماعيل أمين دراسته وحصل على الدكتوراه في الفلسفة وعلم النفس والدراسات الإسلامية عام 1968، وعزم على العودة إلى أرض الكِـنانة، لكن جامعة زيورخ عرضت عليه الالتحاق بهيئة التدريس بهذه الجامعة ثم بجامعات أخرى ومعاهد وكليات مختلفة، وبعد هذه التجربة، أصبح الدكتور أمين من أكبر المتخصصين في الدراسات الشرقية والإسلامية في زيورخ وفي سويسرا عامة.

نهاية الإطار التوضيحي

Neuer Inhalt

Horizontal Line


The citizens' meeting

المؤتمرات البلدية في ربوع سويسرا

تابعُونا على تلغرام

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك