الإسلاميون موجودون .. وليسوا قادمين

سجلت القوى ذات التوجه الأسلامي تقدما كبيرا في الانتخابات التي جرت في باكستان والمغرب والبحرين وتركيا. swissinfo.ch

شاءت مصادفات الرزنامة أن تجرى في غضون شهرين متتالين أربعة انتخابات برلمانية في أربع دول مسلمة، هي باكستان، والمغرب، والبحرين، وأخيرا تركيا.

هذا المحتوى تم نشره يوم 12 نوفمبر 2002 - 16:38 يوليو,

والجامع بين هذه الحالات، إلى جانب كونها دولا يدين غالبيتها العظمى بالدين الإسلامي، أن نتائجها قادت إلى خرائط سياسية داخلية جديدة.

أظهرت الانتخابات التي جرت مؤخرا في باكستان، والمغرب، والبحرين، وتركيا، أن الجماعات أو الأحزاب المحسوبة على التيار السياسي الإسلامي بتنويعاته المختلفة، حققت قدرا ملموسا من النجاح، الذي يمنحها دورا بارزا في تشكيل الحياة السياسية من خلال قيادة المعارضة، كما هو الحال في باكستان والمغرب، أو المشاركة الجزئية وغير المباشرة في الحكم من خلال المشاركة في التشريع وتعديل القوانين، كما هو الحال في البحرين، فيما يظل للحالة التركية نكهتها الخاصة، نظرا للفوز الكاسح الذي حققه حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان، والذي يتيح له تشكيل الحكومة بمفرده بمعاونة خمسة فقط من المستقلين.

وحزب العدالة والتنمية، هو حزب محسوب على التيار الإسلامي السياسي، الذي يمكن وصفه بالمتجدد، وذلك رغم نفي قادة الحزب سمة التعبير عن إيديولوجية ذات طابع ديني أو مضمون ديني خفي، والتأكيد على التمسك بالعلمانية التي تمثل أساس النظام السياسي التركي، وجوهره المحروس من المؤسسة العسكرية، والنخبة السياسية العلمانية، والمؤسسة الاقتصادية والأمنية.

الحالة البحرينية

وفي حالة البحرين، كانت الفصائل الإسلامية قد شاركت جميعها في الانتخابات البلدية التي جرت في شهر مايو، حيث اكتسح التيار الإسلامي بشقيه، الشيعي والسني، هذه الانتخابات في محافظات البحرين الخمس، ولم ينل لا الليبراليون أو المرأة أي مقعد في المجالس البلدية.

ثم جاءت الانتخابات البرلمانية، أو بالأحرى لتشكيل الغرفة الأولى من مجلس الشورى، والتي جرت مرحلتها الأولى في 24 أكتوبر 2002، والثانية في 31 أكتوبر، كجزء من عملية إصلاحات سياسية شاملة تضمنت إصدار قوانين لتنظيم النقابات العمالية، والصحف والحياة النيابية، وتطوير عمل مجلس الشورى من غرفتين متساويتين في العدد ( 40 لكل منهما)، إحداهما يتم انتخابها، والثانية يعينها ملك البلاد بالكامل.

وفي الغرفة المنتخبة، سيطرت الجمعيات الإسلامية السنية السلفية، حيث حصلت على 22 مقعدا من جملة أربعين مقعدا، مستفيدة من مقاطعة الجمعيات السياسية الأربع، الأكثر حظوة في الشارع، لاسيما في المناطق الشيعية، وهي الوفاق، والعمل الوطني الديمقراطي، والعمل الإسلامي، والوفاق القومي، وعلى خلفية الخلاف مع الحكومة بشأن التعديلات الدستورية التي تحد من الدور التشريعي للبرلمان المنتخب، وتجعله رهنا بالحكومة وبالمجلس المعين بالكامل.

معظم الفائزين في انتخابات البحرين هم من التيار الإسلامي السلفي والإخواني، وقوى مستقلة محسوبة على التيار بصفة عامة، وهم قريبون من خط السلطة وغالبيتهم ليس لهم تاريخ سياسي، وبعضهم يؤكد أن العمل على توسيع الصلاحيات التشريعية للمجلس المنتخب ممكن من داخل البرلمان نفسه، وأن تلك أولوية لهم.

في المقابل، عبر قياديون سلفيون عن أن تشابه ملابسهم ولحاهم مع مؤيدي القاعدة والحركات الجهادية والتكفيرية، محل المحاصرة الدولية، لا يعنى إطلاقا أنهم يحملون نفس هذا الفكر، والذي يعتبره إخوان البحرين فكرا خوارجيا باطلا، يجب محاربته.

الحالة المغربية

أما في المغرب، فقد حقق حزب العدالة والتنمية في انتخابات 27 سبتمبر فوزا غاليا، إذ حصل على 42 مقعدا بعد أن أنهى ولايته التشريعية السابقة ب 14 مقعدا فقط، وجاء ترتيبه الثالث من بين 26 حزبا شاركت في الانتخابات، ونافست على 325 مقعدا يتألف منها مجلس النواب.

وكان الحزب قد شارك في انتخابات عام 1997 باسم الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية، ولم ينل وقتها إلا تسعة مقاعد فقط. وفى عام 1998 غير اسمه إلى حزب العدالة والتنمية.

ويعود انتصاره الكبير في انتخابات 2002 إلى أسباب عدة، منها انضباط أعضائه ومؤيديه، والدور الذي تلعبه حركة التوحيد والإصلاح في تقديم المساندة الجماهيرية للحزب، واستفادته من نسبة الممتنعين عن التصويت، والتي وصلت في الانتخابات العامة الأخيرة إلى 48%، ووضوح برنامجه السياسي فيما يتعلق بخطط إدماج المرأة في التنمية، والموقف من إسرائيل، والقضية الفلسطينية، واستفادته من المناخ السياسي الذي بلورته الحملة الإعلامية المناهضة للتيار الإسلامي، التي قادتها الصحف التابعة للأحزاب الليبرالية والاشتراكية.

وقد أكسب هذا الوضع الحزب قدرا متزايدا من التعاطف الجماهيري. وربما أمكن القول أيضا، إن مقاطعة بعض الجمعيات الإسلامية الشهيرة غير المعترف بها قانونا، كجماعة العدل والإحسان، التي يقودها الشيخ عبد السلام ياسين، قد ساعدت في أن يكون الحزب هو المستقطب لأصوات المؤيدين للرؤية الإسلامية في المغرب عموما.

الحالة الباكستانية

وفي باكستان، حقق مجلس العمل المتحد، الذي يضم ستة أحزاب إسلامية صغيرة، نجاحا كبيرا، حيث فاز بـ 47 مقعدا من أصل 342 مقعدا، فضلا عن استقطابه 12 مقعدا من المستقلين الذين حققوا بدورهم 29 مقعدا، لتصبح كتلته النيابية 59 نائبا. الأمر الذي يجعله في موقف قوي تجاه الحكومة التي يُفترض أن تتشكل من أكثر من حزب، حتى تؤمن غالبية 172 مقعدا.

وقد بلغت نسبة الأصوات التي حصل عليها المجلس، ما يقرب من 17%، جاء معظمها من إقليمي سرحد وعاصمته بيشاور، وإقليم بلوشستان وعاصمته كويتا المحاذيين للحدود مع أفغانستان. وجاء مجلس العمل المتحد في المركز الثالث بعد كل من حزب الرابطة الإسلامية (جناح القيادة العظيمة) المقرب من الرئيس مشرف، والذي حقق 103 مقعدا، وحزب الشعب الباكستاني المعارض، الذي حصل بدوره على 80 مقعدا.

كما حقق المجلس فوزا مهما، حيث سيطر على أكثر من نصف عدد مقاعد البرلمان المحلي لإقليم شمال غرب البلاد وعاصمته بيشاور، إذ حصل على 50 مقعدا من أصل 99 مقعدا هي إجمالي مقاعد البرلمان المحلي، وبما يؤهله من تشكيل الحكومة الإقليمية منفردا.

وبدوره، فإن مجلس العمل المتحد المؤلف من ستة أحزاب إسلامية صغيرة، يعبر عن رؤية متماسكة تجاه عدد من القضايا التي تشغل باكستان على خلفية مشاركتها في الحملة الأمريكية ضد الإرهاب الدولي، وضد نظام طالبان وتنظيم القاعدة، وأهم عناصرها معارضة التواجد الأمريكي على الأرض الباكستانية، ورفض استخدام القواعد الوطنية، فيما يرونه تدخلا في الشؤون الداخلية للدول الأخرى أو المجاورة، ومعارضة تواجد عناصر من المباحث الفدرالية الأمريكية في البلاد، والتشديد على إسلامية الدولة، وأن تغيير الدستور مرهون فقط بالبرلمان الذي يعبر عن إرادة الشعب، وليس الحاكم الفرد، ومعارضة التغييرات الدستورية التي أدخلها الرئيس مشرف، وتتيح له حل البرلمان، وإعادة تنصيب نفسه رئيسا للبلاد بعد انتهاء مدة رئاسته، وأن من حق الحكام الذين يعينهم في الأقاليم المختلفة، أن يحلوا البرلمانات الإقليمية.

ويعود جزء من أسباب تفوق هذا الحزب، إلى النفوذ التقليدي للأحزاب الإسلامية في مناطق شمال وغرب باكستان المحاذية لأفغانستان، واتخاذ حكومة مشرف عددا من الإجراءات غير الشعبية في مجال تقديم الدعم العسكري للأمريكيين، ووقف الدعم والمساندة للأحزاب والجمعيات الكشميرية، وخطط تغيير مناهج التعليم الديني، ومحاصرة المدارس الدينية التي تمثل معينا مُهما لهذه الأحزاب، التي ينظر إليها المواطن العادي باعتبارها جزءا من الدين الإسلامي نفسه.

تميز الحالة التركية

أما الحالة التركية، فالبيئة السياسية تبدو مختلفة كثيرا عن الحالات الثلاث السابق ذكرها. لكن تظل النتيجة واحدة. فقد حقق حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان فوزا كبيرا بكل المقاييس، منهيا بذلك حقبة كاملة في حياة تركيا السياسية، خاصة بعد أن سقطت كل الأحزاب الأخرى، التي سيطرت على الحياة السياسية التركية طوال العقدين الماضيين، وبات يُنظر إليها باعتبارها المسؤولة عن حالة التراجع الاقتصادي وانتشار الفساد بصورة كبيرة.

وقد جاء الحزب ذو الخلفية الإسلامية، على الأقل لدى بعض أبرز قياداته، أكثر تماسكا في برنامجه السياسي، مقارنه بباقي الأحزاب التي نافست على مقاعد البرلمان، ولم تنل نسبة 10% التي تؤهلها الحصول على حصة برلمانية شرعية. وحصل الحزب على نسبة 34% من إجمالي الأصوات، وعلى 363 مقعدا من إجمالي 550 مقعدا في البرلمان التركي، ولم يشاركه في مقاعد المجلس إلا حزب الشعب الجمهوري بقيادة دينز بايكال، الذي حصل على 19,4% من إجمالي الأصوات، وعلى 178 مقعدا. وبذلك، يصبح البرلمان التركي لأول مرة منذ 52 عاما قائما على صيغة الحزبين الكبيرين، أحدهما يقود الحكومة، والآخر يراقب ويعارض ويرفع علامات الضبط والتنبيه، لاسيما في مجال الابتعاد عن الأطر العلمانية للدولة.

ولعل أحد ابرز جوانب التميز في فوز حزب العدالة والتنمية، كونها جرت في ظل بيئة سياسية رسمية شديدة التمسك بالقيم العلمانية وصيغة "الجمهورية الأتاتركية"، التي لا تعترف بدور الدين في الحياة العامة، في وقت ثبت فيه إفلاس كل الرموز الحزبية والسياسية التي رفعت تلك الشعارات العلمانية على نحو فج، بينما ظهر المجتمع داعما وبقوة لوجود من يمثل قناعاته الدينية الراسخة منذ مئات السنين.

د. حسن أبوطالب - القاهرة (الجزء الأول)

باختصار

تختلف التفسيرات لتقدم الحركات الأسلامية أو القريبة منها خلال الانتخابات التشريعية التي جرت في اربعة بلدان مسلمة مؤخرا. فهناك من يعتقد أن تقدم الإسلاميين، وفوزهم الكاسح كما في تركيا، هو رد على الحملة الدولية التي يتعرض لها المسلمون منذ 11 سبتمبر، في حين هناك من يرى أن الأحزاب الأسلامية قادرة على خوض غمار لعبة الديموقراطية واحترامها والفوز فيها.

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة