Navigation

الإستخبارات: جهاز معقد في عمله لكنه يخضع للرقابة

تحتاج الأنظمة الديمقراطية إلى حماية من المخاطر التي تهددها، لذلك توكل هذا الدور إلى أجهزة المخابرات التي تعمل تحت سلطة القانون (في الصورة مقر وزارة الدفاع السويسرية) Keystone

لا زالت قضية تسريب وثيقة سرية من المخابرات إلى الإعلام تتفاعل في سويسرا. فبعد أن قرر المدعي العام الفدرالي فتح تحقيق في الموضوع، نددت الحكومة الفدرالية يوم 11 يناير بشدة بنشر الوثيقة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 12 يناير 2006 - 10:18 يوليو,

الحكومة أكدت أن جهاز الإستخبارات الإستراتيجية قد أدى مهمته على أحسن وجه لكن السجال لم يتوقف.

المتحدث باسم الحكومة الفدرالية قال إنها تعتبر أن تسريب الوثيقة "يلحق الضرر بسمعة سويسرا، كما أنه يعتبر جريمة"، وشدد على أن الوثيقة كانت تحتوي على معلومات سبق أن اطلع عليها الجمهور ولكن لم يتم التأكد منها إلى حد الآن.

وكان المدعي العام الفدرالي قد أعلن مساء الثلاثاء 10 يناير الجاري فتح التحقيق ضد مجهول بتهمة عدم الحفاظ على السرية المهنية، لمعرفة من كان وراء تسريب وثيقة سرية تابعة للمخابرات إلى صحيفة "سونتاغس بليك" الأسبوعية، الذي سيمثـُل رئيس تحريرها أيضا أمام المدعي العام بتهمة نشر وثيقة رسمية سرية، وذلك بعد سماع أقواله هو واثنين من الصحفيين من طرف القضاء العسكري.

في الوقت نفسه، طالبت لجنة العلاقات الخارجية التابعة لمجلس الشيوخ، الحكومة الفدرالية بالعمل على معالجة الآثار السلبية التي ستمنى بها صورة سويسرا أمام المجتمع الدولي، بسبب نشر تلك الوثيقة، التي يمكن أن تؤثر على مصداقية الكنفدرالية أمام الرأي العام الدولي، بحكم اهتمامها الدءوب بملف حقوق الإنسان والقانون الدولي.

بيد أن المشكلة ليست فقط في اختراق جهاز المخابرات، ولكنها تتشعب في أكثر من اتجاه وتمس في المقام الأول حيثيات العلاقة القائمة بين المخابرات والسلطات السياسية، ومن يعرف ماذا، وكيف ومتى يتم تبادل المعلومات.

لمحة عامة

لقد أدرك السويسريون قبل قرن ونصف (أي منذ 1848 تاريخ ميلاد الكنفدرالية في شكلها الحديث) أن تمسكهم بالديمقراطية المباشرة والحياد وسط قارة تغلي آنذاك بالصراعات والتقلبات الإستراتيجية، ليس أمرا سهلا، إذ أن الالتزام بهذين المبدأين لن يرحمهما من أن يكون لهم أعداء، ولذا كان من المنطقي أن تنشئ الحكومة الفدرالية شبكة جيدة من للحصول على المعلومات تؤمن لها مصالحها وتحمي أمنها على الصعيدين الداخلي والخارجي.

يتكون جهاز المخابرات السويسري من عنصرين أساسيين، يشكلان محركات البحث عن المعلومات التي تساهم في الحفاظ على الاستقرار الداخلي، واستكشاف صورة ما يحدث حولها بوضوح، ويتوزعان بين وزارة العدل والشرطة، وزارة الدفاع.

وتبدأ العلاقة بين الحكومة والمخابرات، بأن تحدد الكنفدرالية احتياجاتها من المعلومات والمعطيات اللازمة للتعامل مع اهتماماتها المختلفة، فيقوم "مكتب الاتصال وتوزيع المهام" الذي يضم وزارات العدل والشرطة والخارجية والدفاع، باختيار الجهة المناسبة التي يمكنها العمل في هذا المجال، ثم يتم تجميع المعطيات ودراستها وتحليلها، لتعود إلى الحكومة وصانعي القرار في صورة بيانات ودراسات وتوصيات، تساعد على اتخاذ القرار السياسي أو الأمني أو الدبلوماسي الصائب.

الأمن الوقائي والتحليل

جهاز المخابرات الداخلية، التابع لوزارة العدل والشرطة، يعمل تحت اسم "خدمة التحليل والأمن الوقائي" ومهمته التعرف على المخاطر التي يمكن أن تهدد الأمن الداخلي مثل الإرهاب أو العنف أو التطرف الفكري أو التجسس لحساب دول أجنبية، أو العمل على سرقة معلومات أو بيانات أو مواد يمكن استخدامها في صناعة أسلحة الدمار الشامل.

ويعمل هذا الجهاز من خلال مكتب اتصال ينسق بين جهات مختلفة، تبدأ من غرفة عمليات تحدد نطاق المواضيع التي تثير مخاوف خبراء الأمن، ليتم جمع معلومات عنها بوسائل مختلفة، ثم ينقل البيانات إلى مركز إدارة المعلومات، الذي يقوم بدراستها وتصنيفها قبل أن تنتقل إلى مكتب التحليل.

وهناك يوضع التقييم النهائي لجدية المعلومات ومدى أهميتها، وترابطها مع الأحداث والشخصيات، قبل أن توضع الحصيلة النهائية بين يدي مركز دراسة أوضاع الكنفدرالية والقيادة العامة للمخابرات الداخلية لتقييم الموقف واتخاذ الإجراءات المناسبة في الحالات الحرجة أو الأزمات.

ويتمتع هذا الجهاز بصلاحيات كبيرة في كيفية الحصول على البيانات بجميع الطرق التي يراها مناسبة للوصول إلى هدفه، مرتكزا على قاعدة أساسية هي "مواجهة كل خطر يهدد أمن وسلامة الكنفدرالية على كافة الصعد، الاجتماعية والسياسية والاقتصادية"، ولذا يمكنه التدخل في حالات الجريمة الاقتصادية، تماما مثل في حالات الجاسوسية لحساب دولة أجنبية، أو التعامل مع الخطر الاجتماعي مثل تفشي أفكار العنف والتطرف بنفس درجة الأهمية، ويزود بتقاريره أجهزة الملاحقات القضائية ودوائر صناعة القرار السياسي، ويعتبر من أكثر الأجهزة تغلغلا في طبقات كثيرة داخل المجتمع السويسري، وفي جميع مناطقه تقريبا.

ومنذ بضعة أعوام، يفرض القانون على هذا الجهاز أن يصدر تقريرا سنويا حول الحالة الأمنية في الكنفدرالية استنادا إلى حصيلة التقارير الأسبوعية والشهرية التي تتداولها أقسامه المختلفة.

المخابرات الإستراتيجية

في المقابل، تدير وزارة الدفاع ثلاث وحدات للمخابرات؛ أهمها "جهاز المخابرات الإستراتيجي"، التابع مباشرة للقيادة العليا للجيش ووزير الدفاع، ومهمته جمع المعلومات التي تحتاجها الحكومة على الصعيدين السياسي والعسكري من الخارج لضمان سلامة الكنفدرالية، وله صلاحيات للتعامل مع مخابرات أجنبية، وتقييم حجم هذا التعاون ومداه.

أما الثاني فهو "جهاز المخابرات العسكرية" الذي يتعاون مع "المخابرات الإستراتيجية" وقادة الوحدات العسكرية المختلفة في عمليات ذات بعد استراتيجي سواء على الصعيد الفدرالي أو مستوى الكانتونات ولكن دائما على مستوى القيادات العسكرية.

أما أصغر تلك الوحدات فهي "مخابرات سلاح الطيران"، التي يتركز اهتمامها على مراقبة المجال الجوي السويسري، ويدعم الوحدتين السابقتين في عملهما، وهو الوحيد (من بين الأجهزة الثلاثة التابعة لوزارة الدفاع) الذي يحق له استخدام الذخيرة الحية أو أي عتاد عسكري جوي آخر.

لكن جهاز المخابرات الإستراتيجية يستحق وقفة، فهو من أكثر الأجهزة الأوروبية دقة في التعامل مع البيانات والمعطيات وحرصا على الحصول عليها من أرجاء الأرض، فمديره يمسك بجميع الخيوط بين يديه، فهو الذي يحصل أولا على المعلومات العامة من الأجهزة المختصة، ثم يحيلها إلى الوحدة العلمية لتقييمها قبل دراستها مع وحدة إدارة المخاطر، وبالتالي فله أيضا سلطة توزيع الاختصاصات وأماكن الانتشار والعمل.

وإذا كان جدول أولويات هذا الجهاز يتم وضعه بالتعاون مع القيادة السياسية، فإن عمله يشمل بعض الثوابت التي لا تتغير، مثل البحث عن تجارة السلاح غير المشروعة، لاسيما في مجال أسلحة الدمار الشامل، أو نقل التقنيات المتطورة بشكل خفي يمكن أن يحولها لخدمة جهات تدعم الإرهاب أو العنف، أو المعلومات الاقتصادية التي قد تهدد أمن الكنفدرالية، ويوزع اهتماماته بين مناطق عديدة تشمل البلقان وشرق أوروبا والشرق الأوسط وشمال افريقيا، وتصل حتى شبه القارة الهندية.

المحاسبة ممكنة ... ولكن

هذا التركيب المعقد والصلاحيات المختلفة التي خولها القانون لجهاز المخابرات، تدفع إلى التساؤل عن ميزانيته السنوية، وعن الجهة التي يحق لها أن تراقب نشاطه وعمله.

ونظرا لأن سويسرا دولة قانون، فقد حرصت على أن يستند عمل جهازي المخابرات الرئيسيين إلى خلفية قانونية، تحددها المادة 99 من القانون الفدرالي المختصة بالمخابرات الإستراتيجية، والمادة 173 من الدستور السويسري بجهاز الأمن الوقائي، وبالتالي فهناك مسؤوليات والتزامات دقيقة تقع على عاتق المسئولين في تلك الأجهزة المتشعبة والمعقدة التركيب.

لكن الحديث بشفافية عن عمل تلك الأجهزة الحساسة، أمر غير مرغوب فيه ليس في سويسرا فحسب، بل في العالم بأسره. فطبيعة عمل المخابرات يعتمد على السرية التامة والعمل الكتوم، وبالتالي لا يمكن البوح علانية بكل ما تقوم به، ولكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى ميزانية لا بأس بها لإنجاز المهام الموكلة إليها أو للحصول على أحدث الوسائل والتقنيات، مما قد يعطي الانطباع لدى البعض بأنها تعمل بلا حسيب أو رقيب، إلا أن هذا يظل - رغم ما يمكن أن يحدث من تجاوزات - أمرا غير وارد في دولة ديمقراطية يخضع الجميع فيها لسلطة القانون.

فأول قنوات المحاسبة تأتي من داخل كل وحدة، حيث يتحمل رئيسها المسؤولية الكاملة عما يقوم به أفراده من أنشطة، وإذا كانت تقع داخل نطاق الاهتمام أو المشروع أم لا.

وتنتقل تلك المسؤولية تباعا طبقا للتسلسل الوظيفي أو الرتب العسكرية، لتكون القيادات العليا على دراية بما يحدث، إذ هي المكلفة بالإجابة على أسئلة واستفسارات اللجان البرلمانية المتخصصة في متابعة أعمال أجهزة الدولة وتقييم أدائها والتعرف على نجاحاتها وإخفاقاتها.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن اللجنة البرلمانية المعروفة باسم "مفوضية لجان التصرف" التي تتشكل مناصفة من 6 نواب في مجلسي النواب والشيوخ هي التي أوكل إليها القانون "مراقبة تفاصيل الأنشطة في مجالي أمن الدولة والإستخبارات" ومنحها الفصل 53 من قانون البرلمان صلاحيات واسعة للحصول على المعلومات التي تحتاج إليها ومن أي مسؤول أو هيئة أو شخص في سويسرا.

أما الجهة التي يحق لها التعرف عن كثب على تحركات أجهزة المخابرات فهي مفوضية المتابعة المالية التابعة للبرلمان التي تتشكل أيضا مناصفة من 6 نواب في مجلسي النواب والشيوخ، إذ عليها التأكد من أوجه الإنفاق وعلاقتها بالمشروعات قبل اعتماد الميزانية السنوية لأجهزة الإستخبارات، التي لا يعرف أحد تماما كم هي، وليس من المستبعد أن تكون الرقابة المالية أيضا ليست على دراية بصحة المشروعات المقدمة إليها لإتمام ميزانياتها.

وإذا كانت الصلاحيات الممنوحة إلى أجهزة المخابرات السويسرية واسعة (بل تكاد تكون غير محددة في تقدير البعض)، فإن عقابها إن أخفقت يكون عسيرا وقاسيا للغاية.

تامر أبوالعينين - سويس انفو

معطيات أساسية

تتوفر سويسرا على جهازين آساسيين للمخابرات؛ أحدهما تابع لوزارة الدفاع و يخضع الثاني لإشاراف وزارة العدل والشرطة.
جهاز المخابرات الداخلية التابع لوزارة العدل والشرطة يعمل تحت اسم "خدمة التحليل والأمن الوقائي".
تدير وزارة الدفاع 3 وحدات للمخابرات هي :
جهاز المخابرات الإستراتيجي
جهاز المخابرات العسكرية
مخابرات سلاح الطيران

حدد الدستور السويسري في عام 1848 آليات عمل جهاز المخابرات وحرص على تطوير تعريف مهام المخابرات بشكل متواصل مع كل تعديل دستوري.

End of insertion

باختصار

ترتبط أجهزة المخابرات السويسرية بعملها مع الحكومة الفدرالية من خلال مكتب التنسيق والإتصال، الذي يضم وزارات العدل والشرطة والخارجية والدفاع.
تخضع المخابرات لنوعين من الرقابة؛ داخلية على مستوى الرؤساء وخارجية على من خلال لجان متابعة الأداء البرلمانية، ولجنة المتابعة المالية لتقييم الميزانية.
ميزانية المخابرات غير واضحة، إلا أن بعض المصادر تتحدث عن 100 مليون فرنك لفترة تتراوح ما بين 5 و 8 أعوام.

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.