تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

إصلاحات اجتماعية طال انتظارها!

(Keystone)

حسم الملك محمد السادس جدالا طال أمده حول وضعية المرأة في المملكة المغربية.

وقد تلقّـت الفعاليات النسائية والسياسية في البلاد بارتياح ملحوظ الإصلاحات التي قد يبدأ العمل بها في موفى هذا العام.

في خطابه أمام البرلمان بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الجديدة، أعلن الملك محمد السادس اعتماد إصلاحات جوهرية في مدونة (قانون) الأحوال الشخصية التي أصبحت تُـسمّـى مدونة الأسرة، نظرا لأن القانون يشمل جميع أفرادها رجالا ونساءً وأطفالا. وقد ارتكز الإصلاح والتعديل على تعزيز المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات.

هذا المرتكز "المساواة"، شكّـل ثورة حقيقية في تعاطي دولة لا يزال الدين الإسلامي مصدرا أساسيا لقوانينها، وتمتزج فيه السلطة السياسية بالمرجعية الدينية. فالملك، إضافة لسلطاته الدستورية، هو أيضا أميرا للمؤمنين، وهي صفة تُـؤهّـله قانونا للتعاطي مع القضايا التي تمس الشريعة.

وقد التقط الرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي كان في زيارة رسمية للمغرب إشارة هذه "الثورة" ليُـنوّه بها ويصفها بالخطوة الكبيرة الواعية والشجاعة للمجتمع المغربي.

إصلاحات بالجملة

وقد تجسّـدت المساواة بين الرجل والمرأة في النصوص التي ستتضمنّـها مدونة الأسرة في المغرب من خلال وضع مسؤولية الأسرة تحت رعاية الرجل والمرأة باعتبارها طرفا شريكا للرجل في الحقوق والواجبات تُـجاه الأسرة، مقابل ما تنص عليه المدونة الحالية من تحميل الرجل مسؤولية الأسرة.

أما في تدبير شؤون الأسرة، فقد تخلّـى القانون الجديد عن مفهوم طاعة الزوجة لزوجها، وعن "إشرافها على البيت وتنظيم شؤونه"، ونَـصّ في المقابل على "حقوق وواجبات متبادلة بين الزوج والزوجة".

كما سحب القانون الجديد من الرجل الحق المُـطلَـق في الطّـلاق، ومنح للطرفين مُـمارسة هذا الحق وِفق الشريعة ولكن تحت مراقبة القضاء، بما في ذلك الطلاق بالتراضي. وحسب النصوص الجديدة، يُـشترط لإجراء الطلاق الحصول على الإذن المُـسبق من القضاء، ودفع المبالغ المُـستحقّـة للزوجة والأطفال قبل إصدار القرار. كما تم إلغاء الطلاق الشفوي، وطلاق الغضبان والسكران، والحلف باليمين.

من جهة أخرى، منحت المدونة الجديدة المرأة حق التّـطليق ضمن شروط حدَّدتها النصوص بحصول الضرر بكل أنواعه (العنف، والهجر، والغيبة، وعدم الاتفاق أو الإخلال بشرط من شروط وردت في عقد الزواج). كما منحتها حق الطلاق إذا ما تزوج الرجل امرأة ثانية وكان ذلك مخالفا للعقد، والحق في طلب الطلاق حتى لو لم يرد ذلك في عقد القران، وساوت بين البنت والولد المحضونَـيْـن، ووحّـدت سن اختيار الحاضن لكليهما.

ورفع القانون الجديد ولاية الرجل عن المرأة الرشيدة في الزواج وترك لها حرية تفويض ولايتها بمحض إرادتها لأبيها أو لأحد أقاربها. وذهب بعيدا في مساواة المرأة بالرجل بالنسبة لسن الزواج، حيث أصبح 18 عاما للاثنين بعد أن كان 15 عاما بالنسبة للمرأة و18 عاما بالنسبة للرجل.

وقنّـنت المدونة الجديدة تـعدُّد الزوجات ليُـصبح شبه مستحيل، وتم وضعه بيد القاضي وحده وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية، أي إذا ثبت لدى القاضي وجود المبرر الاستثنائي الموضوعي للتعدد وقدرة الرجل على العدل بين زوجتيه وأولاده، وألا يكون واردا غير ذلك في عقد الزواج، وأن تُـبلَّـغ الزوجة الأولى والثانية أمام القاضي، كما مُـنحت الزوجة الأولى حقّ طلب الطلاق للضرر.

حسم ملكي

كان ضروريا أن يتدخل الملك، بصفته أميرا للمؤمنين للحسم في مدونة الأحوال الشخصية أو وضعية المرأة في القانون المغربي، بعد أن كانت هذه المُـدوّنة محل نقاش وخلافات دامت أكثر من ثلاث سنوات، وشكّـلت من أجلها لجنتان ضمّـت علماء وفقهاء، وممثلات عن الحركة النسائية ومنظمات المجتمع المدني.

كان إصلاح المدونة محـلّ مُـطالبة الحركات النسائية منذ بداية التسعينات، لكن الإجراءات التي اتخذها الملك الراحل الحسن الثاني بداية ذلك العقد لم تكن كافية في رأي هذه الحركات.

وفي ظل حكومة التناوب، حاولت وزارة المرأة والأسرة عام 1999 أن تُـحدث قفزة من خلال ما أطلقت عليه خطة إدماج المرأة المغربية في التنمية، لكن ردّ فعل التيارات الأصولية المعتدلة والمتشددة على هذه الخطة، وتراجع الأحزاب السياسية المشاركة في الحكومة عن دعمها، أدّى بالحكومة إلى أن ترفع الملف برمّـته إلى "أمير المؤمنين".

كانت اعتراضات التيارات الأصولية فيما يتعلّـق بقانون الأحوال الشخصية الوارد في الخطة، تتعلق بسن الزواج، والولاية، وتعدد الزوجات، والطلاق، والحضانة. وكانت مسيرتا الدار البيضاء (الأصولية)، والرباط (الحداثية) بمناسبة يوم المرأة العالمي في 8 مارس 2000 بمثابة إعلان حرب بين الطرفين.

لم يتراجع التيار المحافظ عن موقفه الذي حاول تثبيته من خلال لجنة المدونة الملكية، واعترض في كثير من الأحيان على العبارات والكلمات. لكن ما جرى في 16 مايو بالدار البيضاء من هجمات انتحارية نفذها أصوليون متشددون، جعل هذا التيار يستكين ويرضخ للضغوطات النفسية الممارسة في البلاد.

وقد حرص العاهل المغربي الملك محمد السادس في الخطاب الذي ألقاه أمام البرلمان في مفتتح السنة النيابية يوم 10 أكتوبر الجاري على الإعلان أنه إذا كان بصفته أميرا للمؤمنين لا يمكنه أن يُـحلّـل ما حرم الله ويُـحرم ما حلّـل الله، فقد استند في الإصلاحات التي أعلنها لتُـصبح المدونة عصرية ومُـنسجمة مع روح الدين الإسلامي على الأخذ بمقاصد الشريعة الإسلامية في تكريم الإنسان، والعدل، والمساواة، والمعاشرة بالمعروف، وبوحدة المذهب والاجتهاد.

وفيما سارع الفاعلون السياسيون بمختلف توجهاتهم إلى إصدار بيانات تأييد ومُـباركة للإصلاحات، رحّـبت بها الحركات النسائية واعتبرتها خُـطوة هامة وقفزة نوعية لترسيخ حقوق المرأة. إلا أنها أعلنت أن لديها مطالب أخرى لا زالت في الطريق.

محمود معروف - الرباط


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×