تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

الأدب في لبنان.. هل ينجح حيث فشلت السياسة؟

(swissinfo.ch)

واقع لبنان ورؤية الأدباء اللبنانيين لإخراج بلدهم من مأزقه، كان موضوع سهرة أدبية عربية سويسرية انتظمت مساء الثلاثاء 22 مايو الجاري في غاليري الأرض بالمركز الثقافي العربي السويسري بزيورخ.

ويأتي تنظيم هذه السهرة، ضمن الموسم الثقافي الحالي للمركز بالتعاون مع مهرجان أيام سولوتورن الأدبية والسفارة السويسرية في بيروت، وحضر السهرة الروائيان اللبنانيان، حسن داوود ومحمد أبو سمرا، في حين اعتذرت الأديبة إيمان حميدان، بسبب عارض صحي.

مفارقات بلد "ثورة الأرز" لا حدّ لها، فمن ناحية، لا تكاد تضع الحرب أوزارها، حتى تطل برأسها من جديد، ولا تصمت المدافع، حتى تتصاعد حمى الصراعات السياسية والفئوية، والكل في دوامة من التطاحن مرّة مع أطراف خارجية، وأخرى مع أبناء البلد، كأن القدر جعل لبنان يختزل كل معضلات المنطقة العربية.

ولكنه من ناحية أخرى، بلد لا تزال فيه المعارضات السلمية تُـسقط الحكومات، ولا يزال للتعددية الثقافية والدينية والقومية فسحة من التعايش، وكل من زار لبنان في زمن الحرب أو السلم، وجد أنه بلد الغواية، حيث يبدو كل ما فيه متاحا وممتعا.

لفهم هذه المفارقة، فاق عدد الجمهور السويسري، الذي حضر هذه الندوة، نظيره العربي، برغم ما يُـعرف عن هذا الجمهور من انكفاء على قضايا الداخل وعدم اهتمام بما دونها، ولمكافأة الحضور، كان رأي الروائييْن ولغتهما، بعيدان عن المجاز والاستعارة، وتقمّصا قلم الصحفي ونظرة الأخصائي النفسي.

مأزق الذات اللبنانية

ينطلق محمد أبو سمرا في تفكيك الوضع اللبناني من الخلاصة التي وصلت إليها رواياته الثلاثة "بولين وأطيافها" و"الرجل السابق" و"سكان الصور"، إذ يربط بين هذه الروايات خيط درامي، يتمثل في "وعي شخصياتها الأساسية بوصمتها السلبية في المرايا الغربية المسلّـطة عليها من الأعلى وبرحلتها الشاقة نحو الشِّـفاء والخلاص من وصمة وضاعتها، مستمدّة من تلك المرايا صورا جديدة وغريبة عن الذات وعن العالم من حولها".

لكن معطيات الوضع الداخلي وتجاذبات المعادلة الدولية، تحوّل ذلك الخلاص إلى احتمال بعيد المنال، وتستهلك رغبة الوصول إليه، وجود الشخصيات كلها. فلا يبقى متاحا سوى مواجهة غرباء الداخل وأعداء الخارج، للتنفيس عن العنف الذي يبدأ معنويا، ثم ينتهي ماديا.

والمشكلة تصبح أعقد في حالة لبنان، عندما يتم استثمار هذه الطاقة بشكل مدمّر للبنان أوّلا وأخيرا، ويتحوّل الانفصام النفسي إلى انفصام البلد عن هويته وتاريخه، وربما إلى دمار وخراب، لن تصمد أمامه وحدة البلد الهشة.

ويقول محمد أبو سمرا ملخصا هذا المآل الكارثي، الذي يتجه إليه لبنان: "هكذا أدّت الحرب إلى الانتقال من مجتمع يصرّف أفراده فائض العنف المعنوي والثقافي، الناجم عن الفشل في عملية بناء الذات ومجاراة العصر، إلى مجتمع حربي تتعطل فيه الحياة المدنية ويتحوّل فيه الأفراد إلى محاربين ومقاتلين أو تائهين لاجئين".

النخبة السياسية هي المشكلة

وأما زميله حسن داوود، وعلى الرغم مما يُـبدي من بشاشة وهدوء، فإن نظرته للتاريخ اللبناني المعاصر ولنخبته السياسية خاصة، شديدة وقاسية. فهذه النخبة هي المسؤولة عن الحروب كلها التي مر بها لبنان، إذ هي سجينة الطائفية والمعادلات الإقليمية، ويعتقد أن الشعب اللبناني أضحى حطبا لحروب لا معنى لها، "وأنصار تلك الحروب، والمحاربون أنفسهم، منقادون بالغريزة وبالخوف، ومعبّـؤون، فلا أحد منهم يستمع للأدب والفكر".

ويضيف حسن داوود: "معضلة لبنان، هي أن السّجالات التي حدثت في الأشهر الأخيرة قد طوت تلك الصفحة الجميلة، أعني ربيع بيروت أو استقلال لبنان الثاني. لقد وجدنا أنفسنا معيدين التفكير في لبنان وباحثين عن كلمات نعرّفه بها".

المشكلة إذن، تكمن في الخطاب السياسي والأدبي، الذي يروّجه الساسة وبعض الكتاب، "هذا الخطاب الذي ينسى أن للبنان تاريخ، والذي يتكلم عن لبنان كلاما خاليا من المجاز، ليعودوا بلبنان إلى مكوّنات معروفة لا طعم لها (الطائفية)، والمشكلة أن اللبنانيين منقسمون الآن على أساس مفردات اللغة، وليس على أساس المشاريع السياسية".

أدب المحنة

ليس من الصعب الإحساس بالمرارة التي يشعر بها هذين الأديبْين، وحال لسانهما يقول، إن الوضع اللبناني سائر إلى قَـدره وأمام عجلة القَـدر، ليس للأديب إلا أن ينصت لدقات ساعة التاريخ. ولكن، وعلى الرغم من أن الروايات والقصص التي كُـتبت بعد الحرب في لبنان، أكثر بكثير مما سبقها، إلا أن حسن داوود بدا يائسا من أهمية النص الأدبي ودوره، بل ويعتقد أن ظروف الحرب وعدم الاستقرار من مثبطات الكتابة، (مع أن جزءً كبيرا من النصوص الأدبية والفلسفية المعاصرة، قد كتبت زمن الحربين العالميتين)، وأما نقده للخطاب السياسي ودوره في لبنان، فيبدو مبالَـغا فيه شيئا ما، ذلك أن للإعلام وللثقافة دورهما أيضا في كشف ألاعيب هذا الخطاب ومغالطاته.

أما التفسير السيكولوجي لمحنة لبنان، فيبدو قصور نظره في تجاهل دور المنظومات الفكرية والعقيدية في التعبِـئة، وفي إنجاز المهام التاريخية. ويؤدي التحليل، الذي يغفل أهمية التدخّل الخارجي، في إحباط كل محاولات النهوض التي عرفتها المنطقة العربية (وقد يكون مرد ذلك الجهل أو الهروب من مواجهة بعض الحقائق) إلى عدم إدراك حقائق الأمور.

وبغض النظر عن مدى صحة هذه الرؤى، فقد وفرت هذه الندوة للجمهور السويسري نافذة للإطلال على الواقع اللبناني من خلال بعض نخبه. وتجد السيدة دوريس شوكي، وهي سويسرية تعمل مستشارة بإحدى الشركات، وسبق أن أقامت في الأردن، في هذا الصنف من الفعاليات الثقافية "فرصة للتعرف على العالم العربي وفي التواصل مع الجالية العربية التي تعيش في سويسرا".

كما وجدت مونيكا فوليغل، وهي طالبة سويسرية تدرس اللغة العربية بزيورخ في هذه الندوة، فرصة للاستماع إلى مثقفين لبنانيين يتكلمون عن بلدهم، وهو ما يساعد على فهم ما يجري في تلك المنطقة الحيوية من العالم، ولكن عندما سئلت عن الصورة التي تحملها عن العالم العربي، أجابت: "هناك صور، وليس صورة واحدة، وليس من الممكن أن تتغيّر تلك الصور بمجرد محاضرة أو محاضرتين".

عبد الحفيظ العبدلي - زيورخ

باختصار

يأتي تنظيم هذه الندوة الأدبية في سياق سلسلة الفعاليات الثقافية التي ينظمها دوريا المركز الثقافي العربي السويسري، وهي مؤسسة ثقافية عربية سويسرية تسعى إلى خدمة الثقافة العربية والتعريف بها لدى أبناء الثقافات الأخرى، كما تسعى إلى مد جسور التواصل مع المبدعين في مختلف بقاع العالم.

أسس هذا المركز سنة 1998 وشارك في ترميم المشهد الثقافي العراقي، وذلك من خلال المساهمة في إعادة لوحات هامة إلى متحف الفنون ببغداد، وكانت هذه اللوحات قد فُـقدت منه في أبريل 2003، كما أسهم في دعم الجامعات والكليات العراقية بآلاف الكتب والمطبوعات.

من أبرز مشروعات هذا المركز، مهرجان المتنبي الشعري العالمي، الذي ينظم دورته هذه السنة في الفترة الممتدة من 1 إلى 6 يونيو 2007، وشارك في دورات هذا المهرجان الذي انطلق عام 2000 قُـرابة 250 مبدع من 45 دولة، كما أسس المركز دارا للنشر سنة 2004 أسماها "منشورات بابل"، وقد أصدرت حتى الآن أكثر من 20 كتابا عربيا ومترجما، بالإضافة إلى العديد من الفعاليات الثقافية الأخرى.

يعمل المركز وفق القوانين السويسرية، وله علاقة وثيقة بالمؤسسات الداعمة للثقافة في سويسرا، منها وزارتا الثقافة والخارجية، ويستدعي المركز من حين إلى آخر مثقفين عرب، كما ينظم رحلات لمبدعين سويسريين إلى بلدان عربية، مثل سوريا ومصر والعراق وتونس واليمن.

نهاية الإطار التوضيحي

معطيات أساسية

الروائيون الثلاثة، من الأسماء الثقافية العربية المتميزة، وقد تُـرجمت بعض أعمالهم إلى الإنكليزية والفرنسية والألمانية، وكانت لهم قراءات ضمن أيام سولوتورن الأدبية في موفى الأسبوع الماضي:

حسن داوود: ولد حسن داوود سنة 1951، وهو يعمل صحفي في اليومية البيروتية "المستقبل"، درس الأدب العربي بالجامعة اللبنانية في بيروت. ظهرت أوّل رواية له باللغة الفرنسية بعنوان "ضيعة ماتلدا" سنة 1998، وتبعتها رواية ثانية بعنوان "الأيام الأخيرة"، وهي دراسة نفسية عميقة حول الشيخوخة.

محمد أبو سمرا: ولد سنة 1953، وعمل مدرسا وكاتبا صحفيا في المجال الثقافي. متخرج من مدرسة البيداغوجيا، ودرس كذلك العلوم الاجتماعية. أجبِـر على اللجوء إلى باريس هربا من الحرب الأهلية سنة 1985. كتب أول رواياته وهو في المهجر، وكانت بعنوان "بولينا وأطيافها" (نشر دار الفارابي)، ثم تبعتها روايات ثلاثة أخرى، وهي: "الرجل السابق" (نشرة دار التجديد، 1995) و"سكان الصور" (نشر دار النهار، 2003) و"بلدان الإذلال والخوف، الدار البيضاء، وبيروت، وكردستان: شهادات وأسفار" (نشر دار النهار، 2004).

إيمان حميدان: ولدت بلبنان سنة 1956، وهي عالمة اجتماع وصحفية، درست علم الاجتماع في الجامعة الأمريكية ببيروت وتعمل صحفية حرة منذ 1989، ولها أعمدة في العديد من الصحف العربية، وهي بالإضافة إلى ذلك، تتعاون مع العديد من المنظمات غير الحكومية المعنية بمخلَّـفات الحرب، وهي أم لثلاثة أولاد، أقامت في فرنسا لسنوات عديدة خلال الحرب الأهلية، وأصدرت إلى حد الآن روايتين وبعض القصص الصغيرة.

نهاية الإطار التوضيحي


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×