تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

إعدام صدام.. هل يشعل الحرب الطائفية؟

شيخ فلسطيني يتابع تغطية قناة فضائية عربية لإعدام الرئيس العراقي السابق صدام حسين في مدينة رام الله بالضفة الغربية يوم 30 ديسمبر 2006

(Keystone)

ربما لم يأت عمل بعكس ما قصد منه، مثل واقعة إعدام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين.

فحين برزت في ثنايا الواقعة مظاهِـر الطائفية البغيضة والانتقام والابتعاد عن روح العدالة والاستهانة بجلال الموت، ظهر صدّام ثابتا وقويا وتعبيرا عن عراق غير طائفي.

هذه الدلالة وحدها من بين دلالات أخرى كثيرة كسَرت العديد من الأمور التي بدت لفترة وكأنها من الحتميات التاريخية. على الأقل، فقد أعطت دفعة معنوية للبعثيين العراقيين، سواء في الداخل أو في المنافي، وأيضا لكل من يرون أن صدّام هو قائدهم الشرعي، ويعتبرون أن مواجهة الاحتلال أمر لا تنازُل عنه.

هيبة مستعادة

لقد استعاد الرجل هيبته في لحظة الإعدام، تاركا هذه الهيبة، ليس فقط بين مُـناصريه الذين شعروا بدورهم بالفخر بقائدهم المغدور، بل أيضا بين قاعدة شعبية عربية وإسلامية عريضة هالها حدوث الإعدام في يوم عيد الأضحى المبارك بكل ما فيه من دلالات الرّحمة الإلهية والتعاضُـد والتعاطف بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وهكذا نسي الكثيرون كل المظالم التي حدثت في عهده، والتي لم تستثن لا سُـنة ولا شيعة ولا أكراد، فضلا عن كونها امتدّت إلى خارج حُـدود العراق نفسه.

في حين فقد منفِّـذو الإعدام كل الاحترام والتعاطف. وبدا المزاجان، العربي والإسلامي على أعتاب لحظة تاريخية جديدة، ليس فقط لتقويم ما يجري في العراق، بل وإدراك أن ما يجري هناك ليس مجرّد فِـتنة طائفية محلية محصورة ببلد واحد، ولكنها فِـتنة طائفية بطُـول وعرض العالم الإسلامي كله.

فتنة تطل برأسها

هذه الفتنة الطائفية تبرز ملامحها الأولية ـ وللأسف الشديد ـ في الاستخدام الموسّـع لتعبيرات، مثل السُـنة والشيعة، واستدعاء الخلافات التاريخية بينهم، التي لم تُـحسم من قبل ولن تُـحسم أبدا، وتوصيف العديد ممّـا يجري في العراق توصِـيفا طائفيا بحْـتا غير قابلٍ للمُـوازنة أو المُـرونة أو التضحِـية من أجل الوطن الجامع، وشيوع القلق لدى بلدان عربية أخرى يعيش فيها مواطنون شِـيعة، ممّـا يدفع بالغالبية أو الأقلية السُـنية إلى نوع من التشدّد. وهكذا تدُور الدائرة وتجرّ الجميع إلى أتُـون المُـشاحنات والانقسامات المذهبية، التي لا تفيد أحدا بقّـدر ما تُـفيد أعداءَ العرب والإسلام.

هذه الفتنة الطائفية التي تطل برأسها عربيا بعد أن تمكّـنت من العراق، غير بعيدة عن سببين، الأول، غباء المحتلّـين، الأمريكي والبريطاني، وقصورهما الشديد في فهم واستيعاب تاريخ المنطقة وتعقيداتها التاريخية والدينية، وعدم إدراك المخاطِـر العالية لإثارة النعرات المذهبية والطائفية بين مجتمعاتها.

والثاني، الدور الإيراني الذي صال وجال في العراق المُـنقسم على ذاته، وشيّـد لنفسه أسُـسا، وزرع لنفسه جُـذورا قوية في مناطق عدّة في العراق، وحيث بات محرِّكا رئيسيا للكثير جدا مما يجري في هذا البلد العربي عبر المنظّـمات والميليشيات التي لا تتحرّك إلا بإشارات محدّدة من طهران. وفي الأخبار الأخيرة، اكتشاف القوات الأمريكية لكميات كبيرة من الأسلحة إيرانية الصُّـنع في أماكن عدّة بالعراق، وأن كثيرا من العُـبوات النّـاسفة، التي تستخدم في عمليات انتحارية أو سيارات مفخّـخة، تستخدم أدوات قادمة أو مهرّبة من إيران.

ومن يربِـط مثل هذه التفاصيل بنزوع إيراني تاريخي، قبل الجمهورية الإسلامية وبعدها، للقيام بدور القوة الإقليمية الأكبر في الخليج وفي جزء من العالم الإسلامي، قد يستنتج بأن إيران توظّـف الوضع العراقي لمصالِـح ذاتية بحتّـة، ولا يهمّـها مصير العراق وشعبه، لا من قريب أو بعيد.

إيران تخسر التعاطف العربي

وما دام الأمر كذلك، فإن التعاطف العربي والإسلامي الجزئي مع إيران في مواجهتها للعالم الغربي على خلفية برنامجها النووي المفترض أنه سلمي جملة وتفصيلا، بات هو أيضا محلا للمراجعة، حتى من كُتّـاب وأناس كانوا يُحسَـبون حتى وقت قريب جدا على تأييد إيران، ولكنهم الآن يشكّـون في نواياها، ودليلهم الدّامغ ما يجري في العراق.

تغيّـر المزاج الشعبي، عربيا وإسلاميا، عكسته كِـتابات نُـشرت في الأيام القليلة الماضية، استخدمت فيها كل عبارات اللّـوم والاستنكار لحكّـام بغداد الجُـدد ومن ورائهم إيران، والأبرز، أن انطوت تلك الكتابات على ما هو أكثر من مجرّد النقد لموقف إيران، التي رحّـبت بإعدام صدّام يوم الأضحى المبارك، حيث اعتبرها البعض تُـعيد بذلك تُـراث الدولة الصفوية، التي شكّـلت تهديدا مُـنذ عدّة قرون للمصالح العربية السُـنية.

وطال النقد أيضا، موقف قناة المنار التابعة لحزب الله اللبناني، التي أذاعت شريط الإعدام كاملا حتى لحظته الأخيرة، إذ اعتبر المنتقِـدون هذا الموقف دليلا على طائفية الحزب، رغم كل ما يُـعلنه عكس ذلك، وأن هذه الطائفية الضمنية، تتناقض تماما مع دعاوى الحزب في كونه مقاومة إسلامية ضد العدو الإسرائيلي، فالمقاومة الحقيقية، لا تعرف أبدا النعرات الطائفية، بل تُـقاومها وترفضها بكل السّـبل.

مثل هذا التغيير في المزاج الشعبي العربي العام ضد إيران، وبدرجة أقل حزب الله اللبناني، من شأنه أن يمثِّـل قوّة ضغط على الحكومات العربية ـ التي هي مستعدة أصلا ـ لعدم مُـناصرة الموقف الإيراني نوويا. وبدلا من أن تحصُـل إيران على نوع من المساندة المعنوية عربيا، تساعدها قليلا على رفض الضغوط الغربية، تبدو الصورة الآن على عكس ما تريده، ومن ثم فقد تصبح وحدها في الميدان.

توافق مع الأهداف الإسرائيلية

لقد رحل الرئيس صدّام مشنوقا في سابقة عربية، هي الأولى من نوعها، فاتِـحا بذلك أبواب الطائفية والصِّـراعات المذهبية على أشدِّها في المنطقة كلها، وليس فقط في العراق.

والكتابات الصحفية والتعليقات التي اكتظّـت بها الصّحف العربية، لم تكن وحدها في الميدان، فهناك من تحرّك خُـطوة إلى الأمام مُـطالبا بقطع العلاقات مع إيران، كما فعل 28 نائبا في البرلمان الأردني، معزّزين طلبهم بأن السلوك الإيراني في العراق يهدِف إلى تقسيمه، وهو بذلك يتّـفق مع الأهداف الإسرائيلية الاستعمارية الكبرى في المنطقة. ومن قبل، سارت مظاهرات في السودان تندِّد بالمدّ الشيعي الإيراني في البلاد.

هذه الملاحظة بتوافُـق المصالح الإيرانية مع المصالح الإسرائيلية في الحالة العراقية، رغم العداء الظاهر بين الطرفين، وإن دلّـت على المفارقات الصارخة التي لم تكن متصوّرة من قبل، فهي تعكس أيضا إدراكا جديدا لدى قِـطاع من الساسة والمثقفين العرب، بأن ضُـعف الأمّـة العربية كفيل بأن يدفع المناوئين لها أيّـا كانت خلافاتهم الذاتية على التوافق المصلحي ضدّها، والذي قد يتطوّر من حالة غير مخطّـطة وقعت بالصّـدفة البَـحتة إلى أخرى مخطّـطة يتقاسَـم فيها الطّـرفان المكاسب على حساب المصالح العربية.

وربما التذكير بتحذيرات الملك الأردني عبد الله الثاني منذ حوالي عام من نُـشوء هِـلال شيعي يؤثر على توازن القوى في المنطقة العربية، يوضِّـح قابلية المِـنطقة واستعدادها للدخول في مواجهة من هذا النوع المدمّـر والغير قابل للحسم بأي حال. وللأسف، فإن التطوّرات الجارية تدفع في هذا الاتِّـجاه.

د. حسن أبوطالب - القاهرة

الخطر الإيراني

المؤكّـد هو أن "مواجهة ما" قد بدأت بين عدة دول في المنطقة العربية وإيران، وأن تلك المواجهة تتّـخذ شكل "الحرب الباردة"، التي ترتكز على العمل غير المباشر، الذي لا يقود إلى المواجهة المكشوفة، لكنه يهف في النهاية إلى تحقيق نفس الغرض، وهو "فرملة" الامتداد الإيراني فى المنطقة العربية.

ومن المؤكد أيضا، أن إيران قد أدركت ذلك بوضوح شديد، وبالتالي، أصبحت الخيارات المتاحة أمام الطرفين محددة تماما. فلا يوجد مجال لنكوص إيران عما كانت قد تخيلت بعض مراكز القوى داخلها أن الفرصة متاحة للقيام به، ولا يوجد مجال لقيام العواصم العربية المعنية بإخلاء الطرق لإيران لملء ما تعتقد أنه "فراغ" عربي.

وبالتالي، تتمثل الاحتمالات المباشرة في المدى القصير في أن يتجه الطرفان إلى الصراع غير المباشر، الذي تستخدم فيه الحملات الدعائية والارتباطات السياسية والدعم المالي والحروب بالوكالة والأنشطة السرية، وهو ما تقوم به إيران عمليا، ولدى الدول العربية أيضا قدرات لا بأس بها في هذا المجال أو أن الطرفان يتجهان إلى نوع من الوفاق الذي يقود إلى تحديد "قواعد الاشتباك" أو فض الاشتباك بينهما على مسرح الإقليم.

المشكلة، أنه لا يمكن ترجيح خيار على آخر. فالحرب الباردة قد بدأت توّا، على الأرجح، وهناك دول أخرى عربية وغير عربية (كسوريا وإسرائيل) تتطاحن في قلبها وفق قواعدها الخاصة، ويحتاج كل من الطرفين، العربي والإيراني، إلى فترة اختبار لتحديد ما يمكن أن يقوم أو ما لا يقوم به في المرحلة التالية، وربما تكون النتيجة النهائية لحرب لبنان - هي البداية.

(المصدر: د. محمد عبد السلام – القاهرة – سويس انفو بتاريخ 26 يوليو 2006)

نهاية الإطار التوضيحي


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×