الألعاب المتوسطية تفرض أحكامها على الجميع

الحكومة التونسية سخرت جميع الإمكانيات المادية والبشرية من أجل إنجاح الدورة الرابعة عشرة لألعاب البحر الأبيض المتوسط وتحسين صورة البلاد في الخارج Keystone

شهد ملعب 7 نوفمبر الحديث في ضاحية رادس القريبة من العاصمة التونسية مساء الأحد حفل افتتاح ضخم واستثنائي للدورة الرابعة عشرة لألعاب البحر الأبيض المتوسط بحضور الرئيس زين العابدين بن علي وعقيلته والرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة. ويبدو أن ما يشبه الإجماع انعقد داخل مكونات المجتمع السياسي والحقوقي داخل تونس على تأجيل جميع الملفات والخلافات إلى ما بعد اختتام الألعاب

هذا المحتوى تم نشره يوم 03 سبتمبر 2001 - 12:42 يوليو,

لكن شعورا يكاد يكون سائدا بين مكونات الطبقة السياسية التونسية يفيد بأن السنة السياسية القادمة ستكون حبلى بالأحداث، ومختلفة عن سابقاتها. وبقطع النظر عن مدى صحة هذا التكهن، فالواضح أن الديناميكية التي عرفتها البلاد منذ شهر أكتوبر الماضي بمناسبة انعقاد المؤتمر الخامس للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان قد غيرت جوانب عديدة من المشهدين الجمعياتي والسياسي، مما أضفى حرارة إضافية على الصيف التونسي، وجعل مختلف الأطراف في حالة تحفز مستمر..

وفي هذا السياق، اكتسب الاجتماع الذي عقده الدكتور منصف المرزوقي مؤخرا في منطقة دوز (جنوب البلاد) أهمية خاصة، ليس فقط باعتباره أول لقاء جماهيري ينظمه حزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي لا يزال ينتظر الاعتراف القانوني، ولكن أيضا بسبب عدم تدخل الأمن لمنع الاجتماع وتفريق الحاضرين بالعنف.

البعض فسر ذلك بالخوف من احتمال حدوث تعاطف "قبلي" بحكم أن المرزوقي اختار أن تكون نقطة الانطلاق لتحركه السياسي الشعبي من مسقط رأسه، بينما تمنى آخرون أن يكون ذلك مؤشرا على تغيير أسلوب تعامل النظام مع المعارضين والنشطاء. وفي كلا الاحتمالين فقد كان ذلك التجمع بدلالاته الرمزية مؤشرا على بداية ساخنة وسابقة لأوانها لسنة سياسية قد تكون غير عادية.

في كل يوم تنشر صحيفة الحرية قائمات إسمية إضافية لأتباع التجمع الدستوري الديمقراطي المطالبين الرئيس بن علي بتجديد ترشحه لولاية رابعة. هذا يعني أن السلطة قد اختارت، أو وجدت نفسها مضطرة، لكي تجعل من انتخابات 2004 المحور الرئيسي للسنة السياسية الجديدة، وبالتالي الخوض في حملة انتخابية رئاسية ستستمر ثلاثة سنوات.

بناء عليه لا يستبعد البعض أن تكون الذكرى القادمة للسابع من نوفمبر التتويج الحزبي والرسمي لهذه الحملة السياسية المنظمة التي قد تتخذ أشكالا أخرى أكثر استعراضية بعد انتهاء فعاليات الدورة الرابعة عشرة لألعاب البحر الأبيض المتوسط التي انطلقت يوم الأحد في أجواء احتفالية ضخمة لتختتم في الخامس عشر من نفس الشهر.

دوائر المعارضة الثلاث

أما من جهة أحزاب المعارضة فإنها لا تملك استراتيجية موحدة، لكنها لا تستطيع أن تقفز فوق الأجندة الرسمية، مهما حاولت المناورة أو انتهاج سلوك غض البصر. وهنا يمكن تقسيم هذه الأحزاب إلى ثلاث دوائر، مع الحرص على عدم التورط في التعميمات التي توقع أصحابها في الخطإ.

أولا: هناك عدد من الأحزاب القانونية التي لا تزال متمسكة بخيار التعاون مع السلطة، والرهان على دعم الرئيس بن علي لها. هذه الأحزاب غير مستعدة لإحداث تغيير جوهري في استراتيجيتها وتحمل تبعات ذلك على الصعيدين المادي والسياسي. وهي إذ تشعر بالحرج داخلها من الدعوة المبكرة لتجديد ترشح الرئيس بن علي، وسيشتد إحساسها بالارتباك عندما سيطلب منها دعم هذه التزكية، لكنها مع ذلك لن تبدي معارضة واضحة حتى لو ارتفعت أصوات رافضة من بين صفوف أعضائها. إنها مقيدة بالتزامات سياسية لن تستطيع الفكاك منها.

لكن مع ذلك، ستحاول قياداتها استثمار الظرف السياسي من أجل توسيع حجم المكاسب الحزبية، ومحاولة " إقناع " النظام بأن مصلحة الطرفين تقتضي أن تكتسب هذه الأحزاب قدرا من الاستقلالية من خلال السماح لها بممارسة حق النقد لبعض الجوانب السلبية في الحياة العامة مثل أزمة الإعلام أو هيمنة التجمع الدستوري على مؤسسات الدولة. وينتظر في هذا السياق أن تشهد هذه الأحزاب العديد من مظاهر التململ والتأزم الداخلي.

ثانيا: تتمثل الدائرة الثانية في أحزاب أخرى تتمتع بدورها بالوجود القانوني، إلا أنها أدركت، بعضها منذ مطلع التسعينات، أن مصلحتها الحيوية وضمان اكتسابها قدرا أدنى من المصداقية يفرضان عليها تحقيق قدر أدنى من الارتباط بفعاليات المجتمع المدني والتجاوب مع تطلعاته وطموحاته الديمقراطية. ويعتبر الحزب الديمقراطي التقدمي بقيادة نجيب الشابي المثال الأوضح في هذا السياق. كما التحقت حركة التجديد بهذا التوجه حيث أعلنت مؤخرا عن مقاطعتها للانتخابات الجزئية التي ستنظم يوم 7 أكتوبر القادم لسد بعض الشغورات في مجلس النواب. واعتبرت الحركة أن شروط التعددية غير متوفرة.

وإذ يحرص الحزبان على تجنب الدخول في مواجهة شاملة مع الحكم القائم، كما تبتعد قيادتهما عن لغة التشخيص أو كل ما من شأنه أن يؤدي إلى القطيعة السياسية، إلا أن مواقف الحزبين، وبالأخص الحزب الديمقراطي التقدمي تميزت برفع السقف الاحتجاجي، وعمقت نقدها لأوضاع الحريات العامة، وشرعت في تأسيس خطابها على المطالبة بعدد من الإصلاحات المتعلقة بالنظام السياسي.

ويتوقع أن يستمر الحزبان في التقدم في هذا الاتجاه، وأن تتركز جهودهما خلال السنة السياسية الجديدة على تطوير الخطاب النقدي، ودعم العلاقة بالمجتمع المدني، واستغلال الحركية الجديدة لكسب مزيد من الأنصار وتفعيل الحضور الحزبي داخل الجهات، وتعزيز الوجود الإعلامي سواء من خلال تنشيط صحيفتيهما أو استغلال الفضاءات المتاحة داخليا وخارجيا.

ثالثا: الدائرة الأخيرة تتشكل من عائلات سياسية وأيديولوجية حرص النظام على إلغائها من الخارطة الحزبية منذ فترة طويلة. وإذ نجح طيلة المرحلة الماضية في تهميشها إلا أنها عادت بشكل فاعل خاصة خلال السنة الماضية، بعد أن تعززت بأصوات قوية قادمة من داخل النشاط المدني وقررت بدورها أن تقتحم العمل الحزبي دون الاهتمام كثيرا بالضوابط القانونية التي وضعتها السلطة لتحديد مجال اللعب والحركة.

وخلافا للتنظيمات السابقة تطرح هذه العائلات بشكل صريح مسألة تغيير النظام بالوسائل السلمية، وتحقيق التداول الآن على السلطة وترشح نفسها كبديل قادر على تحقيق التداول منذ الآن من خلال تناولها المباشر والقوي لقضية الانتخابات الرئاسية لعام 2004.

أطراف ناشطة وسلطة منزعجة

لقد أصبحت هذه الأطراف في فترة وجيزة الأكثر إزعاجا للنظام، والأشد إيذاء له رغم محدودية إمكانياتها. وستعمل هذه المجموعات، حسبما يبدو، على جر النظام إلى مواقعها وأن تفرض عليه أولوياتها من خلال مناوشته بشكل مستمر. فهي تعتقد بأنها ستكون الرابحة في كل الاحتمالات، سواء عندما يقع الرد عليها بالعنف والاعتقال، أو يقع غض الطرف على تحركاتها ومبادراتها.

هذه الأطراف ستعمل أيضا على الانفراد بإدارة ساحة المعارضة، وهي بذلك لا تقف عند إرباك النظام، وإنما تثير أحيانا تحفظات بقية أجزاء المعارضة الديمقراطية التي تؤمن بالمرحلية، وتعتبر بأن الحكمة السياسية تقتضي حسن استثمار المكاسب والعمل على تعديل موازين القوى التي لا تزال، في تقديرها، مختلة لصالح النظام.

كما تخشى من أن يؤدي ما تعتبره أسلوب التصعيد السياسي المستمر بدون أفق استراتيجي واضح إلى تأخير إمكانية تأسيس قطب أو جبهة ديمقراطية واسعة تكون قادرة على حسن إدارة الصراع أو التفاوض مع النظام وفرض عدد من الاصلاحات السياسية الهامة.

فهل ستشكل السنة الجديدة فرصة لبلوة خارطة سياسية أكثر فاعلية مما يعيد الاعتبار للأحزاب بعد أن تضاءل دورها وكادت الجمعيات أن تعوضها وتتولى إنجاز العديد من مهامها؟ الثابت هو أن الرغبة في المشاركة في النشاط العام قد عادت من جديد بعد سنوات من الجفاف، وأن هناك حيوية جديدة أخذت تكتسح أوساطا عديدة، خاصة الشبابية منها، تنتظر من يؤطرها ويحولها إلى قوة عاقلة ومنظمة وقادرة على صناعة التغيير الديمقراطي. فهل تكون السنة القادمة إذن، سنة البناء السياسي الناضج والواعد؟

صلاح الدين الجورشي - تونس

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة