تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

الإستفتاء على الدستور في مصر المرحلة الإنتقالية إلى الديمقراطية في مفترق طرق خطر



مواطن مصري مقيم باليمن يُدلي بصوته في الإستفتاء على الدستور في مكتب اقتراع داخل مقر السفارة المصرية في صنعاء يوم 12 ديسمبر 2012

مواطن مصري مقيم باليمن يُدلي بصوته في الإستفتاء على الدستور في مكتب اقتراع داخل مقر السفارة المصرية في صنعاء يوم 12 ديسمبر 2012

(Keystone)

في ظل توجس البعض وترقب البعض الآخر، يُواصل المصريون في الخارج الإدلاء بأصواتهم في الإستفتاء على الدستور الجديد، ويستعد الناخبون في القاهرة الإسكندرية وسيناء ومحافظات أخرى للتوجّه إلى مكاتب الإقتراع يوم السبت 15 ديسمبر.

في الأثناء، دفعت التجاذبات والمواجهات الأخيرة بين مؤيدي الرئيس مرسي ومعارضيه إلى طرح تساؤلات جدية حول احتمال وصول المرحلة الإنتقالية الصعبة إلى الديمقراطية في مصر إلى مفترق طرق خطر؟

سنأتي إلى هذا السؤال بعد قليل. لكن قبل ذلك، وقفة أمام الحادثة المثيرة التالية.. قبل أسابيع قليلة من اندلاع ثورة يناير 2011 المصرية، أصدر ناثان ج. براون، وهو من أبرز الباحثين الأميركييين في شؤون الحركات الإسلامية، كتاباً حمل العنوان "المشاركة لا المغالبة: الحركات الإسلامية والسياسية في العالم العربي".

في هذا الكتاب، ركّز براون، الذي يحظى بثقة وتعاطف الحركات الإسلامية مع أبحاثه، على النقاط التالية:

- الحركات الإسلامية، وفي مقدمها جماعة الإخوان المسلمين في مصر، تغيَّرت كثيراً بعد ان انغمست في حمأة السياسات المقيّدة التي فرضتها الأنظمة شبه السلطوية. لكنها لم تتحوّل بعد إلى قوة ثورية ديمقراطية، بل هي مجرد قوة تسعى للإفادة من فرص الإنفتاح السياسي، من دون أن تتخلى عن مشروعها الإيديولوجي (الدعوي).

- وهذا ما دفعها إلى تبنّي شعار "المشاركة لا المغالبة"، كوسيلة لعدم إستثارة قلق أو خوف الأنظمة شبه السلطوية منها، وأيضاً للتدرب "الرسمي" على العمل السياسي العلني.

- وأخيرا، إن قدرة جماعة الإخوان على "التأقلم" مع الفرصة الضخمة التي أطلقها السقوط المفاجيء والسريع لنظام الرئيس مبارك، لن يكون أمراً سهلاً ولا يسيراً لأن عملية بناء الديمقراطية لا تشبه في شيء عملية إسقاط الأنظمة السلطوية وشبه السلطوية.

بعد صدور الكتاب، سقط حكم مبارك (ولكن ليس نظامه)، وتوجّه براون إلى القاهرة حيث التقى بعض قادة الإخوان. وما أن دلف إلى غرفة الاجتماعات حتى بادره أحد هؤلاء قائلا: "وماذا الآن با ناثان؟ هل ستغيّر عنوان الكتاب؟".

ما بعد الوعود

كان هذا سؤالاً مثيرا، لأنه  تضمن التمليح إلى أن الأخوان ربما يقررون الانتقال من "المشاركة لا المغالبة"، إلى "المغالبة لا المشاركة"، أي إلى ممارسة الحكم عبر الأغلبية النيابية لا من خلال الوفاق الوطني.

في الأشهر القليلة التي تلت سقوط مبارك، كان الإخوان يكررون بلا ملل أنهم لن يغيّروا شعارهم، ولن يسعوا إلى الحصول على أغلبية المقاعد في البرلمان، والأهم أنهم لن يرشحوا أحداً لرئاسة الجمهورية. لكنهم تراجعوا لاحقاً عن هذه الوعود، وانغمسوا بكليتهم في مسار معاكس تماما، على رغم أنهم أرضوا بعض اليساريين والليبراليين بتحالفات انتخابية هامشية.

التبريرات التي قدّمها الإخوان بدت وقتها مُقنعة. فهم قالوا إنهم اضطروا إلى الإنغماس في حمأة المغالبة (أي الأغلبية النيابية)، لأن نظام مبارك، الذي بقيت مؤسساته متماسكة بعد رحيل مبارك، كان ينشط بقوة لإجهاض كل مكاسب الثورة. وقد تجلى ذلك بوضوح في استخدام النظام لـ "سلاح" القضاء لإجهاض كل العملية الديمقراطية، بدءاً من حل مجلس الشعب المنتخب، وصولاً لاحقاً إلى احتمال حل الجمعية التأسيسية.

بيد أن الرئيس مرسي والإخوان ذهبوا بعيداً في استخدام هذه التبريرات المُحقة، حين اعتبروا أنهم الوحيدون المسؤولون عن حماية الثورة. وهنا، كانت "القشة التي قصمت ظهر البعير" الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس مرسي وأعطى لنفسه فيه صلاحيات مطلقة، قبل أن يتراجع عنه قبل أيام. إذ أن هذا الإعلان فجّر كل شكوك الحركات غير الدينية من أن مشاركة الإخوان في العمل الديمقراطي ليس استراتيجية بل تكتيكا، وأنهم لم ينزعوا عنهم رداء الإديولوجيا ليرتدوا بدلاً منه رداء العمل السياسي الديمقراطي.

أكثر من ذلك: شعر اليساريون والليبراليون والمسيحيون أن الإخوان أبرموا "صفقة فاوستية مع الشيطان" على حسابهم، حين منحوا القوات المسلحة في بنود مسودة الدستور الجديد حق الإحتفاظ بموازنتها سرية ومحضوا مصالحها الإقتصادية الحصانة؛ وحين أبقوا أجهزة المخابرات كما هي من دون إصلاح. كما أنهم باعوا الولايات المتحدة ما تريد أن تشتري: مواصلة مصر لدور "الوساطة" مع إسرائيل الذي كان يمارسه نظام مبارك، كما دلَّت على ذلك حرب غزة-2. وكل ذلك في مقابل "إطلاق يدهم" في الوضع الداخلي.

لكن يبدو أن الإخوان أخطأوا في الحساب هذه المرة. فهم رموا بخطواتهم الدستورية الأخيرة اليساريين والليبراليين والمسيحيين في أحضان "الدولة العميقة" المباركية (أي الأجهزة المخابراتية - العسكرية - القضائية)، وخلقوا حلفاً موضوعياً بين الطرفين تجسّد مداً بشرياً ضخماً في ميدان التحرير والعديد من ميادين المدن المصرية الأخرى. هذا إضافة إلى أنهم استعْدوا معظم أجهزة القضاء القوية ضدهم، بعد أن حاول الرئيس مرسي أن يضع نفسه فوق القانون.

رهان آخر مخطيء؟

الأخوان يراهنون الآن على أن تسريع العملية الدستورية، عبر إقرار مسودة الدستور (كما فعلوا بسرعة مشهودة في الجمعية التأسيسية صباح الجمعة 30 نوفمبر 2012) وطرحه على الإستفتاء الشعبي، سينفّس الإحتقانات الراهنة ويمكنّهم من مواصلة عملية الإنتقال إلى الديمقراطية بشروطهم هم.

لكن هذا - على الأرجح - رهان غير صائب. فالعملية الدستورية لاتشبه بشيء الإنتخابات النيابية. إذ أن الأولى تعتمد على الإجماع الوطني، فيما ترتكز الثانية على أغلبية الخمسين زائد واحد. لا بل يعتقد كبار المنظّرين الدستوريين، على غرار ستيفن هالمز، أن الديمقراطية نفسها "هي حكومة من خلال النقاش العام وليس ببساطة إنفاذاً لإرادة الأغلبية".

إلى أين؟

نعود الآن إلى سؤالنا الأولي: هل وصلت عملية الانتقال إلى الديمقراطية إلى مفترق طرق خطر؟

ليس بعد. لكن، إذا اصطبغت المجابهات الشعبية في الشوارع والميادين بعد الإستفتاء (كما حدث قبله) باللون الأحمر القاني، فستُوضع هذه المرحلة بالفعل على المحك، وستُشبه مصر حينذاك ربما تركيا - نجم الدين أربكان العام 1997 الذي اعتقد أن فوزه في الإنتخابات النيابية يمنحه تفويضاً بتطبيق شعاراته الإيديولوجية، فدحرج العسكر رأسه من السلطة.

فضلاً عن ذلك: إذا ما واصل الأخوان تجاهل تأثير وتمثيلية اليساريين والليراليين في المجتمع المصري وواصلوا نهجهم الصدامي، فهذا سيُطلق ما أسماه المفكر الفرنسي أوليفييه روا "الجهل المقدس" والذي سيتجسّد في بروز المنحى الأصولي الديني المعادي للثقافة (De- culturization) وللتعددية وللديمقراطية، من عقاله، بكل ما يعنيه ذلك من عنف وسفك دماء. وهذا سيحدث حتى داخل صفوف جماعة الإخوان، حيث التيار السلفي "اللاثقافي" واللاديمقراطي موجود بقوة.

وإذا ما حدث ذلك، فإن أجهزة "الدولة العميقة" المصرية، ستكون أكثر من سعيدة للتدخل ولإعادة رسم مسار المرحلة الانتقالية، وفق شروطها هي هذه المرة.

ما بعد الاستفتاء

لقد وافق إئتلاف المعارضة اليسارية - الليبرالية على المشاركة في الإستفتاء يوم السبت 15 ديسمبر 2012، ربما لاعتقاده أنه سيكون في وسعه حشد عدد كبير من الأصوات التي تقول لا للدستور في وضعه الراهن. والرهان هنا هو على أن نسبة الـ49 في المائة التي صوّتت لصالح مرشح القوات المسلحة أحمد شفيق في انتخابات الرئاسة، قد تنضم الآن إلى الصفوف المعارضة لمشروع الدستور.

في الأثناء، يأمل العديد من المراقبين المحايدين والقلقين على مصير الإنتقال الديمقراطي، في أن يسقط مشروع الدستور في الإستفتاء، للأسباب التالية:

أولاً، أن هذا سيطلق عملية تفاوض جديدة بين كل أطياف المجتمع المصري للتوافق على دستور جديد يكون شاملاً للجميع (Inclusive).

ثانياً، أنه سيعزز دعوة مرشح الرئاسة الإخواني سابقاً عبد المنعم أبو الفتوح لجماعة الإخوان إلى "اعتبار الديمقراطية هدفاً وليس وسيلة لفرض برنامجهم الإديولوجي" (على حد تعبيره). وهذا يمكن أن يتم من خلال إقرار دستور وطني يبني الدولة المدنية الوطنية، بدلاً من دستور ذي لون (ديني) واحد.

ثالثا، أن إعادة النظر في الدستور على أساس الإجماع، سيُنقذ الإخوان المسلمين أنفسهم (ومعهم تجربة الإنتقال إلى الديمقراطية في مصر) من كارثة محققة ستحيق بهم حين ينتقلون إلى الشق الإقتصادي من برنامجهم. إذ في غياب إجماع وطني على طبيعة النظام السياسي - الإقتصادي الجديد الذي يجب أن ينبثق من رحم مصر الجديدة، ستشهد البلاد صراعات أقسى بكثير من الصراعات الراهنة على دور الدين في الدولة، لايستبعد البعض أن تتضمن حتى ثورة أخرى، طبقية هذه المرة.

لكل هذه الأسباب، قد يكون من صالح الإخوان سقوط مشروع الدستور الراهن. أما في حال فوزه، كما يرجٍّح الآن، حتى ولو بنسبة تتراوح بين 50 إلى 70 في المائة، فهذا سيشطر البلاد إلى معسكرين إديولوجيين متحاربين، وستكون الشرارة التي ستشعل "الحرب" بينهما هو الوضع الإقتصادي المتفجّر.

هل أدركنا الآن لماذا وصلت المرحلة الإنتقالية إلى الديمقراطية في مصر إلى مفترق طرق خطر؟

المواد الخلافية في مشروع الدستور المصري الجديد

يُدلي المصريون بأصواتهم يومي 15 و22 ديسمبر 2012 في استفتاء على مشروع دستور جديد أثار احتجاجات عنيفة أسفرت عن سقوط عشرة قتلى ومئات المصابين. وفيما يلي بعض أبرز المواد الخلافية في المسودة:

المادة (4) الأزهر الشريف هيئة إسلامية مستقلة جامعة يختص دون غيره بالقيام على كافة شؤونه ويتولى نشر الدعوة الإسلامية وعلوم الدين واللغة العربية فى مصر والعالم. ويؤخذ رأى هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف فى الشؤون المتعلقة بالشريعة الإسلامية. وشيخ الأزهر مستقل غير قابل للعزل يحدد القانون طريقة اختياره من بين أعضاء هيئة كبار العلماء.

- يقول منتقدون إنه بموجب هذه المادة لا يمكن عند وضع التشريع رفض استشارة من الأزهر وبالتالي يعد هذا انتقاصا من سلطة التشريع والقضاء ويشيرون الى أن من المستقر عليه منذ عشرات السنين أنه عند الفصل في مدى دستورية أى قانون يطعن عليه لمخالفة مباديء الشريعة تكون المرجعية للقضاء ممثلا فى المحكمة الدستورية العليا.

المادة (219) مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة.

- يخشى معارضون أن تمهد هذه المادة الطريق لتطبيق صارم للشريعة الإسلامية على المجتمع الذي يمثل المسيحيون عشرة في المائة منه ويرون أنه كان يجب الإكتفاء بما ورد في المادة (2) من مسودة الدستور من أن" مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع".

- المواد (146) و(147) و(148) وتنص على التوالي على أن رئيس الجمهورية هو القائد الاعلى للقوات المسلحة وهو الذي يعين الموظفين المدنيين والعسكريين ويعزلهم ويعين الممثلين السياسيين للدولة ويقيلهم ويعلن حالة الطوارئ بعد اخذ رأي الحكومة على النحو الذي ينظمه القانون. هذا الى جانب صلاحية تعيين النائب العام (المادة 173) وتعيين رئيس وقضاة المحكمة الدستورية المادة (176) ويتولى رئاسة مجلس الأمن القومي المادة (193) ورئاسة مجلس الدفاع الوطني المادة (197) ورئاسة هيئة الشرطة المادة (199) وتعيين رؤساء الهيئات الرقابية والمستقلة المادة (202).

 

يرى منتقدون أن هذا يبقي على الصلاحيات الواسعة التي كان يتمتع بها الرئيس السابق حسني مبارك الذي أطاحت به انتفاضة شعبية في فبراير 2011.

المادة (10) الأسرة أساس المجتمع قوامها الدين والاخلاق والوطنية. وتحرص الدولة والمجتمع على الالتزام بالطابع الاصيل للاسرة المصرية وتماسكها واستقرارها وترسيخ قيمها الاخلاقية وحمايتها وذلك على النحو الذي ينظمه القانون.

يقول منتقدون إن نص المادة يسمح بتدخل المجتمع لحماية القيم الأخلاقية ومن ثمّ يمكن أن يكون مصدرا للعنف الاجتماعي.

المادة (48) حرية الصحافة والطباعة والنشر وسائر وسائل الإعلام مكفولة وتؤدي رسالتها بحرية واستقلال لخدمة المجتمع والتعبير عن اتجاهات الرأي العام والإسهام في تكوينه وتوجيهه في اطار المقومات الاساسية للدولة والمجتمع والحفاظ على الحقوق والحريات والواجبات العامة واحترام حرمة الحياة الخاصة للمواطنين ومقتضيات الأمن القومي ويحظر وقفها أو غلقها أو مصادرتها إلا بحكم قضائي. والرقابة على ما تنشره وسائل الإعلام محظورة ويجوز استثناء أن تفرض عليها رقابة محددة في زمن الحرب أو التعبئة العامة.

يرى معارضون أن هذه المادة لا تحظر الحبس في جرائم النشر.

المادة (64) العمل حق وواجب وشرف لكل مواطن تكفله الدولة على أساس مبادئ المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص. ولا يجوز فرض أي عمل جبرا إلا بمقتضى قانون.

يرى منتقدون أنه لا يمكن فرض أي عمل جبرا بأي حال من الأحوال.

المادة (150) لرئيس الجمهورية أن يدعو الناخبين للاستفتاء في المسائل المهمة التي تتصل بمصالح الدولة العليا. واذا اشتملت الدعوة للاستفتاء على اكثر من موضوع وجب التصويت على كل واحد منها. ونتيجة الاستفتاء ملزمة لجميع سلطات الدولة وللكافة في جميع الأحوال.

يقول منتقدون إنه يجب إحاطة حق رئيس الجمهورية في اللجوء للإستفتاءات بضمانات حتى لا يلجأ اليها للخروج على الشرعية وأحكام الدستور.

المادة (52) حرية إنشاء النقابات والاتحادات والتعاونيات مكفولة. ولا يجوز للسلطات حلها أو حل مجالس إداراتها إلا بحكم قضائي.

يرى معارضون أنه يجب أن يقتصر الحكم القضائي بالحل على مجالس الإدارات.

المادة (70) يحظر تشغيل الطفل قبل تجاوزه سن الإلزام التعليمي في أعمال لا تناسب عمره أو تمنع استمراره في التعليم.

يرى منتقدون أن هذه المادة تضفي شرعية على عمالة الاطفال بالنص الدستوري حيث تسمح للطفل بالعمل.

(المصدر: وكالة رويترز بتاريخ 13 ديسمبر 2012)

نهاية الإطار التوضيحي

swissinfo.ch


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×