Navigation

استقطاب طائفي في لبنان

احتدام الجدل حول التواجد السوري في لبنان يثير المخاوف من تجدد الاستقطاب الطائفي في البلاد Keystone

حظرت السلطات اللبنانية كل التجمعات العامة التي كان مقررا تنظيمها في الثالث عشر من شهر ابريل نيسان في ذكرى اندلاع الحرب الاهلية عام خمسة وسبعين. القرار عكس حجم المخاوف في ظل بروز استقطاب طائفي جديد حول ملف الوجود السوري في لبنان.

هذا المحتوى تم نشره يوم 09 أبريل 2001 - 15:51 يوليو,

خلال "مؤتمر اللونغ بيتش" (أحد المسابح الرئيسة في بيروت) الذي عقد الاسبوع الماضي وشهد ولادة تيار وطني لا طائفي جديد اطلق عليه اسم "التجمع الوطني للانقاذ والتغيي"، فوجئ الحضور بقنبلة مدوية يفجّرها عصام خليفة ، أحد أبرز الشخصيات الليبرالية المسيحية في لبنان.

فقد وقف خليفة، وهو أيضا رئيس رابطة الاساتذة الجامعيين، امام المنصة وصرخ بصوت جهوري مجلجل: "لم نعد نخشى لا عنجر ولا من وراء عنجر، ولن نقبل بعد الان بان تحكم سوريا لبنان بهذه الطريقة".

وعنجر، كما هو معروف، بلدة يتخذها العميد السوري غازي كنعان المسؤول عن "الملف اللبناني" قاعدة له، ويدير منها عملياته. وهي اصبحت رمزا للنفوذ السوري في لبنان.

اما وجه المفاجأة في كلمة خليفة، فبرزت في الحدة البالغة التي تحدث بها عن دمشق، برغم انه يمثل أكثر التيارات المسيحية اللبنانية انفتاحا على العروبة والفكرة العربية، والاشد معارضة للفكر الانعزالي.

وقد عنى خطابه العنيف ان الدائرة أقفلت في صفوف المسيحيين اللبنانيين، يمينا ويسارا، تطرفا واعتدالا، وانهم باتوا موحدين في اطار "قضية" تشعل حماستهم وتدغدغ عواطفهم: قضية "خوض معركة استقلال لبنان عن سوريا".

وهذا لم يكن تطورا بسيطا.

فهذه المرة الاولى منذ 25 عاما (اي منذ حرب 1975 ) التي يتوّحد فيها المسيحيون وراء فكرة ما. وهذه ايضا المرة الاولى منذ 100 عام التي يقبلون جميعا السير وراء زعامة بطريرك ماروني، هو مار نصر الله بطرس صفير.

ولم يكن صدفة، على اي حال، ان يعلن هذا الاخير انه سيسير على هدى البطريرك الراحل يوسف الحويك، الذي فاوض الفرنسيين في أوائل هذا القرن من اجل تكوين لبنان في حدوده الاقليمية الراهنة، والذي يعتبره الموارنة البطل الحقيقي لاستقلال لبنان.

هذه الحقيقة لم تغب عن اذهان المسؤولين السوريين وحلفائهم اللبنانيين، خاصة منهم الرئيس اميل لحود. بيد أن ردود الفعل اختلفت لدى كل منهم.

ففي حين تحّرك الرئيس لحود لمحاولة اعادة فرز المسيحيين بين معتدلين ومتطرفين، واقنع الرئيس السوري بشار الاسد بإعادة تفعيل وساطة الوزير فؤاد بطرس، ثم أرفق كل ذلك بالتلويح بالهراوة الامنية، كانت الاطراف الموالية لدمشق تحرّك رجال الدين السّنة في منطقة عكار المطلة على المناطق المسيحية وتسّير المظاهرات فيها، ويتم استدعاء مفتي الجمهورية (السّني) رشيد قباني الى العاصمة السورية حيث اعلن بعد عودته رفضه لدعوات الانسحاب السوري.

بيد ان التحرك الابرز كان بالطبع العّراضة الشعبية الضخمة التي حشدها "حزب الله" في الضاحية الجنوبية من بيروت، (قدّر العدد بنحو 150 ألف)، والتي توجّت التوّحد الرسمي لقادة الشيعة ضد "حركة الاستقلال" المسيحية.
فبعد هذه العراضة، بدا واضحا أن عملية الاستقطاب في المعركة حول الوجود السوري قد اكتملت فصولا على مستوى الفرز الطائفي: الشيعة (ونسبيا) السنة في جانب، والمسيحيون
(ونسبيا) الدروز في ناحية أخرى.

لكن هنا يمكن تسجيل الملاحظة المهمة التالية: فيما التعبئة النفسية والسياسية تبدو كاملة في صفوف المسيحيين، وقوية في صفوف الدروز (أساسا بسبب التفافهم حول زعيمهم وليد جنبلاط، وليس بسبب معارضتهم للسوريين) ، لا يظهر الشيعة والسنة تعبئة مماثلة على الصعيد الشعبي، كما فعلوا مثلا العام 1975 دفاعا عن الوجود الفلسطيني..

الا ان هذه الحقائق لا تغير كثيرا من اللوحة العامة: فالبلاد انشطرت قسمين، ورجال الدين في كل الطوائف هم الذين يخوضون الان المعركة السياسية حول الوجود السوري: البطريرك نصر الله صفير لدى الموارنة والشيخ حسن نصر الله لدى الشيعة، والمفتي قباني لدى السنة.

اما لدى الدروز فالزعامة الروحية والزمنية معقودة الولاء منذ امد للزعامة "القبلية" الجنبلاطية. وهذا ما دفع مفكرا سياسيا لبنانيا الى القول، ان معركة الوجود السوري قد انقلب الان الى حرب بين "بطاركة الله وآيات الله"!.

حسنا.الى اين من هنا؟.

الى احد طريقين، كما يعتقد العديد من المحللين:

- إما الى التهدئة و الحوار والحلول الوسط. وهذا يتطلب لغة أخرى من جانب المسيحيين في التعاطي مع "القضية السورية"، وتنازلات من السوريين تقدم على طبق من فضة الى الرئيس لحود، لمساعدته على اعادة فرز بعض المسيحيين الى جانبه؛

- او استمرار الاستقطاب والتشنج. وهنا المخاوف كثيرة، ليس أقلها قيام بعض الاطراف المحلية او الاقليمية بتفجيرات أمنية تلوّن بالدم الخلافات السياسية الراهنة.

وبرغم ان كل الاطراف تقريبا تستبعد عودة الحرب الاهلية الشاملة، الا ان الخضات الامنية من شأنها اقفال كل نوافذ الحوار، وفتح كل الابواب امام شتى الاحتمالات. وهذا الخيار الاخير لم يكن غائبا عن ذهن عصام خليفة. اذ انه بعد الادلاء بكلمته امام التجمع الوطني للانقاذ والتغيير، مال نحو احد زملائه الجامعيين وهمس في أذنه قائلا "ما لم تتصرف سوريا على انها الخصم والحكم لا الخصم فقط..فالله يستر".


سعد محيو - بيروت

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.