تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

التبرع بالحياة .. ممكن!

الشاب السويسري ميغيل بالون (زرعت له كلية قبل ثلاثة عشر عاما) تمكن في شهر يناير الماضي من الفوز بميدالية ذهبية في الألعاب الأولمبية الرابعة للأشخاص الذين زرعت لهم أعضاء.

(Keystone Archive)

تعاني سويسرا على غرار معظم البلدان الغربية من قلة عدد المتبرعين بالأعضاء في ظل تزايد عدد المرضى المحتاجين. وعلى الرغم من محاولات المؤسسة الوطنية للتبرع بالأعضاء وزرعها إلا أن المئات من الأشخاص لا زالوا ينتظرون ويعانون في صمت..

عندما تصل درجات الحرارة في برن إلى ثلاثين درجة مائوية وعندما يكون الموضوع متعلقا بمسألة "مزعجة" مثل التبرع بالأعضاء، فان عدد الصحافيين الذين يقررون متابعة المؤتمر الصحفي السنوي لمنظمة "سويس ترانسبلانت" لا يزيد عن أصابع اليد الواحدة!

لكن هذا لا يعني أن الموضوع لا يثير الإهتمام. فالمؤسسة الوطنية السويسرية للتبرع بالأعضاء وزراعتها متعودة منذ تأسيسها في عام خمسة وثمانين على أجواء الصمت والإرتباك التي تلف هذه المسألة المرتبطة بشكل مباشر بالموت!

ويعترف القائمون على "سويس ترانسبلانت" التي تنسق أنشطة زراعة الأعضاء في سويسرا بأنه ليس من السهل إقناع الجمهور بالمبادرة باتخاذ قرار بالتبرع بالأعضاء بعد الوفاة في زمن تطغى فيه الفردية واللامبالاة بمعاناة الآخرين، لكنهم يأملون في أن تساهم وسائل الإعلام بوجه خاص في التوعية بضرورة الإقدام على هذه الخطوة بشكل إرادي وعن اقتناع تام نظرا لارتفاع الطلب وللنجاح المطّرد لعمليات زراعة الأعضاء.

قائمة الإنتظار..

قد لا يستشعر الأصحاء ما معنى أن يكون اسم طفل أو سيدة أو شيخ أو فتاة مسجلا لعدة أشهر أو لبضعة أعوام على "قائمة الإنتظار الوطنية" التي يشرف على إدارتها مجلس المؤسسة! لكن حياة مئات الأشخاص أضحت معلقة اليوم في سويسرا وفي العديد من بلدان العالم بقلب أو رئة أو كبد أو كلى أو أمعاء أو نخاع شوكي من شخص وافق (هو أو عائلته) قبل وفاته.

فالمرضى الذين يحتاجون لاستبدال عضو مريض أو عاجز بآخر سليم في سويسرا تسجل أسماؤهم على قائمة وطنية موحدة يتاح للعاملين في مركز التنسيق وفي مختلف مراكز زراعة الأعضاء الموجودة في مدن بازل وبرن وجنيف ولوزان وسانت غالن وزيوريخ الإطلاع عليها من خلال برنامج معلوماتي خاص.

في المقابل يوضع المرضى الذين تتطلب أوضاعهم الصحية المتدهورة عمليات مستعجلة على قائمة مخصصة للحالات "العاجلة جدا"، ولا تتخذ قرارات توجيه الأعضاء المتوفرة إلا من طرف مركز التنسيق الوطني بما يتطابق مع قواعد التوزيع الصارمة جدا التي وضعتها مجموعات العمل الطبية المتخصصة التابعة لـ "سويس ترانسبلانت".

لكن ما يؤرق المشرفين على هذه المؤسسة اليوم هو النقص الفادح في عدد المتبرعين الحاملين لبطاقة متبرع بالأعضاء أو الذين توافق عائلاتهم على منح أعضائهم بعد الوفاة مقارنة بحجم الطلبات. ففي عام ألفين وواحد كانت قائمة الإنتظار تضم ألفا وثلاثين اسما لكن عدد الأعضاء المزروعة لم يتجاوز 424! بل توفي اثنان وثلاثون شخصا كانوا على قائمة المنتظرين لأنه لم يكن هناك متبرعون أصلا!

ضريبة النجاح!

وفيما تظل سويسرا في مؤخرة الترتيب الغربي في هذا المجال حيث لا تزيد نسبة المتبرعين بالأعضاء فيها عن ثلاثة عشر شخصا على كل مليون ساكن مقارنة باسبانيا التي تصل فيها النسبة إلى اثنين وثلاثين شخص، يرى البرفسور فيليب مورال رئيس اللجنة الطبية للمؤسسة أن دور وسائل الإعلام مهم جدا في تغيير العقليات ووضع حد لهذه الوضعية التي لم يعد من السهل تقبلها.

فالتطور العلمي والطبي الهائل المسجل في مجال زراعة الأعضاء خلال السنوات القليلة الماضية أدى إلى انضمام العديد من المرضى إلى دائرة الأشخاص الذين يمكن شفاؤهم بسهولة من خلال زرع أحد الأعضاء أو استبدال أنسجة بعض الخلايا لكن هذا متوقف على توفر المادة الأولية أي الأعضاء!. لذا تقول الدكتورة تريكس هيبيرلاين رئيسة المنظمة: إننا أصبحنا بشكل أو بآخر ضحية لنجاحنا!

ويحرص المسؤولون في منظمة "سويس ترانسبلانت" الذين يطلقون يوم السبت الثاني والعشرين من يونيو – حزيران حملة وطنية واسعة للتعريف والإقناع بفوائد التبرع بالأعضاء، على التأكيد على ثلاث نقاط جوهرية. إذ يؤكدون على أن سويسرا تعتبر اليوم من بين الدول العشر الأوائل عالميا في مجال زراعة الأعضاء على الرغم من أنهم يعملون بشكل تطوعي مستقل منذ ثمانية عشر عاما في غياب أي إطار قانوني ودون الحصول على أي دعم مادي من السلطات الفدرالية.

ويشدد البرفسور موريل رئيس اللجنة الطبية للمنظمة على أنه – وعلى عكس ما تناقلته وسائل الإعلام الدولية في بعض المناسبات عن قضايا الإتجار بالأعضاء البشرية في مناطق أخرى في العالم - لم تسجل أي فضيحة أو تجاوز في عمل سويس ترانسبلانت منذ تأسيسها بفضل الصرامة الشديدة التي تنتهجها في طريقة عملها.

هنا تكمن المشكلة

من جهة أخرى، سلطت الندوة الصحفية السنوية للمنظمة يوم الثلاثاء في برن الأضواء على جانب آخر من الإشكالية التي تواجه عمليات زرع الأعضاء في سويسرا.

ففي الوقت الذي تستعد فيه الحكومة لعرض قانون جديد مثير للجدل على البرلمان الفدرالي بهدف تنظيم عمليات زرع الأعضاء، حرص البروفسور موريل في تصريحات لسويس إنفو على التذكير بأن أي محاولة لتحويل هذا النشاط التطوعي الممارس منذ عام خمسة وثمانين إلى عملية بيروقراطية معقدة لن يساعد على شفاء المزيد من المرضى أو إقناع المزيد من السويسريين بالتبرع بأعضائهم.

وانتقد بشدة رفض الحكومة الفدرالية والجهات الرسمية بشكل عام تقديم أي شكل من أشكال المساعدات إلى هذا الميدان – وخاصة في مجالي التوعية والإعلام - الذي لا يقل عدد المعنيين به عن المصابين بأمراض أخرى مثل الإيدز – سيدا أو الإدمان على المخدرات. وكشف بالأرقام الموثقة أن التكلفة الإجمالية لزراعة كلية جديدة لمصاب بالفشل الكلوي مثلا تقل بكثير عن المصاريف الإجمالية لعلاج مريض آخر تضطر التأمينات الصحية لتسديد نفقات علاجه وإقامته في المستشفي إلى حين ..وفاته!

ومع تزايد نجاح عمليات زرع الأعضاء التي بدأها الدكتور فورونسكي في الإتحاد السوفياتي في عام ثلاثة وثلاثين وتسع مائة وألف وتوسعها الكبير حيث أصبحت تشمل اليوم المتبرعين الأحياء في حالات محددة والأعضاء الحيوانية وزراعة أنسجة الخلايا والأعضاء الإصطناعية، ارتفع عدد المرضى الذين تمكن معالجتهم لكن سويسرا لا زالت تفتقر إلى سجل معلوماتي موحد بأسماء الأشخاص الذين قرروا التبرع بأعضائهم!

وفي انتظار أن تتجاوز نسبة الأشخاص الواعين بأهمية هذا الموضوع الخمسة عشرة في المائة (حاليا) من سكان سويسرا، آختار المشرفون على المؤسسة الوطنية للتبرع وزراعة الأعضاء التركيز في شعار الحملة الجديدة التي تنطلق في اليوم الوطني للتبرع بالأعضاء على جانب التطوع و"الهدية".

صحيح أنه "بإمكانك منح حياة جديدة أو الحصول على حياة جديدة" -مثلما يقول شعار الحملة لعام ألفين واثنين- إذا ما اتخذت قرارا بالتبرع بعضو واحد (أو بأكثر من عضو) من جسدك قبل الوفاة أو بعدها، لكن القبول بالتبرع بالأعضاء يعني أيضا القبول بالموت ! مثلما يقول الدكتور فيليب موريل... وهنا تكمن المشكلة!

كمال الضيف – برن


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×