تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

الإعلام العربي يُزعج واشنطن..

أصبحت شارات القنوات الإخبارية العربية منافسا شديدا لأبرز المحطات الاخبارية الأمريكية في تغطيتها للحرب الحالية ضد العراق

(Keystone)

مارست وسائل الإعلام الغربية والأمريكية احتكارا مطلقا على تغطية حرب الخليج الثانية، لكن المعطيات تغيرت جذريا مع اندلاع الحرب الأمريكية البريطانية على العراق.

فقد شهدت فترة "ما بين الحربين" ميلاد قنوات إخبارية عربية تمكنت من فرض نفسها في قلب الأحداث الدولية وتحولت إلى مصدر إعلامي مثير للإنزعاج.

لعل الفرقَ الأكثر جلاء بين التغطية الإعلامية لحرب الخليج الثانية والثالثة هو تعدد القراءات لتطورات الوضع الميداني للحرب الحالية على العراق ودُخول وسائل الإعلام العربية بقُوة إلى قلب الأحداث.

فينما اعتمد المُشاهد العربي عام 91 على كاميرات وصحافيي و"خطاب" قناة CNN الأمريكية التي استفردت بمُعظم أنباء وصور حرب الخليج الثانية، ها هو يتمتع حاليا بحرية الإختيار بين باقة القنوات الإخبارية العربية التي نشأت في فترة ما بين الحربين، والتي حرصت عشية اندلاع الحرب الحالية على إيفاد شبكة ضخمة من المراسلين إلى المدن العراقية الرئيسية. ولعل أبرز هذه الفضائيات عميدةُ القنوات الإخبارية العربية، قناة الجزيرة القطرية، التي نجحت - لحد الآن - في التواجد بمفردها في بعض المناطق العراقية.

هذا التواجد الإعلامي العربي في المناطق المُستهدفة وبين المدنيين العراقيين، جعل الجماهير العربية مُتسمرة أمام شاشات القنوات العربية الإخبارية وشاهدةً على عمل المراسلين الذين يصمدون تحت القصف لتغطية الأحداث على مدار الساعة، وعلى الهواء مباشرة، وبإمكانيات تقنية لا تقل حداثة عن تجهيزات وسائل الإعلام الغربية.

ولا تكتفي هذه القنوات العربية بنقل تطورات الحرب بل تحرص على أن تتخلل تغطيتَها الحية للأحداث مقابلاتٌ مع مُحللين سياسيين وعسكريين عرب أو غربيين يساهمون في تنوير المشاهد حول خلفية وأهداف واستراتيجية الحرب على العراق. كما لا تغفل هذه القنوات متابعة المؤتمرات الصحفية للمسئولين الأمريكيين والبريطانيين سواء العسكريين أو السياسيين منهم بهدف إبراز مختلف وجهات النظر وتكملة الصورة للمشاهد العربي.

منافسة مثيرة للغضب

ولا شك في أن هذه العوامل قد أكسبت القنوات الإخبارية العربية مصداقية لدى شريحة واسعة من الجمهور العربي وأيقظت شعورا قوميا تُغذيه يوميا صُورُ حربٍِ لم تحصل على تفويض من مجلس الأمن الدولي. وإن اختلف المُراقبون حول عرض القنوات العربية لبعض الصور المُؤثرة والمؤلمة لضحايا وأسرى الحرب، فإن الأكيد أن هذه القنوات أصبحت بفضل الصور والأخبار التي تنقلها من عين المكان منافسا مهنيا حقيقيا لوسائل الإعلام الغربية.

وقد أثارت هذه المنافسة غضب واشنطن ولندن بذريعة عرض عدد من التلفزيونات العربية صورا لأسرى وقتلى من الجنود البريطانيين والأمريكيين. وقامت الدنيا ولم تقعد لدى عرض هذه الصور التي تنتهك بالفعل معاهدة جنيف الثالثة حول حقوق الأسرى، لكن لم تنزعج الإدارة الأمريكية ولا البريطانية لدى عرض صور أسرى الحرب العراقيين في الأيام الأولى من الحرب ولم تتذكّرا حينها وجود وثيقة تحمل اسم "معاهدة جنيف الثالثة".

ولم تتردد وزارةُ الخارجية الأمريكية في اتهام عدد من وسائل الإعلام العربية، دون تسميتها، بـ"تحريف الوقائع" وتقديم تغطية "مُلتهبة" للأحداث. أما وزير الخارجية الأمريكي كولين باول فاتهم قناة الجزيرة القطرية مباشرة بالافتقار للـ"موضوعية" في تغطيتها للحرب. فيما قال قائد القوات البريطانية في الخليج إن "الجزيرة تجازف بأن تكون أداة دعائية عراقية".

هل هي اتهامات مبررة؟

اتصلنا بالصحفي محمد كريشان الذي يعمل في قناة الجزيرة لمعرفة رد فعل القناة على هذه الاتهامات، لكن وجدناهُ ملتزما بتعليمات رئيس التحرير الذي حظر على الصحافيين التحدث إلى وسائل الإعلام حول هذا الموضوع والتركيز على عملهم الصحفي إلى أن يُعين متحدث رسمي باسم القناة لحسم الأمر وتفادي المزيد من التأويلات و"القيل والقال".

وفي محاولة لتسليط الضوء على هذا الملف بصفة محايدة، أجرت "سويس إنفو" حوارا مع الصحفي السويسري فيكتور كوخر، مراسل صحيفة الـنويه تسورخر تسايتونغ (NZZ) السويسرية في الشرق الأوسط، الذي يتحدث اللغة العربية بطلاقة ويواظب على مشاهدة القنوات العربية.

وقبل التطرق إلى الاتهامات الموجهة للقنوات العربية والجزيرة بالتحديد، أوضح الصحفي كوخر أن ما يميز القنوات العربية المتواجدة حاليا في العراق كونها "تسير على خط الاعتبار الإنساني والتعاطف مع الشعب العراقي والاعتناء بمصير أناس عاديين وليس بالجنود الذين يقصفون ويضربون النار أو الناطقين العسكريين للتحالف الذين يلقون نظريات للسيطرة والتحكم وإلغاء قوى يصفونها بالمعادية والمدمرة." وأعرب كوخر عن اعتقاده أن تغطية الجانب الإنساني هو الأهم في مثل هذا الظرف.

"ليس هناك تحريف للوقائع"

وفيما يخص الاتهامات الأمريكية لوسائل الإعلام العربية، حرص كوخر على تأمل هذه الاتهامات من وجهة نظر المؤيدين والمعارضين للحرب. ويوضح الصحفي السويسري في هذا السياق أن وجهة النظر الأولى الداعمة للولايات المتحدة ترى في الحرب ضد العراق عملية تحرير من أجل تدمير نظام "فقد أحقيته في الوجود". ومن هذا المنطلق، فإن أي عمل يهدف إلى إلغاء أي مسئول أو أي مقر للحكومة العراقية، فهو "عمل عادل وفي مكانه" حسب معتقدات واشنطن.

أما القنوات العربية فقد حملت رسالة أخرى للمشاهد العربي حسب كوخر لأنها تقول "إن هنالك شعبا عراقيا عربيا موجودا في بلده وله حكومة- حتى إن لم نقل إنها منتخبة - فلها شرعية الوجود ومعترف بها من أغلبية دول العالم." واستطرد كوخر قائلا: "لا يصلح أن تعتدي قوى خارجية على هذا الشعب وهذه الحكومة وهذا البلد من دون تفويض أممي وتقصف وتدمر وتذبح".

وأوضح الصحفي السويسري أنه طالما أبرزت القنوات العربية صور الضحايا المدنيين وكررت مناظر معاناة الشعب العراقي فإن ذلك سيزعج الولايات المتحدة لا محالة، لكنه أردف أن صور المدنيين العراقيين الذين يعانون من "ممارسات مرعبة" هي "حقيقة وهذا ما يحصل وليس فيه أي تحريف".

قراءة أخرى للأحداث

وإن كان الصحفي كوخر لا يتفق بتاتا مع عرض الجزيرة للأسرى والقتلى البريطانيين والأمريكيين، فإنه يعتقد أنه من وراء عرض هذه الصور وإعادتها سعيا لإبراز تعادل الخسائر والمعاناة وإظهار قوة المقاومة والدفاع العراقيين، خاصة وأن الأمريكيين حاولوا إقناع الرأي العام الدولي بأن الحرب على العراق ستكون "خاطفة ونظيفة"، وأن الشعب العراقي سيستقبل القوات الأمريكية والبريطانية بـ "الأحضان والزغاريد".

وربما تكون القنوات الإخبارية العربية قد ارتكبت بعض الأخطاء لدى تغطيتها الحية لهذا الحدث-الزلزال، لكنها نجحت في المقابل في شد أنفاس المشاهدين العرب، خاصة وأنها تغامر بحياة مُراسليها وفرقها التقنية المتواجدة على عين المكان من أجل ضمان تغطية مباشرة ومتواصلة للحرب بعيون ووجدان عربيين.

ولا شكّ أن هذه الجُهود تُبرهن على تبلور إعلام عربي وسط الساحة الإعلامية الدولية؛ إعلام نجح إلى حد بعيد في فرض قراءته الخاصة للأحداث لدرجة إزعاج واشنطن ودفعها إلى التخطيط لإنشاء قناة أمريكية تبث باللغة العربية بهدف تحسين صورة الولايات المتحدة في العالم العربي.

فهل سيُكتب النجاح لمثل هذه المحاولات، في حين تمضي قوات واشنطن - رغم أنف المجتمع الدولي - في تدمير شعب باسم ّ"فرض الديمقراطية"؟

إصلاح بخات - سويس انفو


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×