Navigation

الأردن .. و"الإخوان" .. والأسئلة الكبرى!

تفجرت الأزمة الأخيرة بين الأخوان والحكومة في الأردن إثر تحول أربعة نواب من أعضاء الجماعة لتقديم التعازي إلى عائلة الزرقاوي (في الصورة: سرادق العزاء الذي أقامه أقارب الزرقاوي في مدينة الزرقاء لتقبل التعازي يوم 8 يونيو 2006) Keystone

أوقف المدعي العام الأردني يوم 10 يوليو المجلس الذي يدير جمعية المركز الإسلامي الخيرية قبل أن يتولى السيطرة على الجمعية الخيرية التابعة لأكبر حزب معارض في البلاد.

هذا المحتوى تم نشره يوم 10 يوليو 2006 - 20:01 يوليو,

ويعتبر هذا القرار أشد الاجراءات المتخذة ضد الحركة الاسلامية منذ ان شددت الحكومة الاردنية موقفها إزاء الاخوان المسلمين المعارضين لمعاهدة السلام المبرمة مع اسرائيل عام 1994.

أسئلة كبرى أثارتها الأزمة الراهنة بين النظام الملكي في الأردن وبين حركة "الإخوان المسلمين" فيه:

. كيف ولماذا وصل التعايش التاريخي الناجح بين الطرفين، والذي دام أكثر من 60 عاما إلى عنق زجاجة الأزمات؟

. وهل يعتبر دخول هذه العلاقة الحميمة طور الأزمة مؤشرا على أن "حرباً شاملة" قيد الإعداد والتنفيذ الآن في المنطقة العربية ضد هذا التنظيم الأكبر في العالم العربي والإسلامي، الذي تمتد فروعه إلى معظم أنحاء العالم؟

. ثم، أين الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الوحيدة حالياً في الشرق الأوسط والعالم، من كل هذا الذي يجري؟

أين البدايات؟

انفجرت الأزمة بين الأردن والإخوان "رسمياً" غداة قيام أربعة من نواب "جبهة العمل الإسلامي" (وهي ذراعهم السياسي) بزيارة سرادق عزاء أبو مصعب الزرقاوي، حيث أصّر أحدهم، وهو النائب محمد أبو فارس، على وصف الزرقاوي، الذي قتلته قوات مشتركة أمريكية – عراقية، بمساندة إستخبارية من أجهزة الأمن الأردنية (على ما يُـشاع)، بأنه "مجاهد وشهيد".

هذه الخطوة أثارت حنق حكومة معروف البخيت الشديد، التي تحركت بسرعة لاحتجاز النواب الأربعة في سجن الجفر الصحراوي على ذمة التحقيق، ثم أصدرت بياناً شددت فيه على أن التعزية بالزرقاوي "تعتبر مخالفة للثوابت الوطنية، وتعكيراً لصفو المجتمع الأردني، وتبريراً وتشجيعاُ للفكر التكفيري، الذي يتبناه تنظيم القاعدة. كما أنه يعدُّ استهتاراً بمشاعر أهالي ضحايا تفجيرات الفنادق الثلاثة في عمان"، التي نفّـذها تنظيم الزرقاوي في ديسمبر 2005.

بيد أن المسألة لم تبق في إطار هذا الحادث، بل تمخّـضت عما هو أخطر، حين أجرى العاهل الأردني عبد الله الثاني مقابلة مع مجلة "دير شبيغل" الألمانية هدّد فيها بمنع الإخوان من "المشاركة في صوغ مستقبل الأردن"، في حال "استمر تبريرهم للإرهاب والفكر التكفيري".

لماذا قرر الملك دفع الأمور إلى التصعيد مع هذا الحركة القوية، رغم أن نظامه نجح منذ عام 1946 في ممارسة نهج الإدماج معها، على عكس باقي فروع الإخوان في الدول العربية الأخرى التي أتّـسمت علاقاتها بحكوماتها بالإقصاء الدموي؟

البعض يرجع جذور المشكلة إلى قيام الأردن عام 1994 بتوقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل في وادي عربة. لكن، وبرغم أن هذا الحدث أدخل بالفعل بعض التوتر في علاقات الطرفين (وفي داخل حركة الإخوان)، إلا أنه لم ينجح في تأزيم التحالف التاريخي بينهما أو في نقل العلاقة من الإدماج إلى الإقصاء. فقد بقيت المعارضة الإسلامية على حلفها مع النظام، ورفضت المشاركة في معظم التحركات الشعبية المطالبة بالإصلاحات السياسية والاقتصادية. كما حرص النظام من جانبه، على مواصلة سياسة "الإدماج" مع الإخوان.

تقاطع العوامل

الجذور الحقيقية تكمُـن على الأرجح في التحولات الكبرى التي أنتجتها أحداث 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن، والتي أحدثت فرزاُ جديداً للأدوار تميَّـز بأمرين اثنين دفعا علاقات عمّان - الإخوان إلى التأزم:

- التغيّـر الكبير الذي طرأ على دور النظام الأردني الإقليمي، والذي نقله بشطحة قلم من لاعب فرعي في صراعات الشرق الأوسط إلى لاعب قيادي فيها. وهكذا، تزعم الأردن الحملة ضد "الهلال الشيعي"، الذي ادعى أن إيران تشكله في المنطقة، وانحاز كلياً إلى الولايات المتحدة في المعركة الأمنية والإيديولوجية ضد "الإرهاب". وبالطبع، لم يستطع الإخوان مجاراة النظام في هذه النقلة، خاصة بعد أن انشطر الشرق الأوسط إلى معسكرين، أحدهما غربي إسرائيلي – أمريكي، والآخر إسلامي إيراني - سوري- فلسطيني (حماسي).

- التغيّـر الآخر، والذي ثبت لاحقاً أنه كان مؤقتاً، كان في التوجهات الأمريكية إزاء دور تنظيمات (ومنظمات) الإخوان في اللعبة السياسية في إطار مشروع دمقرطة الشرق الأوسط الكبير، وهذه المرّة كان النظام الأردني هو الذي يفشل في مجاراة هذه التطورات، خاصة بعد أن أوصلت الانتخابات الإخوان إلى السلطة في فلسطين، مما أنعش آمال الإسلاميين الأردنيين بإمكانية إقامة "هلال إسلامي ديمقراطي" يشمل إلى فلسطين الأردن، وربما أيضاً سوريا ولبنان.

تقاطع هذين العاملين، أي تغيّـر الدور الإقليمي الأردني ودور الإخوان المحلي، أدّى إلى انهيار بعض جدران التحالف التاريخي بين الطرفين ودفع الأمور إلى أحد الخيارين: إما تراجع النظام عن كونه رأس حربة بوجه المعسكر السوري – الإيراني - الحماسي المناوئ لواشنطن، أو تراجع الإخوان عن رفضهم لهذا التوجه وقبولهم الاندراج في التوجهات الأمريكية العامة، مقابل استمرار إدماجهم في مؤسسات النظام.

وبما أن كلا الخيارين يبدو صعباً لكلا الطرفين في المرحلة الدقيقة الراهنة، يبدو التصعيد هو الخيار الوحيد، خاصة إذا ما انتصرت التيارات الراديكالية على تلك المعتدلة في حركة الإخوان.

مصر وسوريا

هذا على الصعيد الأردني، ماذا الآن عن احتمال نشوب "حرب شاملة" في المنطقة ضد "الإخوان"، خاصة وأن نموذج الإدماج الأردني لهؤلاء بدأ يهتز بشدة؟

الواقع، أن هذه الحرب لم تعد احتمالا، بل باتت حقيقة واقعة وشرارتها الأولى انطلقت من مصر، التي وُلد فيها تنظيم الإخوان عام 1928، والذي ما زال يُـعتبر حتى الآن "أم" كل فروع هذه الحركة.

بدأت هذه الحرب، بعد أن اشتم النظام المصري روائح تغيير من مسألة إدماج الإخوان في النظام السياسي بعد فوزهم الكاسح في الانتخابات ورفضهم مطالبات واشنطن بالاعتراف بإسرائيل، والمشاركة في الحرب على "الإرهاب"، وتزعم الحملة ضد الحركات الراديكالية الإسلامية.

وكانت الحصيلة، عودة القمع العنيف للإخوان، بما في ذلك الضرب والسحل في الشوارع والاعتقالات بالجملة للمرة الأولى منذ الإعلان عن مشروع الدمقرطة الأمريكي عام 2002، والذي ترافق مع ضغوط أمريكية قوية على النظام المصري لحمله على الانفتاح على الأخوان.

وفي سوريا، لم يكن الأمر في حاجة إلى تغيّـر ما في الموقف الأمريكي ليحدث تغيير مماثل من النظام إزاء الإخوان. فالحرب بين الطرفين مشتعلة أصلاً منذ منتصف السبعينات، ولم يزدها التحالف الجديد بين نائب الرئيس السوري المنشق عبد الحليم خدام وبين البيانوني، الأمين العام للإخوان السوريين في الخارج، سوى اشتعالا.

ومع ذلك، فإن احتمال تدحرج الأزمة في الأردن بين النظام والإخوان إلى هاوية المجابهة، لن يسجّـل فقط نهاية تجربة إدماج الإخوان في النظم السياسية العربية، بل هو أيضاً سيشجع هذه الأنظمة على العودة إلى التعاطي العنيف مع الحركات الإسلامية.

شروط واشنطن

نأتي الآن إلى الموقف الأمريكي، وهنا نذكّـر بحدث مهم: غداة الانتخابات التشريعية المصرية الأخيرة، نقل رئيس الوزراء المصري أحمد نظيف عن الرئيس الأمريكي بوش وصفه الإخوان المسلمين بأنها "منظمة إرهابية"، هذا برغم أن هذه الحركة ليست مُـدرجة على أي لائحة إرهاب في الولايات المتحدة أو في غيرها.

آنذاك، لم يصدر أي نفي أو تأكيد من واشنطن، وهذا اعتبر مؤشراً قد تكون له دلالاته الخطرة في علاقات الإخوان – أميركا، وكما هو معروف، هذه العلاقات شهدت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية (كما يقول روبرت دريفوس في كتابه الجديد "لعبة الشيطان" Devil's game: How the U.S helped unleach fundamentalist Islam. By Robert Dreyfuss. Mertopolitan Books.2005.) اتصالات بين وكالة الاستخبارات الأمريكية وبين الإخوان في إطار التوجه الأمريكي العام لإدراج الحركات الإسلامية ومعها المملكة السعودية في الحرب ضد الشيوعية. كما أن هذه الاتصالات، يضيف دريفوس، تعمّـقت بعد انفجار الصراعات بين الحركة الناصرية وبين كل من أمريكا والإخوان.

حتى الآن، وبرغم المؤشرات السلبية الراهنة، لا يبدو أن واشنطن تنوي قطع هذه الاتصالات نهائياً مع تنظيمات الإخوان. فالرّهان ما يزال مستمراُ على دفعهم لتغيير مواقفهم، بما يتطابق مع التوجهات الأمريكية إزاء إسرائيل وقضايا الإرهاب والعولمة، وضد المحور السوري - الإيراني.

بيد أن حبل هذا الرهان سيكون قصيراً، وسيتعيّـن على حركات الإخوان، الاختيار سريعاً بين قبول الشروط الأمريكية أو ركوب نمر المجابهات الخطرة. ثم أن هذا الحبل سيقصر أكثر بكثير عما قليل، لأن الأنظمة العربية ستفيد من هذه الفرصة الأمريكية الذهبية لدفع الإخوان، إما إلى خط التصعيد أو إلى خُـطى الاستسلام.

الضغوط على منظمات الإخوان كبيرة الآن بالفعل. لكنها ستكون أكبر وأخطر بما لا يُـقاس إذا ما إنهار تحالف هؤلاء نهائياً مع النظام الأردني، إذ أن ذلك سيكون أوضح دليل على أن الإخوان قد يسيرون على الدرب الصّـدامي نفسه، الذي سبقتهم إليه الحركة الناصرية في العلاقة مع الغرب في الخمسينات والستينات، والذي أسفر في النهاية عن تبعثر الحركة القومية العربية وانحسارها.

سعد محيو - بيروت

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.