Navigation

الألعاب المتوسطية: المشهد الرياضي والخلفية السياسية

لاتعتبر السلطات التونسية دورة ألعاب البحر الأبيض المتوسط حدثا رياضيا عاديا swissinfo.ch

نفى السيد محمد المزالي الوزير الأول السابق في عهد الرئيس الحبيب بورقيبة الأنباء التي راجت حول احتمال عودته إلى تونس يوم الأربعاء القادم. واعتبر في تصريح لإذاعة سويسرا العالمية أن ترويج مثل هذه الأخبار لها علاقة بقرب انطلاق فعاليات الدورة الثالثة عشر لألعاب البحر الأبيض المتوسط.

هذا المحتوى تم نشره يوم 20 أغسطس 2001 - 11:13 يوليو,

تدل تصريحات المزالي أن الاتصالات التي تمت معه ومع محاميه والتي كادت أن تثمر عن تسوية نهائية لملفه لم تنجح، وذلك رغم النقاش المستمر منذ قرابة الأربعة عشر عاما حول كيفية إلغاء الحكم القضائي الذي صدر ضده في سياق سياسي سابق لمرحلة الرئيس بن علي، وتمكينه من ممتلكاته الخاصة التي تم التصرف فيها دون موجب قانوني.

ولا شك في أن هذه الرغبة المترددة في تسوية ملف المزالي لها صلة بالألعاب المتوسطية التي تستضيفها تونس للمرة الثانية والتي سيقع افتتاحها في مطلع شهر سبتمبر القادم. هذه الدورة لن تكون عادية بالنسبة للتونسيين. فمنذ أشهر عديدة وكل الأجهزة الرسمية مشغولة بالعمل على توفير كل شروط النجاح سواء المادية أو التنظيمية أو الإعلامية.

دورة رياضية .. أم حدث استثنائي؟

فالرئيس بن علي شخصيا تابع ولا يزال كل مراحل الإعداد، وعقد لهذا الغرض أكثر من مجلس وزاري كان آخرها خلال الأسبوع الماضي. كما قام بزيارات ميدانية لمعاينة الخطوات التي أنجزت. وفي كل مرة يوصي باستنفاد كل الإمكانيات من أجل تحويل هذه الدورة إلى حدث استثنائي.

وتؤكد الصحف المحلية على أنه لأول مرة في تاريخ هذه الألعاب تقوم دولة متوسطية ببناء قرية رياضية مخصصة لاحتضان مختلف الرياضات، تحتل مساحة 17 هكتارا، وتتكون من 57 عمارة، وتحتوي على ألف شقة قادرة على استيعاب 4500 شخص، حيث توفرت لهم كل وسائل الراحة والاتصال.

وقد كلفت القرية وحدها ما قيمته 50 مليون دينار. صحيح أن هذه العمارات سيتم التفويت فيها للخواص بعد انتهاء الدورة مباشرة لكن ذلك لن يقلل من أهمية إنجازها. كما أن القادم إلى العاصمة التونسية من جهة مدينة الحمامات السياحية سيشده على يمينه المشهد الجميل لملعب كرة القدم الذي احترم كل المواصفات العالمية في هذا المجال، والذي يتسع ل 60 ألف متفرج. كذلك أعجب الزوار بالمسبح الجديد وتجهيزاته الحديثة. ويكاد يتفق الجميع على القول بأن ما تم إنجازه يشكل فعلا إضافة نوعية للبنية الرياضية التونسية التي حظيت باهتمام بالغ من قبل الدولة ومختلف مؤسساتها. فالقطاع الرياضي يعتبر قطاعا " استراتيجيا " هاما في عمليات التسويق السياسي والاجتماعي والثقافي.

ومناسبة سياسية...

من هذه الزاوية لن تكون الألعاب المتوسطية حدثا رياضيا فقط، وإنما عملت السلطة ولا تزال على تحويلها إلى مناسبة سياسية استثنائية لإبراز ما تحقق منذ نوفمبر 1987 إلى الآن على أكثر من صعيد. لهذا وجهت الدعوات لعدد من رؤساء الدول والحكومات، حيث ينتظر أن يشارك بعضهم في الافتتاح مثل العقيد القذافي والرئيس عبد العزيز بوتفليقة والملك إخوان كارلوس، وربما الرئيس الفرنسي جاك شيراك.

كما ستستضيف تونس شخصيات سياسية ورياضية ذات مكانة إقليمية وعالمية. أما على الصعيد الإعلامي فستستقبل البلاد أكثر من ألف صحافي لن يكون جميعهم مختصين في الشأن الرياضي. ولتشجيع عملية التسويق قرر الرئيس بن علي جعل نقل كل أصناف المباريات مجانا ودون دفع أي مقابل.

لا شك في أن جهودا ضخمة في هذا الحجم، تفرض اهتماما رسميا ببقية عناصر المشهد العام. فالدورة تتنزل في ظرف سياسي داخلي أخذ يتحرك منذ أكثر من سنة، ويتميز أساسا بحالة اشتباك بين السلطة من جهة وبين نشطاء حقوق الإنسان والمعارضين السياسيين من جهة أخرى.

صورة نموذجية دون تشويش؟

لهذا دفع المنطق السياسي المراقبين إلى أن يتوقعوا سلسلة من الإجراءات التي تعمل على تخفيف حالة الاحتقان، وتقلل من حجم الآثار السلبية التي قد " تشوش " على الصورة النموذجية التي تريد الأوساط الرسمية ترويجها على الصعيدين المحلي والخارجي.

من هنا تم الاستبشار بقرار إطلاق سراح السيدة سهام بن سدرين الصحفية والناطقة باسم المجلس الوطني للحريات. كما ظن الكثيرون بأنه قد تم التوصل إلى صيغة مرضية تمكن السيد محمد المزالي من العودة نظرا لمكانته لدى اللجنة الأولمبية. لكن تكذيب هذا الأخير لخبر عودته، وتعرض مكتب السيد هشام قريبع - أحد النشطاء الديمقراطيين وأحد القياديين السابقين للرابطة- للخلع والعبث بمحتوياته من قبل مجهولين، والتعنيف الشديد الذي تعرضت له العديد من شخصيات المجتمع المدني التي كانت تنوي المشاركة في حفل استقبال هادئ وعادي لتهنئة بن سدرين والتعبير عن التضامن معها، إضافة إلى الاعتداء الذي تعرضت إليه ، أثار حيرة الأوساط الديمقراطية، وأربك المراقبين الذين أصبحوا منذ فترة طويلة يجدون صعوبات منهجية في فهم الحالة التونسية والتنبأ بتطوراتها.

هذا التناقض والتردد في معالجة ملف الحريات وعدم تناوله وفق رؤية متناسقة وأكثر شمولية، سيجعل من دورة ألعاب المتوسط مناسبة لتفاعلات نزاع سياسي وإعلامي يصعب التكهن حاليا بانعكاساته. فمن جهة ستعمل أطراف الحركة الاحتجاجية على استثمار هذه المناسبة لتبليغ صوتها ولفت نظر الصحافيين وكاميرات التلفزيون العالمية، وذلك عن طريق تنظيم عدة تظاهرات داخلية وخارجية تتعلق بمطلب العفو التشريعي العام وأوضاع حقوق الإنسان وحرية الصحافة، أو بملفات لا تزال مفتوحة مثل وضعية السيد محمد مواعدة القابع في السجن منذ يوم 19 جوان الماضي.

ومن جهة أخرى ستعتبر السلطة هذه التحركات أعمالا "غير وطنية "، من شأنها الإضرار بمصالح البلاد. كما ستستميت في الدفاع عن سياستها، وستراهن على ارتفاع أصوات الجماهير في الملاعب وخلال التظاهرات الثقافية والفنية التي ستنظم بالمناسبة عساها تعلو فوق أصوات المعارضين والنشطاء، وتهمشهم إن لم تفرقهم الوسائل الأخرى.

ومهما تكن نتائج هذه المواجهة غير المكافئة، فالأكيد أن ما سيجري على هامش دورة الألعاب المتوسطية يعتبر حلقة جديدة في مسلسل الصراع الدائر بين رؤيتين. رؤية رسمية وردية اللون، لا ترى في تونس اليوم إلا الطرقات الممتازة والشوارع المؤثثة بالساحات الخضراء والتحولات الاقتصادية الجارية منذ سنوات، والاستقرار الأمني المفقود في بعض دول الجوار. ورؤية أخرى يعتقد أصحابها أن وراء الديكور أوضاع خطيرة لا تتلاءم مع بلد مليء بالطاقات ومتعطش لديمقراطية فعلية.

صلاح الدين الجورشي/ تونس

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.