تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

إصلاح دستوري أم فترة رئاسية رابعة؟

الرئيس التونسي زين العابدين بن علي

(Keystone)

أخيرا كشفت السلطة عن طبيعة التعديلات الدستورية التي ستمهد للإنتخابات الرئاسية القادمة التي ستنظم خلال سنة 2004.

وأهم ما يميز هذا الإصلاح الدستوري المعلن عنه أنه لم يقتصر على تعديل الفصل 39 من الدستور التونسي الخاص بالحد الأقصى للترشحات لمنصب رئاسة الجمهورية، وإنما حاول واضعوه أن يدرجوه ضمن أفق أوسع يصفه الخطاب الرسمي بأنه " يؤسس لجمهورية الغد " وليس للجمهورية الثانية التي يطالب بها البعض.

وتتمحور هذه التعديلات حول أربعة مسائل رئيسية. أولها التنصيص بالدستور على عدد من حقوق الإنسان، مثل شمولية منظومة حقوق الإنسان، وسرية المراسلة، والاحتفاظ والإيقاف التحفظي بضمانات قانونية كخضوعه للمراقبة القضائية. ويخص المحور الثاني بعث غرفة ثانية إلى جانب مجلس النواب ستكون مفتوحة أمام الجهات ومختلف مكونات المجتمع . أما المسألة الثالثة فتتعلق بما سمته الصحف الرسمية ب "تفعيل علاقة الحكومة بالسلطة التشريعية مع المحافظة على الطابع الرئاسي للنظام الجمهوري"، وذلك من خلال إيراد الأسئلة الشفاهية في الدستور. أما فيما يتعلق بآليات الانتخابات الرئاسية، فقد اقترح المشروع إدخال نظام الدورتين، والتنصيص على إمكانية الترشح لدورة جديدة بالنسبة للرئيس بن علي، دون المساس بالسن الأقصى للترشح.

التعديلات المعلن عنها لم تفاجئ الساحة السياسية بشكل عام، حيث راجت خلال الفترة الأخيرة أفكار ومعلومات حول المضامين التي ستعتمدها هذه الإصلاحات، خاصة وقد سبق للرئيس بن علي أن أشار إلى ذلك بوضوح في خطابه الذي ألقاه بمناسبة ذكرى السابع من نوفمبر الأخيرة. كما أن ردود الفعل المسجلة حتى الآن جاءت بدورها ضمن ما هو متوقع.

فأغلب الأحزاب الممثلة في البرلمان زكت التوجه العام للمشروع، وإذ حاول بعضها(مثل السيد منير الباجي ) الإشارة إلى أنه في انتظار الاطلاع على تفاصيل المشروع وجزئياته لتحديد موقف أكثر دقة وشمولا فإن السيد محمد بوشيحة الأمين العام لحزب الوحدة الشعبية قد سارع إلى تثمين ما ورد في المشروع من تأكيد على حماية الحريات الفردية والعامة، واعتبر أن بعث غرفة ثانية والتنصيص على تعدد الترشحات في الانتخابات الرئاسية من شأنه أن " يؤسس لمنعرج ديمقراطي يضمن مناعة المؤسسات ويضع آليات للتداول السلمي على السلطة ".

لكن المراقب يحس بنوع من الحرج غير المعلن لدى بعض أطراف هذه الدائرة الأولى من الوسط السياسي الأحزاب المعارضة. فمثلا اكتفى السيد إسماعيل بولحية بالقول أن حركة الديمقراطيين الاشتراكيين قد شكلت لجنة خاصة بالإصلاح الدستوري، وأنها تساند مبدأ الرجوع إلى الشعب، معبرا عن أمنيته بأن تجري هذه الإصلاحات " في مناخ من الوفاق والمصالحة والمشاركة الفعالة لكل مكونات المجتمع ".

تعميق الفرز على الساحة السياسية..

في مقابل ذلك خرج " لحزب الديمقراطي التقدمي " غير الممثل في البرلمان من منطقة التحفظ التي التزم بها منذ مؤتمره الأخير تجاه موعد 2004. فالسيد أحمد نجيب الشابي أكد لسويس أنفو أن المشروع الحكومي حاول الالتفاف على الفصل 39 من الدستور الذي لا يسمح بأكثر من ثلاث دورات بالنسبة للرئيس بن علي.

وأعتبر الشابي أن المشروع برمته جاء غامضا، ولم ينبثق عن تبادل الرأي مع كل الأطراف المعنية بهذه الإصلاحات، متسائلا بالخصوص حول الجدوى من التنصيص على الحريات وحقوق الإنسان، في حين "تشهد الممارسة اليومية ترديا كبيرا" على حد قوله. وأشار إلى أن مسألة علاقة الحكومة بالبرلمان لم تتغير ، حيث " بقي النظام التونسي رئاسويا". وقلل من أهمية وجدوى الاستشارة الشعبية في غياب حرية الرأي والتعبير. واعتبر أن الاستشارة ستكون " مغلوطة " حسب اعتقاده. وأنهى السيد نجيب الشابي تعليقه بأن حزبه لا يتوقع حدوث أي إصلاح حقيقي، وأن المشروع يهدف في الأساس إلى "تبرير إلغاء الفصل 39".

يتبين من خلال مختلف ردود الفعل، إضافة إلى بعض المؤشرات، أن المشروع الرسمي الخاص بالإصلاح الدستوري سيزيد في تعميق الفرز داخل الساحة السياسية، وأن مكونات الحركة الديمقراطية الاحتجاجية قد تجد في موقفها المعارض لمجمل المشروع الحكومي أرضية للإقتراب من رغبتها في بناء قطب ديمقراطي، يكون اكثر تماسكا وإقناعا. وهو ما أشار إليه الشابي عندما اعتبر بأن المطلوب حاليا هو دعوة الحركة الديمقراطية إلى جمع كلمتها، والتقدم ببديلها مع اللجوء إلى كل الوسائل المتاحة.

فهل سيقدر التحالف الرباعي الذي تشكل مؤخرا تحت لافتة "الوفاق الديموقراطي" من توسيع دائرته من خلال طمأنة حركة التجديد التي لا زالت مترددة مثلا؟. وهل ستشهد المرحلة القادمة فتح حوار معمق مع عائلات اليسار المتجذر مثل "حزب العمال الشيوعي التونسي" الذي قد يبلور في الأيام القادمة أولوياته وقيادته السياسية التي يمكن أن تتحدث رسميا باسمه بعد عودة زعيمه حمة الهمامي إلى السجن؟.

أما على الصعيد الرسمي فلا زالت التساؤلات كثيرة، وتخص بدرجة أساسية كيفية تعامل الحكومة مستقبلا مع الملفات ذات الطابع السياسي. إذ سيبقى من الشاذ والغريب أن تؤسس السلطة مبادرتها السياسية على تضمين الدستور قضايا حقوق الإنسان، بينما يكاد يجمع المراقبون حول ضرورة اتخاذ مواقف جريئة لتنقية المناخ العام؟.

كما أن أوساطا عديدة تؤكد بأن المنطق السياسي يجعل المراقبين يتوقعون حدوث انفراج باعتبار ذلك شرطا من شروط توفير سياق إيجابي لانتخابات رئاسية ستكون مفصلية في الصراع الدائر في البلاد منذ حوالي السنتين.

صلاح الدين الجورشي - تونس

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×