تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

إما برويز أو " التبروز" !

(swissinfo.ch)

"البكستنة" أحدث شعار تم تصديره حديثا إلى الشرق الأوسط العربي، وهو يعني بالطبع السير في ركاب الباكستان. لكن أي باكستان؟

إنها تلك التي تعتبر الولايات المتحدة أنها ولدت من جديد بعد خطاب الجنرال برويز مشرف في 12 يناير كانون الثاني الحالي. هذا الخطاب الذي اعتبره الكثيرون، وعن حق، نقطة تحّول جذرية في تاريخ باكستان والعالمين العربي والإسلامي.

ففي هذا الخطاب، قطع برويز مع سياسات دشنها الرئيس الباكستاني الأسبق ضياء الحق قبل 23 عاما، واستندت إلى التحالف بين ما أطلق عليه آنذاك " الثكنة والمسجد"، أي العسكر والحركات الأصولية المعتدلة منها والمتطرفة.

الهدف الرئيس لهذه السياسات السابقة كان العمل لتحويل باكستان إلى زعيمة للعالم الإسلامي، من ناحية، وإقامة "باكستان الكبرى" عبر فدرالية بين باكستان وأفغانستان وكشمير بعد تحريرها، من ناحية أخرى. وهي ( السياسات ) أدت إلى تحويل باكستان إلى قاعدة لكل الحركات الإسلامية في العالم، بدعم قوي من البترودولار الخليجي.

خطاب برويز جاء ليختم بالشمع الأحمر هذه التوجهات. فهو أعلن أن الجيش لم يعد يريد "دولة دينية"، وانه من الآن فصاعدا سينحاز إلى ما أسماه "الاسلام التقدمي". وهو ارفق ذلك بحملة إعلامية عنيفة على الحركات الأصولية "التي حوّلت الدولة إلى دولة رخوة (أي هشة وضعيفة)"، على حد تعبيره.

وما لبثت هذه الحملة أن تحّولت إلى عمليات اعتقال لآلاف النشطين الإسلاميين والى فرض الرقابة على مئات الجمعيات والمراكز والمدارس الإسلامية.

فتش عن أمريكا

لكن ما علاقة هذا الانقلاب الباكستاني الكبير بالمنطقة العربية؟ حسنا. العلاقة أميركية. فقد حملت الولايات المتحدة هذه "الشعارات التقدمية" الباكستانية المفاجئة، وقدمتها إلى الأنظمة العربية على أنها خريطة الطريق الجديدة التي يجب أن تلتزم بها.

وهكذا وقف السيناتور الأميركي البارز جوزف ليبرمان ليعلن أن "البيان المبدئي والتاريخي الأخير للرئيس مشرف، يجب أن يخدم كنموذج يحتذى لدى الحلفاء الآخرين مثل المملكة السعودية وغيرها. نأمل أن يقدموا على ذلك".

وفي الوقت ذاته، كانت وزارة الخارجية الأميركية "المعتدلة" تبلغ علنا وضمنا كل حلفاء أميركا العرب بان برنامج العمل المشرفي الجديد، "هو المعيار الذي ستعتمده واشنطن من الآن فصاعدا للحكم على سلوكيات الأنظمة العربية"، كما قال دبلوماسي أمريكي بارز في بيروت في مجلس خاص.

وهذا ما قرع أجراس الإنذار بقوة في العواصم العربية الرئيسة، وان بتفاوت.

فالنظام المصري لم ير خطرا داهما عليه من هذه التوجهات لانه أساسا في "حالة حرب" حقيقية منذ العام 1954 مع حركة "الإخوان المسلمين" أُم الحركات الإسلامية التي أسسها أستاذ المدرسة حسن البنا سنة 1928. لكنه يخشى، مع ذلك، تعبير "الإسلام التقدمي" ويتوجس من أن ترفق أمريكا ضغوطها الراهنة عليه من اجل الانفتاح الاقتصادي بانفتاح على الإسلام الليبرالي.

والنظام السوري وجد نفسه في الزورق المصري نفسه تماما. فهو أيضا خاض حربا دموية ضد "الإخوان المسلمين" في أوائل الثمانينات، وهو ليس مستعدا للتعايش مع فكرة الإسلام التقدمي أو الليبرالي إلا إذا عنى ذلك "الإسلام الرسمي"، أي ذلك الخاضع لسلطة
الدولة.

ثم ماذا بعد؟

الطرف الوحيد الذي خلق له الانقلاب المشرفي -الأمريكي أزمة، كان النظام السعودي. إذ أن الترجمة المحلية لل"بكستنة في المملكة قد تضرب الأسس الإيديولوجية التي قام عليها النظام طيلة قرن كامل وهي الحركة الوهابيةالتي تطالب واسنطن برأسها الآن بعد أن اعتبرت أسامة بن لادن الابن "الشرعي" لها.

وهذا ما يخلق الآن حالة التوتر الشديد بين الحليفين التاريخيين السعودي والأمريكي.. وهذا أيضا ما يلبس تلك الشائعات التي تتحدث عن نوايا أمريكية ما ضد بعض أعضاء الأسرة الحاكمة في المملكة ..بعض اللحم والعظم.

أما في المغرب العربي فقد كان رد الفعل الأبرز على "البكستنة" جزائري إذ رأى النظام المدعوم عسكريا في هذا التطور فرصة ثمينة لتبييض تاريخه الدموي مع الأصوليين.

والآن ماذا يعني كل ذلك؟

إنه يعني في الواقع أمرا أساسيا واحدا. الولايات المتحدة باتت تضع الجميع في المنطقة العربية أمام خيار واحد: إما السير في ركاب برويز أو "التبروز" كلوحات تاريخية ماضوية,

سعد محيو - بيروت

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×