تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

إضراب عام في الجزائر

تتهم بعض الأطراف السياسية اتحاد العمال الجزائريين بتنظيم الإضراب العام من أجل تحقيق أهداف سياسية ترتبط بالإنتخابات الرئاسية المقبلة

(Keystone)

توقفت أغلب المؤسسات العمومية الجزائرية عن العمل بسبب إضراب عام دعا له الإتحاد العام للعمال الجزائريين، أكبر التنظيمات النقابية في البلاد.

وبالرغم من قوة الإضراب وتأثيره على حياة الجزائريين، إلا أن الكثير من المراقبين يشككون في خلفيته السياسية وعلاقته بالانتخابات الرئاسية التي ستشهدها الجزائر بداية العام المقبل.

لقد تمكن الاتحاد العام للعمال الجزائريين من إقناع عشرات الآلاف من عمال القطاع العمومي بالتوقف عن العمل لمدة يومين احتجاجا على شيئين اثنين، وهما خوصصة القطاع العمومي وسوء الأحوال المعيشية للجزائريين.

وبطبيعة الحال، لم يكن من الصعب إقناع العمال بإضراب كهذا، خاصة وأنهم يريدون فعل أكثر منه لولا دعوات التهدئة التي قادها نفس اتحاد العمال الجزائريين خلال السنوات العشر الأخيرة، لدرجة أن نفس الاتحاد كان من أوائل المساندين لبرنامج الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

أما لماذا تغير موقف النقابة من الرئيس؟ فهذا سؤال لا يمكن الإجابة عليه بالاعتماد فقط على الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة.

جواب نقابة العمال كان بسيطا وواضحا: "للصبر حدود"، ولكن ما هي حدود الصبر بالفعل؟ فأشد النقابات المعارضة للبرامج الحكومية رفضت مشاركة الاتحاد العام للعمال الجزائريين إضرابه هذا.

بالنسبة لنقابة الاتحاد العمال الجزائريين، فإن وضعها القانوني خلال هذا الإضراب، مدعاة للتساؤل. فهي ليست تنظيما نقابيا مستقلا بأي حال، وتعتبر من التنظيمات الجماهيرية الأولى التي تعتمد عليها السلطات العمومية في كل تحركاتها، ومن بينهم إلى عهد قريب الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة.

"بيع المؤسسات للأجانب"!

وتؤكد نقابة العمال الجزائريين إنها سئمت من وجهين اثنين في الحكومة الجزائرية، وهما وزير الطاقة والمناجم شكيب خليل، ووزير المؤسسات المتوسطة والصغيرة، حميد طمار. كلاهما من أقرب المقربين إلى الرئيس الجزائري، وكلاهما يحمل أفكارا اقتصادية تعتبر داخل الأوساط الجزائرية من أشد الأفكار الليبرالية.

وأعلنت نقابة العمال الجزائريين أنها تريد ذهاب هذين الرجلين من الحكومة، لأنهما يريدان بيع المؤسسات العمومية الجزائرية إلى الشركات الأجنبية، ولأنهما يريدان قيادة الجزائر إلى وضع يشبه ما جرى في فنزويلا والأرجنتين.

صحيح أن وزير الطاقة، شكيب خليل عرض مشروعا لإصلاح قطاع المحروقات، رفضته النقابة، لأنه برأيها سيدمر شركة سوناطراك للبترول والغاز؛ إلا أن هذا الموقف من طريقة تسيير الاقتصاد لا يمثل نظرة كل الشركاء الاقتصاديين. فتخفيض النفقات والاستغناء عن اليد العاملة الزائدة أمر طبيعي جدا، وهذا ما أكده وزير الطاقة أكثر من مرة.

كما أن التأكيد على أن وزير المؤسسات الصغيرة والمتوسطة يريد بيع مؤسسات البلاد للأجانب، موضوع في غاية الحساسية، والسؤال يبقى مطروحا حول وضعية عشرات المؤسسات الجزائرية التي حُـُّلـت وبيعت تجهيزاتها في أسواق الخردة وشُرد العاملون فيها، ونقابة العمال لم تحرك ساكنا، بل وشارك ممثلون عن الاتحاد العام للعمال الجزائريين، كشهود قانونيين على عمليات التصفية...

اتهامات و.. متغيرات؟

ليس هناك شك في أن إضراب اليومين يقيم الدليل عل قوة الاتحاد العام للعمال الجزائريين، ولكنه أثبت أيضا أن الجزائر تعتمد على القطاع العام في حياتها اليومية، مما يلقي بظلال من الشك حول مشاريع الخصخصة ككل.

وكثيرا ما اتهمت نقابة العمال، بأنها تمارس السياسة، وكانت زلة لسان واحدة من طرف الأمين العام للاتحاد العام للعمال الجزائريين، كفيلة بكشف ما خفي من جبل الثلج.

ففي حوار مع يومية وهران "الكوتيديان دوارن"، الناطقة بالفرنسية، أجاب سيدي سعيد عن سؤال حول التغير فجأة من مساندة الرئيس إلى معارضته، قائلا: " إننا نتبع المتغيرات".

فما هي هذه المتغيرات، بما أنها غير مرتبطة بالواقع المعاش للجزائريين؟، هناك من اتهم الرئيس الجزائري بالدكتاتورية، لأنه لا يريد إشراك المجتمع المدني، عند اتخاذ القرارات المصيرية. وهناك من يرى أن الرئيس الجزائري، تسامح كثيرا مع الإسلاميين، مسلحين وغير مسلحين، وأنه يُؤيد برامج من يُـلقبون في الجزائر بالبعثيين والقوميين العرب.

كما أن هناك من اتهمه بالليبرالية المفرطة وبالتعامل مع تكتلات اقتصادية دولية "لا تربطها علاقة حيوية بالجزائر" ويُُـقصد بها صراحة الدول العربية عموما ودول مجلس التعاون الخليجي خصوصا، لدرجة أن الرئيس اتهم بالرشوة، وبمعاملة أصدقائه الخليجيين، أفضل من غيرهم...

وهناك من قال:"إن الرئيس يريد التقرب من الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي أكثر من اللازم، ويُهمل الأصدقاء الأوروبيين والفرنسيين.

كل هذه الاتهامات، نقلها مرة، ذات يوم، أحد قيادات الاتحاد العام للعمال الجزائريين، ولكنها مواقف سُجلت خلال فترة حكم الرئيس الجزائري، متفرقة واحدة بعد أخرى، و هي في الجملة تتفق مع اتهامات تيارات سياسية كثيرة، خلافها واضح مع خصومها من المعربين والإسلاميين.

القط يسقط دائما على .. قدميه!

يضاف إلى كل هذا، الموقف الصامت لأحزاب جزائرية كبيرة، من بينها جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديموقراطي، فهما دعامة الرئيس في تحركاته كلها، وإذا ما أبدى أحدهما تأييدا لنقابة العمال، فمعناه أن بوتفليقة أصبح "في وضع حرج".

وبما أن هذا لم يحدث، فإضراب الاتحاد العام للعمال الجزائريين قد أثبت بما لا يدع مجالا للشك، أن الجزائر لازالت بلدا اشتراكيا على طريقة الستينات والسبعينات من القرن الماضي، أي أنه إذا ما توقف القطاع العام توقفت حياة البلد أو أكثرها.

كما بيّن الإضراب درجة غضب الجزائريين عموما والعمال على وجه الخصوص، وأثبت أيضا، أن العام الجاري سيكون عام المناورات السياسية من دون منازع.

من الصعب تصور استجابة الحكومة لمطالب رفع أجور عمال القطاع العام من دون موافقة صندوق النقد الدولي في واشنطن، والاتحاد العام للعمال الجزائريين يعلم هذا جيدا، كما أن موقف صندوق النقد الدولي واضح جدا حيال مسألة توظيف عمال جدد في القطاع العمومي.

هذه المعطيات وغيرها تدفع للاعتقاد الجازم بأن الهدف من الإضراب ليس تحسين معيشة الجزائريين فحسب، بل أيضا نوع من أنواع التصحيح على طريقة "الكلمة الأولى للأقوى".

ولربما أراد البعض تغيير مواقف الرئيس الجزائري حيال المسائل السياسية والأمنية والاقتصادية، وهذه حالة يراها معظم المراقبين مثيرة للانتباه.

فبوتفليقة لم يُغير يوما من مواقفه، حـسُـنت أم ساءت، وقد نال وصف "القط" على لسان خصومه قبل أصدقائه، بمعنى أنه يسقط كباقي البشر لكنه يسقط دائما على قدميه تماما كما تفعل القطط.

هيثم رباني - الجزائر


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×