Navigation

شؤون خارجية

إلى أي مدى تبدو سويسرا مُحايدة فعلاً؟

بينما تبتعد الدول الأخرى شيئاً فشيئاً عن الحياد في صيغته الكلاسيكية، تصرّ سويسرا بعناد على التمسّك بالدور الخاص الذي يلعبه. مع ذلك، اتجهت هي أيضاً للابتعاد عن المفهوم التقليدي للحياد، وتُواجه اليوم تحديات جديدة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 17 أبريل 2021 - 11:00 يوليو,
(فيليب شاوفربيرغر / الرسم)

عندما منحت القوى المنتصرة سويسرا حيادًا أبديا في مؤتمر فيينا عام 1815، كان مضمون الصفقة ألّا تشارك سويسرا في النزاعات القائمة وأن تُحجم عن توفير مرتزقة لأي طرف، مقابل عدم خوض أية حروب فوق أراضيها مستقبلا.

في القرن العشرين، أفسح قانون الحياد - الذي تمت صياغته بشكل ضيّق إلى حد ما - المجال بشكل متزايد لمُمارسة سياسة حياد طوعية، بحيث تتصرف الدول المُحايدة، في مجال السياسة الخارجية، بطريقة تُقنِع من خلالها الدول الأخرى بالقبول بحيادها وتجعلها تعتقد بأنها ستنأى بنفسها عن الانخراط في الحرب في حال وقوعها.

في العقود الأخيرة، انضمت العديد من الدول الأوروبية التي كانت مُحايدة في السابق، مثل بلجيكا ولوكسمبورغ والدنمارك والنرويج إلى حلف شمال الأطلسي، وهو تحالف دفاعي عسكري تأسس بُعيد الحرب العالمية الثانية. وهي خطوة لا يُمكن الإقدام على القيام بها وفقًا لقانون الحياد التقليدي.

بعد نهاية الحرب الباردة وعلى إثر انضمامها إلى الإتحاد الأوروبي، تخلت السويد عن الحياد وأصبحت تصف نفسها بأنها "بلد بدون تحالفات". وفي ردّ على سؤال طرحته  SWI swissinfo.ch، كتبت وزارة الخارجية السويدية أن "هذه السياسة تخدم مصالحنا جيدًا وتُسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في جوارنا". كما أن الانضمام إلى الحلف الأطلسي لم يعُد من المحرمات بالنسبة للسويد. ووفقًا لوزارة الخارجية، فإن السويد تعمل على بناء الأمن مع الآخرين، كما أن التضامن هو الأساس الذي تقوم عليه سياسة الأمن والدفاع للسويد، حسب تأكيدها.

بدورها، ابتعدت سويسرا أيضًا عن المفهوم التقليدي للحياد وحوّلت وجهتها نحو المجموعة الدولية، حيث انضمت في عام 2002 إلى الأمم المتحدة. ومنذ ذلك الحين، تعيّن عليها الالتزام بالعقوبات التي يُقررها المنتظم الأممي.

مبدئيا، تفترض سويسرا أن قانون الحياد لا ينطبق على البعثات العسكرية للأمم المتحدة، لأن مجلس الأمن الدولي يريد في نهاية المطاف "استعادة السلام في العالم". لهذا السبب، فإن انضمام سويسرا إلى الأمم المتحدة لا يطرح أيّ مشكلة. من ناحية أخرى، يرى بيتر هيلبولد، الخبير النمساوي في القانون الدولي من جامعة إنسبروك أن "الحياد بالمعنى التقليدي للكلمة يتلاءم بصعوبة مع الانضمام إلى الأمم المتحدة وبدرجة أقل مع العضوية في الاتحاد الأوروبي".

بل إن سويسرا تتنافس على مقعد غير دائم في مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة. ووفقًا للحكومة الفدرالية، فإن هذا يتوافق مع الحياد لأن منظمة الأمم المتحدة ليست تحالفًا عسكريًا ولأن التدابير المُلزمة التي يتخذها مجلس الأمن الدولي نادرا ما تشمل الحروب القائمة بين الدول.

في كتاب أصدرته حديثا، تشرح ميشلين كالمي – ري، العضوة السابقة في الحكومة الكنفدرالية ووزيرة الخارجية السابقة، لماذا يُعتبر هذا الترشح في رأيها متوافقًا مع الحياد:

على خلاف ذلك، يرى يينو شتايلين، أول سفير لسويسرا لدى منظمة الأمم المتحدة، أن خطر التعرض لمحاولات ممارسة الضغط يبقى قائماً:

ووفقًا للخبيرة في القانون الدولي إليزابيت هوفبرغر - بيبّان من المعهد الألماني للسياسة الدولية والأمن في برلين، فإن السكان يجهلون أحيانًا أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أو إلى الأمم المتحدة يمكن أن يقترن بقدر معيّن من التخفيف للحياد.

عندما انضمت النمسا إلى الاتحاد الأوروبي، تطلب الأمر تعديل دستور البلاد بحيث يُمكن للسلطات تنفيذ تدابير تُتّخذ في إطار السياسة الخارجية والأمنية الأوروبية المشتركة التي من شأنها أن تتعارض في واقع الأمر مع الحياد النمساوي بمفهومه التقليدي. وتذكّر هوفبرغر – بيبّان أنه "بمناسبة حرب الخليج الثانية، سمحت النمسا بعبور (طائرات عسكرية تابعة لقوات التحالف – التحرير) لمجالها الجوي لأن مجلس الأمن الدولي سمح باستخدام القوة".

كما أشارت إلى أنّ عضوية النمسا وسويسرا في برنامج "الشراكة من أجل السلام" التابع لحلف شمال الأطلسي غير معلومة على نطاق واسع، إلا أنها تتوافق - من حيث المبدأ - مع الحياد النمساوي.

بدورها، تقول ستيفاني فالتر، أستاذة العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي بجامعة زيورخ: "من الواضح أن سويسرا أيضا لم تكن مُحايدة. فخلال الحرب الباردة، على سبيل المثال، كانت سويسرا تقف بوضوح وضمنيًا إلى جانب الغرب، كما كان لديها أيضًا موقف بشأن حقوق الإنسان".

في السياق، تطالب بعض الشخصيات سويسرا بعدم التزام الصمت عندما يتعلق الأمر بانتهاكات حقوق الإنسان:

باسكال بيريسفيل، سفيرة الكنفدرالية لدى الأمم المتحدة كتبت في وجهة نظر بخصوص مسألة الحياد: "إنّ سويسرا لا يُمكنها دائمًا تجنّب اتخاذ موقف بشأن قضايا السياسة الخارجية الصعبة"، وأوضحت:

وفقًا لهيلبولد، تتوقع الدول المُحايدة في القرن الحادي والعشرين مُعاملة خاصة لحيادها، أو بتعبير أكثر إيجابية: "إنها تقرن حيادها بعرض تقديم خدمات خاصة للمجتمع الدولي، كما تفعل سويسرا ذلك في المجال الإنساني أو من خلال "مساعيها الحميدة".

من جهته، يعتبر فالتر أن من بين نقاط القوة لدى الدول المُحايدة قدرتها على التحرك كوسطاء. وأوضح أن سويسرا لها دور خاص يُمكن أن تلعبه في هذا السياق، ذلك أنه "على عكس أيرلندا والنمسا والسويد، قررت سويسرا عدم الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. ولهذا السبب يُنظر إلى سويسرا على اعتبار أنها أكثر حيادية" من غيرها.

ويؤكد هيلبولد هذا الرأي قائلاً: "إن واقع عدم انتماء سويسرا إلى الاتحاد الأوروبي يمنح هذا البلد دورا خاصا جداً". ذلك أن سويسرا صمّمت الحياد حسب رأيه وفقًا لأفكارها واحتياجاتها، وأن "المجتمع الدولي قبل، ضمنا على الأقل، هذه الأفكار، وفي علاقة بها، بالدور الخاص الذي يلعبه هذا البلد على الساحة الدولية".

اليوم، يتعيّن على سويسرا مواجهة تحديات جديدة. ففي الوقت الذي أصبحت فيه الحروب بين الدول نادرة، تتزايد الحروب السيبرانية أو الالكترونية. ومن حيث المبدأ، ينطبق الحياد السويسري أيضًا على الفضاء الإلكتروني، لكن العديد من الأسئلة تظل في انتظار إجابة.

(ترجمه من الألمانية وعالجه: ثائر السعدي)

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.