تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

إيران والمعادلة الشيعية في العراق

السيد عبد العزيز الحكيم نائب رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق (مقره بطهران) لدى افتتاح مؤتمر المعارضة العراقية في أربيل يوم 26 فبراير 2003

(Keystone)

من المتوقع أن تحتضن العاصمة الإيرانية قريبا اجتماعا غير مسبوق لعدد كبير من الفصائل والتيارات الشيعية العراقية الإسلامية التوجه والليبرالية.

وعلى الرغم من محاولة طهران "المتأخرة" الإمساك بالورقة الشيعية في العراق تحسبا للتطورات القادمة في جوارها، إلا أن احتمالات نحاحها في مساعيها تبدو ضئيلة.

لا تقل طهران إحساسا بالقلق من باقي الاطراف الاقليمية المعنية بالملف العراقي بمن فيهم حلفاء واشنطن كأنقرة التي قد لن تضمن لها الاتفاقات المعقودة مع واشنطن اطمئنانا من تطورات المستقبل وانعكاساتها على الامن القومي التركي فضلا عن مصالحها الاقتصادية.

لكن إيران الجار المحاذي للعراق بحدود طولها 1200 كيلومتر تملك قدرا أكبر من أسباب القلق من المستقبل في ظل تزايد احتمالات الحرب، بسبب علاقاتها المتوترة باستمرار مع الجانب الامريكي خلال العقدين والنصف الماضيين.

ورغم التناغم الخفي بين طهران وواشنطن، والذي ظهر خلال الازمةالافغانية ويجري حاليا في الملف العراقي، الا ان انعدام الثقة المتبادل يشكل أرضية القلق الايراني من المرحلة القادمة، أي مرحلة ما بعد الرئيس العراقي صدام حسين وبسط النفوذ الامريكي في العراق.

كل هذا يدفع الايرانيين الى البحث عن مزيد من الاوراق التي تمكنهم من رفع مستوى التأثير في الوضع العراقي في المرحلة القادمة، وهو ما يدعم موقفهم ويدفع الادارة الامريكية الى مراعاة اكبر لمصالح طهران ومنحها هامشا اكبر في تركيبة حكم العراق المستقبلي.

وهذا التمشي يحقق هدفا مزدوجا. إذ أنه - والى جانب ما تقدم - قد يوفر "أرضية أفضل" لبلورة حوار ايراني-امريكي قد يوصل في نهاية المطاف الى إقامة علاقات تقوم على أرضية المصالح المشتركة.

إيران و"الورقة الشيعية"

من هنا تحديدا، لا بد أن يبدأ الحديث عن أهداف وخلفيات الاجتماع الذي جرى الحديث عن انعقاده في طهران في 24 فبراير وتاجل بسبب تاخر انعقاد اجتماع المعارضة العراقية في صلاح الدين بشمال العراق، اذ كان مقررا ان يحضر اجتماع طهران معارضون شيعة من اسلاميين وليبراليين يشارك كثير منهم في اجتماع صلاح الدين.

لا يخفى على المراقبين أن الورقة الشيعية العراقية تُـعد اكبر أدوات التاثير المعول عليها إيرانيا في الواقع العراقي المستقبلي، رغم ان ذلك لا يعني بالضرورة تجاوبا من جانب شيعة العراق مع هذا التعويل الايراني.

فقد درج السياسيون والكتاب منذ قيام نظام اسلامي في ايران عام 1979 على اعتبار ان التنظيمات الاسلامية الشيعية العراقية مرتبطة بالكامل بايران، وتصور أنها تمتثل لمواقف طهران وقراراتها، وبالتالي لمصالحها.

لكن هذا التصور ينطوي على الكثير من عدم الدقة الناجمة عن اسباب عدة أهمها، أن هذه الاحكام تطلق بشكل عام دون تمحيص للواقع ودون تدقيق متفحص لتفاصيل العلاقة القائمة بين الاحزاب الشيعية العراقية وإيران منذ قيام الجمهورية الإسلامية فيها عام 1979 وحتى اليوم.

ولا مجال للخوض في تفاصيل هذا الامر وهي كثيرة، لكن يمكن القول إن هناك ثلاثة مستويات للعلاقة بين التنظيمات الشيعية العراقية والجانب الايراني تتراوح بين الالتزام الكامل بالسياسة الايرانية واعتبار ذلك فرضا دينيا، مرورا بمستوى التنسيق المصلحي المتلبس باعتبارات دينية، وصولا الى مستوى الابتعاد الكامل والتناكف احيانا مع الجانب الايراني على أرضية الخلاف حول بعض المواقف، رغم ان قيادات وكوادر التنظيمات التي تملك مثل هذه العلاقة بايران، تقيم في طهران.

"ترتيب البيت الشيعي العراقي"

وتشكل طبيعة العلاقة بين هذه الحركات وايران سببا رئيسيا للخلاف بين هذه التنظيمات نفسها طوال الاعوام الماضية. لكن القلق الايراني من مفاجآت المستقبل العراقي دفع طهران الى تكثيف جهودها للتقريب بين هذه التنظيمات على قاعدة الالتقاء على المشتركات والخطوط العامة.

وبعد اجتماعات ولقاءات عدة، تم مؤخرا التوقيع على ميثاق بين هذه الاطراف ينص على جملة امور منه: تجميد الخلافات والتعاطي البيني بايجابية وعدم السماح بحدوث مناوشات إعلامية مع الاستمرار باللقاءات والتشاور.

لكن تسارع احداث الملف العراقي جعل الايرانيين – كما يبدو- يدركون ان ورقة الاسلاميين الشيعة لا تكفي وحدها لضمان دورهم المقبل في العراق، أي الدور الذي يمكن أن يضمن مصالحهم.

فكان ان بدأ البعض في طهران يتحرك باتجاه جمع من يصنفون بالشيعة الليبراليين الى جانب الاسلاميين تحت مظلة ايرانية، ولو في حدود عقد اجتماع موسع بداية لوضع اسس لما سمي بـ "ترتيب البيت الشيعي العراقي".

وقد عول أصحاب هذا المشروع أن يلقى هذا "العنوان" تجاوبا من قبل الليبراليين الشيعة بعدما لاحت في الافق العراقي مشاريع تتبناها اوساط امريكية بدعم اقليمي عربي وتركي تقوم على ابقاء تركيبة الحكم الحالي في العراق والاكتفاء بتغيير رموز النظام بذريعة ان هذه الصيغة ستحفظ وحدة العراق وتحول دون اندلاع حرب اهلية بعد سقوط القائم في بغداد.

وهذا يعني - من وجهة نظر شيعة العراق - أنهم سيبقون خارج التركيبة السياسية ويتكرر بذلك مشهد عام 1920 وما بعده، عندما ناضل الشيعة العراقيون ضد الاحتلال البريطاني وكبدوا البريطانيين خسائر فادحة وأحبطوا الاحتلال، الا انهم أُقصوا فيما بعد عن تركيبة الحكم وأُخضعوا لسلطة مارست ضدهم سياسة تمييز طائفي رغم أنهم الاكثرية عددا أيضا.

حظوظ الإفادة .. قليلة!

لكن ما حدث هو ان المحاولة الايرانية، وان جاءت على شكل دعوة من الاسلاميين العراقيين الشيعة الى مواطنيهم الليبراليين، لا تبدو محل ترحيب واسع من الليبراليين، فضلا عن بعض الاسلاميين، لاسباب عدة منها حذر هؤلاء من أن يؤدي مثل هذا الاجتماع الى نتيجة عكسية من خلال إثارة مخاوف السكان السنة في العراق، وهو ما يعطي ذريعة إضافية بيد القوى الاقليمية الداعمة لمشروع الابقاء على صيغة وتركيبة الحكم الحالي.

من جهة أخرى، يُعول غالبية الليبراليين الشيعة على اتصالاتهم وعلاقاتهم مع دوائر أمريكية للتأثير على القرار الامريكي ودفعه باتجاه تصحيح خلل الحكم في العراق، في حين ان الاجتماع تحت مظلة ايرانية سيضعف من حظوظهم في النجاح في تحقيق ذلك.

أخيرا تسعى ايران الى لملمة اوراقها العراقية لضمان مصالحها لمرحلة شديدة الغموض في ملامحها وتداعياتها على المنطقة، لكن وعلى الرغم مما يبدو من ان الشيعة - الذين يشكلون النسبة الاكبر من سكان العراق - يمثلون ورقة ايران السياسية في العراق (وهذا ما تعول عليه طهران كما يبدو)، الا ان تنوع اتجاهات الساحة الشيعية العراقية، حتى الاسلامية منها، لا يجعل لطهران كثيرا من حظوظ الافادة من هذه الورقة.

سالم مشكور - بيروت


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×