تصفّح

تخطي شريط التصفح

مواقع فرعية

وظائف رئيسية

"جائزة نوبل السويسرية" للباحث لوران كيلَّر قد نُفكــّر مرّتين قبل سحق نملة!

يعيش النمل على الأرض منذ 70 مليون عاما..

يعيش النمل على الأرض منذ 70 مليون عاما..

(AFP)

قد لا يستطيع البعض تخيّل أوجه الشبه بين سلوكيات النّمل والبشر. ولكن دراسة الشكل التنظيمي لهذه المخلوقات الصغيرة الحجم، تكشف عن تَدَبُّرها المُسبق لمبادئ ونُظُم إجتماعية مُعيّنة تحكُم تعاملات تداولتها المجتمعات البشرية على مدى أجيال مُتعاقبة وإلى يوم الناس هذا.

وللخوْض في تفاصيل هذا الموضوع بشكلٍ أعمق، إلتقت swissinfo.ch بعالِم الأحياء التطوري وخبير النمل لوران كيلَّررابط خارجي، الذي مُنِحَ هذا العام جائزة مارسيل بينوا المرموقة، التي تُعتبر بمثابة "جائزة نوبل" السويسرية للعلوم.

قد يتعيّن علينا أن نفكّر مرتيْن قبل أن نُقدِم على سَحق إحدى النملات بأحذِيتنا أو أيدينا. فقد تُمَكِّنُنا مراقبة هذه الكائنات الصغيرة، من تَعَلُّم بعض الأشياء عن أنفسنا ومشاهدة سلوكيات وأنماط مثيرة من التفاعل. وكما يقول لوران كيلَّر، مدير معهد البيئة والتطوّر في جامعة لوزان "يسير البشر على نفس الطريق الذي يتَّبِعْهُ النمل فيما يتعلق بالسلوك الإجتماعي".

ومن المؤكّد أن أستاذ عِلم الأحياء التطوّري يعرف جيداً عما يتحدّث، سيما وأنه يراقب عالَم النمل - سواء في الطبيعة أو في المختبر - منذ ما يقرب من 30 عاماً. ومع أنه كان يريد التخصّص في بحوث الرئيسيات (رتبة من طائفة الثدييات تضم السعالي البدائية والسعالي) في شبابه، إلّا أنَّه سُرعان ما غيَّر أفكاره بعد استماعه إلى محاضرة عن النمل. "كان التطورالحاصل في تنظيمهم الإجتماعي، مثيراً جداً بالنسبة لي"، كما يشدّد كيلر، الذي التقيناه في مَكتبه في جامعة لوزان.

واليوم، يُعتَبَر الباحث السويسري الذي يبلغ من العمر أربعة وخمسين عاماً، واحداً من أكثر علماء النمل شُهرة في العالم، كما نُشِرَت له العديد من البحوث في المجلّات العِلمية المرموقة. وكما يقول، تبقى القوة الدافعة التي تُوَجّه عمله، مُتَمثلة بسؤال واحد هو: كيف نجح مخلوق صغير لا يملك سوى دماغ بسيط، في التكيّف اجتماعياً مع البيئة المحيطة به، بحيث أصبح يعيش عمَليا في جميع أنحاء العالم، إمتداداً من الصحراء وحتى أشدّ المناطق برودة؟

لوران كيلّر، الحائز على جائزة مارسيل بونوا لعام 2015.

(Laurent Keller)

70 مليون سنة

حتى يومنا هذا، تمّ التعرّف على نحو 12,000 نوعٍ من النمل. وهو ينتمي في المملكة الحيوانية، إلى الكائنات الضرورية جدّاً للحفاظ على البيئة. فهو يُساهِم، وفق كيلَّير، في تحسين جوْدة التّربة من حيث تحريكه للمواد العُضوية فيها وإدخاله للهواء، كما يُسهِّل عملية نَشْر البذور. والنّمل من أهَم الحشرات المفترسة للطّفيليات والكائنات الميتة والحشرات الأخرى. وهو يساهم بالتالي، في إحداث توازن في عالم الحشرات. أما وزْنه الإجمالي، فيصِل إلى حوالي 10% من الكُتلة الحيوية لجميع الكائنات الحيّة الموجودة على الأرض. وكما يوضّح كيلَّر "لا يُمكن مقارَنة هذه الكُتلة، إلاّ بالكتلة الحيوية للبشر".

ويكمُن مفتاح النجاح لنموذج عالَم النمل، في التعاون. "لقد نجح النمل في تغيير بيئته من خلال بناء أعشاش مُعقّدة فوْق سطح الأرض أو في جذوع الأشجار. وبِفَضل اتِّباع نموذج لتقاسُم المهام، أصبح بإمكان هذه الكائنات الصغيرة أن تزيد من إنتاجية المجموعة. علاوة على ذلك، طوَّر النمل نهْجاً لتقليل النِّزاعات والحَدّ من انتشار الطفيليات داخل صفوفه"، كما يشرح كيلر، الذي يضيف: "حتى أن هناك نمْل يقوم بمهمّة ‘الشرطة’، ويتولّى طرد العناصر الاتكاليَّة والطفيلية أو القضاء عليها، بسبب إضرارها بأداء التنظيم العام، كأن تتصرّف بأنانية مُفرطة على سبيل المثال".

وبحسب أستاذ عِلم الأحياء التطوّري، يتعلَّق الأمر هنا بسلوكيات موجودة لدى الجِنس البشري أيضاً. "لقد قمنا نحن البشر بتشكيل بيئتنا، من خلال تشييدنا للمُدن التي تحمينا من الطبيعة والحيوانات المفترسة. كما أتاح تقسيم العمل، ظهور التخصصات المختلفة، التي أدّت بدورها إلى ارتفاع مستوى الإنتاجية لدينا".

هناك العديد من أوجُه الشّبه بين سلوكيات النمل والبشر، بعضها مُثير للدّهشة. ومن الصّعب تصور أن بعض أعظم الاختراعات البشرية، كانت قد أنْجِزَت من قِبَل هذه الكائنات الصغيرة، التي لا يتجاوز طولها بِضعة ملّيمترات منذ أمد بعيد، يعود إلى نحو 70 مليون سنة.

لوران كيلَّر

ولِد عالم الأحياء السويسري في 28 فبراير 1961 في كانتون آرغاو. وفي عام 1989، حصل على شهادة الدكتوراه في عِلم الأحياءرابط خارجي من جامعة لوزان. وهو خبير في عِلم الأحياء التطوّري ومبادئ الانتقاء الطبيعي. وتتركّز أبحاثه على تحليل التنظيم الاجتماعي للكائنات الحيّة، وبخاصة النمل.

في عام 1996، تم تعيينه كأستاذ في معهد علم البيئة بجامعة لوزان، الذي تولّى رئاسته لاحقاً بعد مُضِي عاميْن فقط وحتى اليوم. وهو عُضو في العديد من اللّجان العِلمية، داخل سويسرا وخارجها، بالإضافة إلى مشاركاته في تحرير العديد من المجلّات العلمية.

حصل على عدّة جوائز، منها جائزة برونر لأفضل أطروحة علمية في جامعة لوزان في عام 1990. وفي عام 2000، كُرِّمَ بجائزة لاتسيس الوطنية المرموقة، تقديراً لإنجازاته العلمية المتميّزة. وفي عام 2010، حصل على الجائزة السنوية للمجلس الأوروبي للبحوث، كما تمّ تكريمه بجائزة مارسيل بونوا، التي سيتِم تسليمها له في حفْل تكريمي يوم 26 أكتوبر الجاري.

وليس للنمل ‘أبقار’ فقط...

ويمكن أن تضم إحدى مُستعمرات النمل، ما يصل إلى 5 مليون نملة. "من أجْل تأمين الإمدادات الغِذائية، إخترع النّمل الزراعة وتربية الحيوان أيضا"، كما يقول لوران كيلَّر. وتقوم بعض أنواع النمل باستزراع الفِطريات ومراقبة نموّها، بواسطة الأنزيمات. كذلك، يحتفِظ النمل بحشرة المَن (نوع من الحشرات الصغيرة التي تتغذّى على عصارة النباتات)، التي يقوم بنقلها من شجرة إلى أخرى والتي تزوِّده بالمغثر / الندوة العسلية (وهي عبارة عن صمغ تُفرزه هذه الحشرة، له طعم حِلْو كالعسل مليء بالأحماض الأمينية) التي يتغذّى عليها. وفي حالات الطوارئ، يستهلِك النمل حشرة المَن "تماما كما يفعل الناس مع الأبقار، حيث يشربون حليبها ويأكلون لحمها"، وِفق خبير النمل.

بدورها، تشكّل طريقة التواصل بين النّمل والنَهج المُتَّبع في البحْث عن الطعام، مَصدَر إلهامٍ للكثير من الباحثين التِّقنيين، الذين إتّخذوا من سلُـوك هذه الحشرة، نموذجاً لإدارة شبكات المعلومات المُعقّدة. "هناك برامج معلوماتية وُضِعَت استِنادا على سلوك النمل. وبمقدور هذه البرامج حلّ مشاكل ‘بائع متجوّل’، بمعنى تحديد أسرَع مسار للوصول إلى عدد من الأهداف المختلفة"، بِحَسَب كيلَّر.

وبالنسبة لأخصائي عِلم الأحياء التطوّري في جامعة لوزان، يشكِّل العمر الإفتراضي لهذه المخلوقات الصغيرة، واحداً من أكثر الجوانب إثارة للاهتمام في دراسة النمل. فبعض أنواع النمل قد يصل إلى عُمر 30 عاما. ووِفقاً لكيلَّر "يزيد هذا بـ 100 مرة عن متوسّط عمر الحشرات!".

"النمل يُمثل نموذجا مثاليا لفهم تطوّر المُجتمعات البشرية" 

أما حماية المَلِكات، فتضْطَلع بها العاملات البسيطات. وهكذا، فإن مخاطر تعرضهِن للهجوم، يقل كثيراً. وقد سمح هذا الأسلوب الآمن والمحمي في العيش بإنشاء آليات تساهِم في إبطاء عملية الشيخوخة. ووفقا لكيلر "يتعلق الأمر بنموذج جيد يساعد على فهْم عملية الشيخوخة عند البشر".

ومن خلال بحوثه هذه، أراد عالم الأحياء ذو الخيال الخصب والغريب الأطوار بعض الشيء - وهذا لا ينطبِق على قميصه الأخضر الزّاهي فقط! - تجاوز حدود البيولوجيا أيضاً. وهكذا، قام وبالتعاون مع المعهد التقني الفدرالي العالي في لوزان، باختبار برامج كمبيوتر تعتمِد على سلوك النمل. "لقد وجدنا أن مبادئ الانتقاء الطبيعي، لها دور فعّال في الروبوتات أيضا. وعندما تعمل هذه الكمبيوترات معا، فإنها تكون أقوى بكثير ممّا هي عليه عند تشغيلها بشكل فردي"، كما لاحظ كيلَّر.

... ولكن ‘فيسبوك’ أيضاً

وكان لوران كيلَّر أول باحث يقوم بفكّ الشفرة الجينية لنملة النار الحمراء (Solenopsis invictaرابط خارجي) "لقدد تمكّنا من اكتشاف ‘كروموسوم إجتماعي’ زودَنا بمعلوماتٍ حول سبب توفر بعض مستعمرات النمل على ملكة واحدة فقط، في حين يمكن العثور على عدّة ملكات في مُستعمرات أخرى". ومن وجهة نظره، قد يكون هذا الاكتشاف مفيداً جداً في مكافحة الحيوانات التي تعيش في مستعمرات كبيرة، والتي تتسبب بأضرار جسيمة في المحاصيل الزراعية في الولايات المتحدة وأستراليا والصين.

وبالإضافة إلى دراساته بشأن العُمر الإفتراضي لهذه الحشرات الإجتماعية، ركّز كيلّر بحوثه على تقسيم العمل في المستعمرات أيضاً. وفي تجربة استغرقت 41 يوماً، استخدم الباحث ماسِحا ضوئيا لتسجيل الكيفية التي يتِم بها التفاعل داخل المُستعمَرة، أي كيفية القيام بمهمّة ما ومتى وأين. "إنه أشبه بـ ‘فيسبوك’ النمل"، كما يقول.

وقد أثبتت هذه الدراسة التي نُشِرت نتائجها الأولية في مجلة ‘ساينس’رابط خارجي Science (العلوم) في عام 2013، تطوّر سلوك ومَهام النمل مع تقدّمه في العمر. "تضطلع النّملات الأصغر سِناً بمهمّة رعاية البيوض التي وضعتها الملِكة، أما المُتقدّمات أكثر في العُمر، فتهتَم بنظافة العشّ وتوفير المواد الغذائية"، كما يقول خبير النمل. وقد فتحت هذه الملاحظات الدقيقة الآن، جدلاً علمياً حول طبيعة السلوك الثابت للنمل طوال حياته، وحول ما إذا كان عُنصراً وراثياً أو سلوكاً نمَطياً طبيعياً. حيث ينبغي التعرّف حسب الباحث على الكيفية والسبَب الكامن وراء توجّه العمليات بهذا الشكل والنمط الكائن وراء تحديدها بهذه الصورة.

وبعد كلّ هذه الأعوام من البحث والمراقبة، فإن كيلَّر واثِق تماماً بأن النمل يُمثِّل نموذجا مِثاليا لفهْم كيفية تطوّر الحياة إلى النظام المجتمعي. "من المهم معرفة تفاصيل عملية التطور إذا كُنا لا نريد الوقوع في مرحلة غامِضة من العِلم مرّة ثانية. وهذا ينطبق على النمل والبشر على حدٍّ سواء".

جائزة مارسيل بونوا

تَمنَح مؤسسة مارسيل بينوا هذه الجائزة النقدية سنوياً للعلماء السويسريين أو المقيمين في سويسرا. وبحسب وصية المحامي الفرنسي الثري مارسيل بونوا (1864 - 1918) الذي كان يقيم في لوزان والذي أنشأ هذه المؤسسة، تُعطى الجائزة إلى العلماء "الذين توصّلوا خلال العام إلى دراسة أو إختراع أو أكتشاف يحمِل أهمية خاصة للحياة البشرية".

تعتبر جائزة مارسيل بونوارابط خارجي بمثابة ‘جائزة نوبل السويسرية’، وهي تُمنح منذ عام 1920 وتعتبر بالتالي، أقدم جائزة على المستوى الفدرالي. ويتم تعديل قيمة الجائزة بشكل سنوي (وقد بلغت قيمتها 50,000 فرنك سويسري في عام 2015).

وكان بعض الفائزين بجائزة مارسيل بونوا قد حصلوا على جائزة نوبل أيضاً. ومن أمثال هؤلاء بول كارّير (الذي حصل على جائزة نوبل للكيمياء في عام 1937)، ونيلز كاج جيرن (الحاصل على جائزة نوبل للطب في عام 1984) وكورت فوتريخ (الذي كُرِّم بجائزة نوبل للكيمياء في عام 2002).

تتولّى الحكومة الفدرالية إدارة مؤسّسة مارسيل بونوا، حيث كان يترأسها إلى عام 2013 الوزير المسؤول عن الشؤون الداخلية، لتصبح بعد ذلك من مسؤولية وزير الإقتصاد.

swissinfo.ch

×