تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

الإعلام العربي "بين الأرض والفضاء"!

اليوم، ليس بإمكان أحد تجاهل ما أحدثته الفضائيات بشتى أنواعها من تأثيرات وتغييرات في العقليات العربية على مدى العشرية الماضية

(Keystone)

إن الواقع على الأرض بالنسبة للإعلام يختلف اختلافا بيِّـناً عما يجري في "السماء". فالصعود الشاهق لتلفزيون "الجزيرة" ثم لقناة "العربية" استند إلى حريات ليبرالية استثنائية لم يشهدها العالم العربي طيلة تاريخه الحديث.

ويمكن الحديث اليوم (3 مايو) في مناسبة عيد الصحافة العالمي عن ثلاث سمات رئيسة للإعلام العربي..

الأولى، أن ثمة حرية تعبير في المنطقة العربية، لكن ليس هناك بعد حرية بعد هذا التعبير. الثانية، أن هذه الحرية موجودة بكثافة في السماء، لكنها مفقودة على الأرض. والثالثة والأخيرة، أن الإعلام العربي يعاني من أزماته الداخلية الخاصة بالطبع. لكنه يتأثر أيضاً بما يعانيه الإعلام في كل العالم في ظل عولمة الشركات الكبرى متعددة الجنسيات.

لكن، ولكي لا يطغى التشاؤم على كل ما يتعلق بتطورات المنطقة العربية، لابد قبل ذلك من لمحة سريعة إلى الحقيقة بأن الإعلام الحر هو الوليد الشرعي الرئيس للديمقراطية، وأن كليهما خاضعان لقوانين النضج التاريخي المستند بدوره إلى تقادم الزمن وتراكم الحقوق.

أي إطلالة سريعة على تجارب الشعوب التي ولدت فيها حرية التعبير في ظل الديمقراطية، تؤكد هذا الأمر وتشي بأن هذه الأخيرة في حاجة إلى حقبات تاريخية مديدة كي تختمر وتنضج.

فحق التعبير في بريطانيا احتاج إلى أربعة قرون كاملة بعد ثورة كرومويل ووثيقة "الماغنا كارتا"، كي يتجذر. ولم ينل خلالها البريطانيون حرية الإعلام والمواطنة الحقيقيين إلا في أوائل القرن العشرين.

وفي بولندا وأمريكا وفرنسا، التي نشأت فيها الدساتير الحديثة الأولى المحتضنة لحرية التعبير، عمل الإعلاميون في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في ظروف صعبة للغاية شهدت انقسامات اجتماعية عميقة وأزمات مالية مُـحبطة، وحكومة مركزية مشلولة، وتهديدات دولية خطيرة.

وبرغم أنهم نشطوا لإعادة تشكيل حريات بلادهم السياسية لجعلها أكثر فعالية وقدرة على الصمود أمام هذه التحديات الجسام، إلا أن الفشل كان في غالب الأحيان من نصيبهم.

المنطقة العربية

هذه التجارب توضح أن الطريق إلى حرية الإعلام ليس خطاً مستقيماً، إنه خط متعرج إلى حد كبير، يتضمن القليل من الفرص والكثير من المخاطر.

وكذا الأمر في المنطقة العربية، مع الفارق هنا بأن هذا الخط ليس مستقيماً على الإطلاق (... )، لا بل يبدو أنه في العديد من الأحيان يسير إلى الوراء بدل أن يتقدم إلى الأمام.

وعلى سبيل المثال، كانت حرية الإعلام في أوائل القرن العشرين أفضل منها بكثير في نصفه الأخير، لا بل أن حرية التفكير والرأي خلال العهد العباسي في القرنين الحادي عشر والثاني عشر ميلادي، كانت أفضل حالاً بما لا يقاس منها في الألف سنة التي تلت ذلك.

إذا ما عدنا إلى السمة الأولى التي أشرنا إليها، سنجد أن الدول العربية تنقسم إلى شطرين: قسم يضمن في دساتيره حرية التعبير، لكنه يصادر هذه الحرية بعد هذا التعبير، وقسم لا يضمن لا حرية التعبير ولا الحرية نفسها.

النماذج على القسم الأول هي: الجزائر والمغرب والأردن وتونس ومصر واليمن وسوريا. ففي كل هذه الدول نصوص دستورية واضحة تكفل حرية التعبير بقوة القانون، لكنها في الوقت ذاته تكبّـلها بشروط هذا القانون نفسه، إضافة إلى قيود أجهزة الأمن والاستخبارات وما شابه.

وعلى سبيل المثال، تقول مؤسسة "فريدوم هاوس (بيت الحرية) الدولية إن السلطات الجزائرية صادرت بشكل منهجي عام 2005 حقوق التعبير التي نص عليها الدستور، واستخدمت الإرهاب والتخويف، وبعض الأحيان أحكام السجن، لإخضاع الصحفيين.

وفي المغرب، حين تم تعديل قانون الصحافة عام 2002، لا يزال من غير القانوني انتقاد الملك والأسرة الملكية، أو بعض الممارسات الدينية، أو نشر أي شيء عن مشكلة الصحراء الغربية غير تلك التي تسمح به الحكومة. إضافة، أحكام السجن لا تزال تطبق على الإعلاميين لأسباب تتعلق بحرية التعبير بدون حماية حقيقية من القضاء.

وفي الأردن، بنود قانون العقوبات وقانون الصحافة يمنعان انتقاد الأسرة الحاكمة، أو البرلمان، أو المسؤولين الرسميين أو القوات المسلحة أو كل ما يعتبر مضراً بعلاقات الأردن الخارجية. ومعروف أن قانون نقابة الصحافة الأردني الذي أصدرته الحكومة عام 1998، يشترط على الإعلاميين العمل "في إطار المسؤولية الأخلاقية والوطنية والقومية"، وأن يقسموا يمين الولاء للملك. كما معروف أيضا أن أجهزة الاستخبارات تتدخل بشكل منتظم في كل ما ينشر في الصحف أو يذاع على الهواء.

وفي مصر، وبرغم أن الصحفيين هناك عبروا "الخطوط الحمر" التي كانت تقيدهم في السابق، إلا أن حرية التعبير لا تزال تعاني من القمع وأحكام السجن، وأحياناً الخطف والاعتداء بالضرب، كما حدث هذا العام لرئيس تحرير صحيفة "العربي".

وفي اليمن، وبعد حقبة من الحرية الإعلامية النسبية، عاودت الحكومة مصادرة الحريات، ولاحقت العديد من الإعلاميين بتهم مختلفة. وتكرر الأمر نفسه في سوريا بعد "ربيع دمشق" القصير، وامتد الأمر حتى إلى لبنان الذي اشتهر بحرياته الليبرالية، حيث مورست ضد الإعلام خلال حقبة الوجود السوري كل أنواع الإرهاب والتخويف، وصولاً في وقت لاحق إلى اغتيال بعض الوجوه الإعلامية.

هذا في الدول الجمهورية "الدستورية"، أما في الممالك العربية، فلا يزال الإعلام المحلي في خدمة الأسر الحاكمة، عدا بعض الاستثناءات في الكويت.

الأرض والفضاء

هذا الواقع على الأرض بالنسبة للإعلام يختلف اختلافا بيِّـناً عما يجري في "السماء".

فالصعود الشاهق لتلفزيون "الجزيرة" الفضائي القطري، ثم تلفزيون "العربية" السعودي، استند إلى حريات ليبرالية استثنائية لم يشهدها العالم العربي طيلة تاريخه الحديث. كل شيء ممنوع على الأرض القطرية والسعودية، مباح في الفضاء، بما في ذلك محرمات مثل إجراء نقاشات فقهية حول المذهبين السنّي والشيعي، والحركات الأصولية الإسلامية، وحتى مسائل الجنس والعقائد وغيرها.

والحال أن هذه ظاهرة غريبة للغاية. ففي حين يمنع المواطن القطري أو السعودي مثلاً من قراءة نصوص أو مشاهدة برامج نقدية تتعلق بالنظامين في الصحف والمحطات الإذاعية والمرئية المحلية (التي تواصل نهج "تقديس" الأسر الحاكمة)، يسمح له بأن يسمع ويرى ما يشاء على الفضائيات.

كيف توفق الأنظمة بين هذين التوجهين المتناقضين؟ ولماذا تسمح لأجهزتها الإعلامية بكل شيء في الفضاء وتمنعها من ذلك على الأرض؟

ليس ثمة تفسير منطقي، غير ذلك الذي يقول بأن الأنظمة تعتقد (وربما عن حق) أن السماح بحرية التعبير المحلي، قد يؤدي لاحقاً إلى بروز تيارات سياسية متعددة تُـفقدها في النهاية سيطرتها على مجتمعاتها. هذا في حين أن "ليبرالية الفضاء" لا تأثيرات مباشرة لها على الداخل (حسبما يعتقد أصحاب هذا الرأي).

التوتاليتاريا العالمية

نأتي الآن إلى السمة الأخيرة: تقاطع أزمات الإعلام العربي المحلية مع أزمة الإعلام العالمي في ظل العولمة.

هنا، يطل الكاتب الأمريكي روبرت ماكنزي برأسه ليوضح بعض القسمات المهمة في الأزمة الراهنة التي يمر بها الإعلام العالمي. ففي دراسته المهمة التي حملت عنوان "مشكلة الإعلام في القرن الحادي والعشرين"، والتي اعتبرها الكثيرون "البلاغ الرقم واحد" لحماية حرية الإعلام والتعبير، يؤكد ماكنزي وجود ممارسات عشوائية مقلقة هدفها استغلال الحريات الإعلامية واستخدامها لخدمة أفكار ومصالح الشركات الضخمة، والمصالح المالية الكبيرة، والمتنفذين السياسيين في السلطة.

يقول: "يجب إحالة روبرت مردوغ إمبراطور الإعلام في أمريكا والغرب إلى العدالة، ومن ثم الحكم بسجنه بسبب ما يتمتع به هو وأمثاله من هيمنة مطلقة على الحريات الإعلامية و الديمقراطية. فهو قادر بسهولة على تزوير الحقائق، أو فبركة ما يمكن تسميته بحقائق وهمية، خدمة لكبريات الشركات والمجمعات الصناعية والتجارية التي تسعى إلى التوسّـع وتكديس الأموال على حساب هذه الحريات".

لا يبدو أنّ ماكنزي متفائل كثيرا باحتمال إعادة الأمور إلى نصابها، إذ يعتبر أنّ طرح قضية الحريات الإعلامية والديمقراطية وإنقاذها من براثن الشركات الكبرى المؤثرة في السياسة الأمريكية، داخلياً وخارجياً، لم يعد أمرا سهلا البتة.

فهؤلاء الذين يمسكون بالقرار السياسي والاقتصادي ممن يمتلكون هذه المصالح، جاهزون ليل نهار للتصدي، ولديهم آلاف المنابر الصحافية والإعلامية والسياسية والإذاعية والتلفزيونية التي يستخدمونها تحت شعار الإعلاء من شأن الحريات الإعلامية والديمقراطية.

أعراض هذه الأزمة التي تهدد القيم الأساسية للمجتمع الأمريكي، تتمثل في النقص الفادح في نسبة الأنباء المحايدة، أي تلك التي توردها وكالات الأنباء كما حدثت في الأصل من دون أن تتدخل في بنيتها الأساسية أو خلفياتها لتعيد صياغتها وفقا لمصالح وأهواء ومفاهيم الشركات الكبرى.

يضاف إلى ذلك، الانخفاض الشديد في نسبة الصحفيين الذين يعملون في هذا النوع من القطاع الإخباري على وجه التحديد، والتماثل الرتيب على مستوى الآراء والمفاهيم والتحليلات السياسية والاقتصادية المنتشرة في الافتتاحيات الصحفية.

في المقابل، ثمة تقليص متعمد للمساحات التي تفردها الصحف والمجلات والمنابر الإعلامية، كالمحطات الإذاعية وأجهزة التلفزيون، للمناقشات الحرة التي تستولد أفكارا مبدعة ومستجدة وخلاقة. وهنا، يضع الكاتب أصبعه على الجرح الذي تحول في اعتقاده إلى التهاب خطير في جسد الحريات الإعلامية والديمقراطية، حين يقول إنه "لا يرى وسيلة أخرى من شأنها أن تُـعيد الحياة إلى هذا القطاع الحيوي، إلا بمداواة هذه العلة الخطيرة".

كيف؟ عبر رفع الستار عن الاقتصاد السياسي وعلاقته المتجذرة بالإعلام. فما كان يسمى في الماضي القريب أو البعيد بالحريات الإعلامية والديمقراطية، أخذ يتخلى عن دوره التقليدي في صنع القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، لينتقل تدريجياً إلى كنف الشركات الرأسمالية الضخمة، ويصبح بالتالي، أداة فاعلة في حماية هذه المصالح التي تكاد تمسك بخناق كل العالم.

ويخشى الكاتب من استفحال هذه الظاهرة بمرور الزمن، ليتحول العالم إلى مكان توتاليتاري مغلق، يهيمن فيه رأس المال على النشاط الإبداعي والسياسي.

استنتاجات مفاجئة؟

ليس تماما. فمن المعروف منذ أمد بعيد أن هناك صراعا عميقا بين الديمقراطية (التي هي حكم الشعب للشعب) وبين الرأسمالية (التي هي حكم القلة للشعب). وهذا الصراع، الذي توارى وراء الكواليس خلال الحرب الأيديولوجية مع الشيوعية التي هددت الرأسمالية والديمقراطية معا، أطل برأسه بقوة مجددا بعد انتهاء هذه الحرب.

وبرغم أن موازين القوى في العالم تميل بشدة إلى جانب الرأسماليين الذين يسيطرون على كل وسائل التأثير الإعلامي والثقافي والأيديولوجي والسياسي، إلا أنه لا يجب الاستخفاف بـ "تمرد" الديمقراطيين. فهؤلاء قادرون، إذا ما خاضوا معاركهم بشجاعة وحكمة، على استنفار المجتمع المدني ضد النزعات التوتاليتارية، كما أنهم قادرون أيضا على خلخلة الأسس التي تقوم عليها شرعية السلطة الرأسمالية.

دراسة روبرت ماكنزي تصب في هذا الاتجاه، وهي قد تكون، إضافة إلى كتاب بنيامين باربر "الجهاد ضد ماكوورلد"،علامات على طريق الصدام المتجدد بين الديمقراطية والرأسمالية، وهذا أمر يمكن أن يشجع الإعلاميين العرب على المضي قدماً في معركة حرية التعبير عبر دمج نشاطاتهم بالحركية العالمية المطالبة الآن بتحرير حرية التعبير والإعلام من هيمنة الشركات الكبرى (في الغرب)، ومن الشركات والأنظمة معاً في الشرق.

قد لا تكون هذه مهمة سهلة، لكنها معركة يجب خوضها وكسبها، إذا أرادت المجتمعات العربية ربح معركة حرية التعبير.. ثم حرية ما بعد التعبير!

سعد محيو - بيروت


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×