تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

الأسرة السويسرية بين الثابت والمتحوّل

الحديث عن قضايا الأسرة لا يترك أحدا على الحياد. نتذكّرها لنستعيد ذكريات الطفولة الجميلة، وينطلق منها الباحثون الإجتماعيون لدراسة المجتمع ونقد مُثُله. وتظل الأسرة، كأي مؤسسة أخرى، تخضع لأحكام التطور من ناحية، وتحتفظ بثوابت انتروبولوجية تكتنز خصوصية المجتمع وهويته من ناحية أخرى.

معرض "العائلة.. كل شيء يبقى.. برغم تغيّر كل شيء"، الذي ينظمه هذه الأيام المتحف الوطني السويسري بزيورخ يقدم رسما بيانيا عاما لتاريخ هذه المؤسسة في سويسرا، والأطوار التي مرت بها منذ 200 سنة.

ولا يدّعي هذا المعرض الثقافي، كما يقول كريستوف كوبر، المدير المسؤول عنه في حديث إلى سويس انفو: "تقديم تحليل دقيق للقضايا المتعلقة بالأسرة، ثم عرضها في إطار موسوعي شامل، فهذا ليس غرض المعرض من الأساس".

لكن هذا لا ينقص شيئا من جدية المادة المعروضة وعلميتها، إذ المعرض في عمومه يتم بتعاون وثيق مع البرنامج الوطني السويسري للبحوث، والذي تحتل قضايا الأسرة لدى باحثيه مكانة هامة ومتميزة. ويُجري منذ سنوات العديد من الدراسات حول أوضاع الطفولة والشباب والأسرة في سويسرا. وربما شكل معرض الأسرة بهذا المعنى فرصة لإطلاع الجمهور على نتائج تلك الدراسات.

المعرض مخصص في الأساس لإبراز التطورات الإجتماعية والتاريخية والثقافية المتلاحقة التي حكمت مسار تطور الأسرة السويسرية منذ القرن الثامن عشر. وفي هذا السياق، ينتقل الزائر عبر ردحات المعرض من فترة تاريخية إلى أخرى، وكل مرة يكون على موعد مع إحدى العائلات السويسرية التي تجسد تجربتها قيم المرحلة وأفكارها، وتتجلى من خلالها العوامل المتعددة التي تحكمت في التحولات العميقة التي مرت بها سواء أكانت تلك العوامل اقتصادية أو قانونية أو دينية أو حتى ثقافية.

لكن قسما كبيرا من المعرض مخصص لتقديم النتائج التي توصل إليها القائمون على برنامج الوطني للبحوث حول الأسرة والشباب في السنوات الأربع الأخيرة، والذي يرمز إليه بـ PNR 52 .

ظهور الأسرة الحديثة

البداية كانت مع ظهور عقد الزواج المدني، وحق الفرد في اختيار شريك حياته، وإلغاء الحظر الذي كان يمنع الزواج المختلط بين أتباع المذاهب الدينية المختلفة فضلا عن حدوث نهضة علمية وتقدم تكنولوجي بلغ أوجه مع بداية القرن العشرين، وترافق ذلك مع فصل واضح بين المنزل، كفضاء للحياة الخاصة، والمؤسسات العامة، كمكان العمل.

ولم يكن هذا الفصل بالأمر العابر، فقد تسبب في إرساء نظام جديد لتقسيم العمل، يتكفّل فيه الرجل بالعمل في الخارج، وتكتفي فيه المرأة بدور سيدة البيت.

وكتب لهذا النمط الاجتماعي الاستمرار لزمن طويل، وتعزز بحالة الرفاه الاجتماعي التي عاشها المجتمع السويسري خلال العقود السبعة الأولى من القرن العشرين.

ويقول كريستوف كوبر عن هذا النظام الأسري: "لقد حلم مفكرو عصر الأنوار بعائلة نووية تتشكل من أب يشتغل، ويحصل على مرتّب، يتجاوز احتياجات العائلة، وامرأة تحظى بتكوين علمي وتشارك في الحياة العامة والعمل الطوعي، وقد تحقق هذا في العقود الثمانية الأولى من القرن العشرين".

نهاية عصر الأنوار

هذا النموذج الأسري شهد تحولا جذريا منذ الثمانينات من القرن العشرين، ويرجع أندرياس سبيلمان، مدير المتحف الوطني السويسري بزيورخ ذلك إلى "حظر عمل الأطفال، وإلى منح الدولة تأمينات اجتماعية ضد الشيخوخة، وتمتع النساء بحق إسقاط الحمل عن طريق الإجهاض، أو استخدام أقراص منع الحمل".

ومنذئذ، يقول كريستوف كوبر: "أصبحت عملية إنجاب الأطفال تخضع لتخطيط مسبقا، ويأتي الزواج كخطوة لاحقة لذلك القرار".

أربعون سنة كانت كافية ليهتزّ هذا النموذج إذن. وهو تغيّر يُرجعه الدكتور فيليكس غوتسفالاّر، أستاذ علم اجتماع بجامعة زيورخ إلى "انتشار أفكار جديدة بين صفوف الشباب كفكرة الطموح الشخصي، وحرية الاختيار، والفردانية، والعزوف عن تحمل المسؤولية".

لكن المعرض يقدم تفسيرأ آخر لظاهرة العزوف عن الإنجاب: "فالمرأة تريد، بعد أن تنهي تكوينها الدراسي، العمل لفترات طويلة، وأشكال التعايش الجديدة بين الجنسين لا ترغّب في الزواج الموثّق، وتعاظم نسب الطلاق خاصة في العقديْن الأخيرين لا تشجع على إنجاب الأطفال".

لقد انتهى عصر الأنوار الذي كان ينظر إلى الأبناء كما يقول جون جاك روسو: "كخيْر مطلق، ومصدر سعادة داخل العائلة، لكونهم يجعلون الآباء والأمهات أشد حاجة لبعضهما البعض، وأكثر قربا، وأوثق صلة"، وحل محله عصر الاقتصاد الحر الذي يقول عنه كارل ماركس: "إنه عصر ينظر باشمئزاز إلى العلاقة العاطفية التي تصل الآباء بالأبناء، وتحطم مؤسساته الصناعية الكبرى كل الوشائج العائلية، وتحوّل الأطفال إلى مجرد سلع تجارية، أو مجرد أدوات إنتاج"..

الأسرة جزء من الماضي؟

النموذج الأسري الجديد الذي يلوح في الأفق، يتميز بتراجع حاد في نسبة الولادات (أقل من 1.5 %)، وتزايد كبير في نسب الطلاق (أكثر من 52 %)، وظهور أنماط غير معهودة من التعايش الاجتماعي، كل ذلك سيكون ضحيته الأولى الأبناء.

ويقول ريمو لارغو، طبيب لأمراض الأطفال والمسؤول بكانتون زيورخ عن قسم الطفولة في دراسة بعنوان (رعاية طفل يتطلب تجنّد قرية بأكملها): "الإحاطة والعناية بالطفل، يتطلب إشعاره في كل وقت بأنه في مأمن وأنه غير منبوذ في محيطه، وهذه المهمة الصعبة تتجاوز اليوم طاقة الوالديْن، فهما في حاجة إلى دعم خارجي للإيفاء بمتطلبات الرعاية".

ويضيف هذا الخبير: "على الرغم من أن 80 % من المواطنين السويسريين لا يزالون مرتبطين بنمط الأسرة التقليدي، فإن نسب الطلاق التي تتجاوز 52 %، وانشغال نسبة عالية من النساء بالعمل خارج المنزل، يضطرهن إلى طلب دعم خارجي، ويخرج عملية التربية من الدائرة الأسرية الضيقة إلى دائرة المجتمع الرحبة".

الإحصائيات الرسمية تؤكد أيضا أن 13.7 % من المواليد الجدد سنة 2007، ولدوا خارج إطار الزواج، ويعني هذا أن فئة كبيرة من الأطفال أضحت في حاجة إلى رعاية المجتمع والدولة، ومن المرجح بحسب المسار الإحصاءات المتوفرة أن تتفاقم الظاهرة أكثر، مما يعني في النهاية أن المجتمع السويسري، وربما جاز القول إن المجتمعات الصناعية الكبرى مقبلة على مرحلة جديدة يمكن تسميتها بمرحلة "ما بعد الأسرة".

عبد الحفيظ العبدلي - زيورخ

معطيات أساسية

شهدت الأسرة السويسرية تحوّلات عميقة منذ القرن الثامن عشر، وتراجع نتيجة تدخل عوامل كثيرة عدد افراد الأسرة الواحدة من 4 أفراد سنة 1750 إلى 3.5 سنة 1934، ثم إلى فرديْن فقط سنة 2000.
كذلك عرفت وتيرة نسب الطلاق تسارعا كبيرا، فبعد أن كان معدل الطلاق في المجتمع السويسري 2.5 % فقط سنة 1866، إرتفعت تلك النسبة إلى 11% سنة 1964، ثم بلغت 26.5% سنة 2000، ولكن تلك النسبة تضاعفت مرتيْن خلال السنوات الستة اللاحقة لتصل نسبة الطلاق سنة 2006 إلى 52%.
وبفضل تحسن الخدمات الصحية، ونظام التأمين الصحي تراجعت نسبة وفايات الأطفال في سويسرا من 27% سنة 1840 إلى 17% سنة 1900، لتتراجع إلى أدنى مستوى سنة 2000 بمعدل وفايات يبلغ 0.7%.

نهاية الإطار التوضيحي

النتائج الأولية للبرنامج الوطني للبحوث حول الأسرة والشباب

في بلد الثراء والرفاهية حيث يمثل الأطفال نسبة ضعيفة من مجموع السكان، تعيش نسبة لا بأس بها منهم أوضاعا اجتماعية صعبة، وتتفشى بين الفئات المختلفة، ظاهرة التفاوت المجحف. ويحصل على شهادة ختم الدروس الثانوية 60 % من الأطفال المنتمين لعائلات مترفة مقابل 10 % فقط من الأطفال الذين ينتمون إلى عائلات سويسرية متواضعة الدخل. وتقول باسكالينا شيالّو، إحدى الباحثات ضمن هذا البرنامج: "الفكرة الشائعة في سويسرا على أن كل شيء على ما يرام، لا تتطابق مع الواقع".

الاكتشاف الثاني لهذا البرنامج يتمثل في التأكيد على أن 30 % من الشباب غير راضين عن التكوين الذي تلقوه حتى الآن، ويقولون أنهم افتقدوا إلى العناية والتوجيه أو أنهم دفعوا للنجاح في دراستهم من دون تلقي المساعدة اللازمة لتحقيق ذلك.

كذلك يهتم هذا البرنامج بمتابعة تطور أوضاع الأسرة السويسرية، والتحولات الديمغرافية العميقة، وارتفاع معدلات الحياة ، مما أدى إلى التعايش بين أجيال متعددة في نفس الوقت، ولكن بنسبة أقل من الأشخاص داخل الأسرة الواحدة، لأن عدد الولادات قد تراجع. وبيّنت النتائج الأولية للبحث أن دور المرأة في المجتمع السويسري قد تغيّر بشكل جذري. وارتفعت نسبة السيدات اللاتي أصبحن يفضلن الزواج من دون انجاب الأطفال.

هذه إحدى النتائج الأولية التي كشف عنها القائمون على "البرنامج الوطني للبحوث حول الطفولة والشباب والعلاقة بين الأجيال PNR52""، وكان قد تم إطلاق هذا البرنامج سنة 2003، وخصصت له ميزانية قدرها 12 مليون فرنك، واُنجز في إطاره إلى حد الآن 29 بحثا، ومن المنتظر أن يُصدر هذا الشهر دراسة حول العلاقة بين الأجيال، وفي الخريف القادم دراسة حول الطفولة والشباب.

نهاية الإطار التوضيحي


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×