تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

الإتحاد البرلماني الدولي بعد 125 عاما المطالبة بتمثيل أوسع للمجالس النيابية في معالجة قضايا العالم

أندريس جونسون، الأمين العام للاتحاد البرلماني الدولي منذ عام 1998

(Keystone)

أي دور للبرلمانات في تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان؟ وهل يطمح ممثلو الشعوب أو يتطلعون للقيام بدور أكبر في معالجة قضايا العالم والمشاركة في إيجاد حلول لها؟ وكيف تتعامل المجالس النيابية مع التطورات التي فرضتها ثورات الربيع العربي وما تلاها من تطورات وانتكاسات؟ هذه بعض من القضايا التي تناولتها swissinfo.ch إلى جانب الإنجازات والإخفاقات، مع الأمين العام المغادر للإتحاد البرلماني الدولي أندريس جونسون، الذي تولى المنصب من عام 1998 إلى منتصف العام الجاري.

بعد أن قضى أكثر من 19 عاما على رأس الاتحاد البرلماني الدولي الذي يتخذ من جنيف مقرا له، غادر أمينه العام اندريس جونسون (سويدي) هذا المنصب في 30 يونيو 2014 بعد أن عايش تطورات هذه المنظمة الجامعة لنشاطات البرلمانات في العالم، والتي تعتبر أقدم منظمة أممية حيث تم تأسيسها في عام 1889 تحت مسمى الجمعية البرلمانية.

فقد تزامن انتخابه في عام 1998 لشغل هذا المنصب مع ظهور تطورات كبرى في العلاقات الدولية بعد نهاية الحرب الباردة وبروز دور مهم لدول نامية عديدة، وهو ما دفع الإتحاد البرلماني الدولي، الذي ظل - رغم عراقته - منظمة مهمشة على المستوى العالمي، إلى محاولة التأقلم مع الوضع الجديد، والسعي إلى القيام بنشاط أكثر في قضايا لم يكن ممكنا الإهتمام بها أثناء الحرب الباردة، كـ "المسائل المتعلقة بمفهوم الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان، والتمثيل العادل لكل فئات المجتمع، ومنح دور أكبر لممثلي الشعوب في تسيير الأمور، سواء على المستوى الداخلي أو الدولي"، مثلما أشار إلى ذلك السيد اندريس جونسون. 

تعزيز للدور النسوي وللديمقراطية 

إذا كان الإتحاد البرلماني الدولي قد قصر اهتماماته في الماضي على النشاطات الدولية، فإن التطورات التي عرفتها الساحة العالمية منذ نهاية التسعينات ساعدته على توسيع مشمولاته لكي يهتم أكثر بدعم البرلمانات على المستوى الداخلي. وفي هذا الصدد، يقول أمينه العام المغادر: "لقد قمنا بتقديم الدعم لحوالي 70 برلمانا في العالم لكي تتحول هذه المجالس المنتخبة إلى برلمانات تُسيَّر بشكل ديمقراطي، بعض منها متواجد في بلدان العالم العربي".

في الأثناء، مهّدت هذه التطورات الطريق أكثر من أي وقت مضى أمام "أكبر تعددية حزبية وسياسية، وأمام تحسين اختيار التمثيل البرلماني"، لكن الأمين العام للإتحاد البرلماني الدولي يُقر بأن "ذلك لا يعني أننا وصلنا إلى ممارسة ديمقراطية فعلية، لأن مع الأسف هناك العديد من الأنظمة التي تصل إلى الحكم بالانتخابات وتعتقد بأن ذلك هو الهدف النهائي، وتتناسى بأن تواجدها على رأس السلطة هو لخدمة كل مكونات المجتمع"، على حد قوله.

في المقابل، لا يُخفي جونسون اعتزازه بـ "تعزيز دور المرأة في البرلمانات"، ويقول إن ذلك "كان من بين الوعود التي قطعتُها أثناء انتخابي لمنصب الأمين العام للاتحاد في عام 1998 في ناميبيا"، إذ لم يكن التمثيل النسوي في البرلمانات يتعدى آنذاك حوالي 10%. واليوم يبلغ التمثيل النسوي في المجالس النيابية في العالم حوالي 23%. وعلى الرغم من بقاء النسبة ضعيفة مقارنة مع نسبة النساء في المجتمع، إلا أنه يعتبر أنها "تمثل - رغم ضعفها - قفزة مهمة تم تحقيقها خلال جيل واحد. وهذا ما يُنبئ بتطورات كبرى في المستقبل تقودنا لامحالة نحو مساواة حقيقية في التمثيل بين الجنسين خلال العشرين عاما القادمة على أقصى حد".

لكن وبالرغم من تحقيق تحسن ولو متواضع في مجال تمثيل المرأة، فإن الأقليات لا زالت مهمشة في أغلب الأحيان، وهو ما ينطبق أيضا على الشعوب الأصلية في العديد من الدول التي تصل نسبتها فيها إلى 20 أو 30%، إلا أن الأمين العام استثني "بعض التقدم الطفيف الذي حدث في بعض دول أمريكا اللاتينية"، على حد قوله. 

تمثيل على المستوى الدولي تفرضه العولمة

الحقبة التي ترأس خلالها جونسون الإتحاد شهدت مرور العالم بتطورات كبرى، لعل أهمها اتساع نطاق العولمة التي لم تقتصر على المبادلات التجارية، بل شملت تأثيراتها كافة القطاعات الحيوية. وبدورها، لم تسلم المجالس النيابية الوطنية وهي مؤسسات تشريعية تُعنى بالشأن الداخلي للدول، وتُسيَّر وفقا للدساتير الوطنية، وتُعنى بصياغة القوانين ومراقبة أداء الحكومات، من تأثيرات العولمة ومن ضرورة التأقلم معها، إذ يُلفت أندريس جونسون إلى أن "القرارات الهامة أصبحت تُتخذ اليوم، ليس على المستوى الوطني، بل على مستوى منظمة التجارة العالمية، أو صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، أو على مستوى منظمة الأمم المتحدة، وهي محافل لا وجود فيها لممثلين عن البرلمانات، وبالتالي فإن ذلك يعكس نقصا لتمثيل ديمقراطي على المستوى العالمي. لذلك، بدأنا نفكر، بمساعدة البرلمانات الوطنية، في كيفية إدخال تعديلات على عمل هذه البرلمانات لكي تراعي البعد الدولي أيضا".

وفي سياق الجهود المبذولة لإعطاء دور دولي للاتحاد، أورد أندريس جونسون الخطوة المتمثلة في "تنظيم اجتماع سنوي لرؤساء البرلمانات"، وهو ما تم فعلا لأول مرة "قبل أسبوع من انعقاد قمة الألفية وبحضور رؤساء 150 برلمانا في العالم." وهو الإجتماع الذي أسفر عن "اتخاذ عدة قرارات من أجل إضفاء مزيد من الديمقراطية على النظام العالمي، ولدعم المنظمة الأممية، لأن التنفيذ لا يمكن أن يتم إلا بدعم البرلمانات تشريعيا وماليا"، على حد تأكيده.

وفي الوقت الذي تشهد فيه العلاقات الدولية عودة لحرب باردة من نوع جديد، فإن هذه النداءات الداعية إلى إضفاء مزيد من الديمقراطية على النظام الدولي قد لا تجد لها آذانا صاغية، مثلما ذكّــر بذلك المغربي عبد الواحد الراضي، رئيس مجلس النواب المغربي حينما قال: "إن التعاون مع منظمة الأمم المتحدة يجب أن يكون في الإتجاهين". 

الإتحاد البرلماني الدولي

تأسس في عام 1889 في باريس تحت اسم "الجمعية البرلمانية".

يضم حاليا 164 من الدول الأعضاء (برلمانات منتخبة أو مُعيّنة مثل بعض مجالس الشورى وغيرها)، و10 أعضاء منتسبين أغلبهم اتحادات برلمانية اقليمية من بينها الإتحاد البرلماني العربي.

تشمل الدول العربية الأعضاء في الإتحاد كلا من الجزائر والبحرين وجيبوتي والعراق والأردن والكويت ولبنان وليبيا وموريتانيا والمغرب-وعُمان وفلسطين وقطر والسعودية والصومال والسودان وسوريا وتونس والإمارات العربية المتحدة واليمن.

منذ شهر اكتوبر 2011، يترأس الإتحاد السيد عبد الواحد الراضي، الرئيس الأسبق لمجلس النواب المغربي. وقد سبقه في شغل المنصب ممثلون عرب من مصر والسودان وتونس.

نهاية الإطار التوضيحي

الربيع العربي اختبار جدي

إذا كانت المكاسب الديمقراطية، تتطلب تجندا دائما وحرصا ويقظة متواصلين، فإن تأثيرات ثورات الربيع العربي التي خرجت فيها عامة الجماهير في العديد من البلدان العربية للمطالبة بمزيد من الحرية والديمقراطية والكرامة، شكلت اختبارا جديا لمدى التزام المؤسسات الدولية المعنية بالمكاسب الديمقراطية وبكل ما يتعلق باحترام الشرعية ومراعاة المعايير الديمقراطية.

في هذا السياق، يُمكن القول أن ما شهدته بعض البلدان العربية في أعقاب الثورات الشعبية شكل اختبارا لمدى جدية المؤسسات المطالبة بالديمقراطية في احترام ما تدعو إليه، وهو الموقف الذي تجلى بوضوح في مواقف المؤسسات الدولية من الإطاحة بنظام الرئيس محمد مرسي. فقد قام الإتحاد البرلماني الدولي بتعليق عضوية البرلمان المصري في انتظار تنظيم انتخابات تشريعية في البلاد. في هذا الصدد، يُنوه أندريس جونسون، الأمين العام للإتحاد البرلماني الدولي إلى أن هذا الحرص على احترام المعايير الديمقراطية يمثل "هاجسا دائما"، نظرا "لأن بلوغ الديمقراطية ليس بالأمر المحصن ضد التراجع والتقهقر، وهذا ليس فقط بالنسبة للدول النامية، بل أيضا بالنسبة لدول متقدمة، ويكفي أن ننظر لما حصل في الإنتخابات الأمريكية الأخيرة، حيث لعب المال دورا مهما في الحملة الإنتخابية"، على حد قوله.

الأمين العام للاتحاد البرلماني الدولي اعتبر أن "الدول العربية حققت بعض التقدم في مسارها الديمقراطي، ولكن هناك بعض الإنتكاسات، مثل الإنقلابات العسكرية في بلدان حديثة العهد بالنهج الديمقراطي، ولم تعرف سوى بضع دورات انتخابية في حياتها. ولا يجب مقارنة ذلك بما هو سائد في الديمقراطيات القديمة، لأن الأمر يتعلق بذهنيات وعقليات يجب العمل على تغييرها مع مر الزمن".

وبما أن كلمة برلمان في صيغتها الفرنسية تعني الحوار والتفاوض، يُلفت السيد أندريس جونسون إلى أن "الإتحاد البرلماني الدولي شهد سلسلة من النقاشات بخصوص الوضع في مصر". وأضاف "لقد قلت منذ بداية ثورات الربيع العربي بأن الديمقراطية ليست نموذجا واحدا يجب تطبيقه في كل البلدان، بل على الشعوب أن تحدد وتقرر النمط الذي ترغب في تطبيقه". وأضاف "كنا نعتقد، عند بداية الثورة في تونس ومصر، بأننا على دراية وعلم بما يجري. ولكن اكتشفنا فيما بعد بأن الأمور أعقد مما هو ظاهري. فالأمور أكثر تعقيدا وهناك من العناصر المؤثرة ما هو ظاهر ومنها ما هو خفي. ولذلك فإن الكلمة الأخيرة هي للشعب التونسي أو المصري".

وبخصوص الوضع في مصر، أشار جونسون إلى أن "الإتحاد البرلماني الدولي عرف في شهر أكتوبر 2013 نقاشا مكثفا بعد الإنقلاب، إذ رغبت العديد من الدول الأعضاء في إدانة ما حدث على (اعتبار) أنه انقلاب، وانه تحول نحو حكم العسكر، بينما قال البعض الآخر بأن على المجموعة الدولية أن تتفهم ما يحدث وتقبل الشروح والتعليلات. ولكن ما اتخذه الإتحاد، أجد أنه مهم جدا، بحيث قرر تقديم الدعم للشعب المصري وتفهم ما يرغب في تحقيقه"، وهذا الدعم يتمثل - دائما حسب السيد جونسون - في "مساعدة الشعب على تحقيق انتخابات حرة وممثلة لكل الفئات، وهذا ما قمنا به في تعاون مع السلطات الإنتقالية وبطلب منها، فيما يتعلق بتحضير القانون الإنتخابي. وبفضل دعم الإتحاد لمصر، تم التمكن من إعداد قوانين انتخابية أكثر انفتاحا على حقوق المرأة، وهذا ما طلبنا بالقيام به أيضا في عهد الرئيس السابق (محمد مرسي) ولكن لم يرغب أحد في الإستماع لنا...". 

بداية حوار إسرائيلي فلسطيني ولكن...

على صعيد آخر، كان الإتحاد البرلماني الدولي من بين المحافل الدولية التي شرعت في رعاية حوارات بين ممثلين برلمانيين إسرائيليين وفلسطينيين. ولكن بعد جولات متعددة، وتبعا لتركيبة التيارات السياسية المؤثرة في داخل الكنيست الإسرائيلي، تراجع الإقبال على هذا الحوار لكي يتحول الى اجتماع سنوي تقليدي يُعقد من حين لآخر إذا ما سمحت الظروف بذلك.

وعلى غرار كثيرين، يعتقد الأمين العام المغادر للإتحاد البرلماني الدولي أن هذا الحوار ليس هو الذي من شأنه حل قضية معقدة مثل مشكلة الشرق الأوسط، لكنه يعتبر أن الإنجاز الأكبر التي تحقق من خلاله يتمثل في "فتح قناه حوار لم تكن موجودة بين برلمانيين من الطرفين قبل وصولي إلى هذا المنصب... وإذا لم نفلح في ذلك في الوقت الحالي بسبب الظروف التي تمر بها المنطقة، فإن المشروع ما زال قائما، ومن يأتي من بعدي على رأس الإتحاد سيواصل المسيرة... لأنه يمكن للإتحاد البرلماني الدولي أن يلعب دورا فعالا في قضايا من هذا القبيل".

من جهة أخرى، اهتم الاتحاد البرلماني الدولي بقضايا أخرى تمس منطقة الشرق الأوسط من بينها ملف الدفاع عن البرلمانيين المعتقلين، وفي هذا السياق تعتبر "لجنة الدفاع عن حقوق البرلمانيين" من أهم المحافل التي تُذكر بواقع النواب المنتخبين المعتقلين في شتى أنحاء العالم ومن بينهم عدد من البرلمانيين الفلسطينيين الذين يقبعون في السجون الإسرائيلية منذ سنوات. وفي هذا الصدد، ذكّر الأمين العام للإتحاد بوضعية السيد مروان البرغوثي، المحتجز منذ عدة سنوات، مشيرا إلى أن الإتحاد يعتبر أن "توقيفه ومحاكمته لم تتم وفقا لقواعد القانون.."، كما أنه "ليس هو الحالة الوحيدة...". وأضاف السيد جونسون أنه "ورغم الوعود الإسرائيلية بعدم اللجوء الى هذا الحجز الاداري في حق البرلمانيين، نعرف من جديد توقيف رئيس البرلمان السيد الدويك وعددا آخر من البرلمانيين الفلسطينيين".

إسماع صوت البرلمانات عالميا

بموازاة الجهود التي يبذلها الإتحاد الدولي لمساعدة المجالس النيابية الوطنية على بناء مجتمعات ديمقراطية تسير وفقا لمبادئ لقانون، هل هناك مساع تسير في اتجاه بلوغ نفس الأهداف على المستوى الدولي، وخاصة في المنتظم الأممي؟

هذا التساؤل يفرض نفسه نظرا لأن الإتحاد البرلماني الدولي لا زال – رغم عراقته واعتباره تجمعا لممثلي شعوب العالم - مُهمّشا ضمن المؤسسات الأممية التي تضم في صفوفها ممثلي الحكومات بالدرجة الأولى، لكن السيد أندريس جونسون، الأمين العام المغادر للاتحاد يرى أن "على البرلمانات الأعضاء في الإتحاد أن توحد نظرتها لما تريده من دور مستقبلي للإتحاد على المستوى الدولي".

وقد استشهد جونسون على ذلك بالنقاش "الذي دار بخصوص تحديد أهداف الألفية والذي تم إجراؤه بين الحكومات فقط.. أما اليوم وبعد الإعتراف بالدور المُخوّل للبرلمانات في عملية التطبيق والتنفيذ، أصبحنا جزءا من النقاش الدائر منذ حوالي 18 شهر لتحديد أهداف التنمية لما بعد عام 2015. وبالتالي، لنا دور ومشاركة على المستوى الدولي كما لنا دور ومشاركة على المستوى الداخلي من خلال مساءلة الوزراء والمسؤولين".

أما بالنسبة لدمقرطة النظام الدولي، فهناك مسألة مطروحة للنقاش حاليا داخل الإتحاد البرلماني الدولي حول "العلاقة بين السيادة الوطنية والحق في التدخل واحترام حقوق الإنسان"، إلا أن الأمين العام المغادر للإتحاد لا يتوقع تسوية قريبة لمعضلة إصلاح منظومة الأمم المتحدة، خصوصا وأننا "على وشك العودة من جديد إلى أجواء الحرب الباردة"، حسب رأي البعض.

×