تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

التشدد السويسري قد يدفع صانع القرار في طرابلس إلى "الإفصاح عن موقفه"

الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي في صورة التقطت له في روما يوم 12 يونيو 2009

(Keystone)

يرى الخبير العربي حسني عبيدي، مدير معهد بحوث العالم العربي وحوض البحر الأبيض المتوسط في جنيف، أن إقدام سويسرا على تشديد مواقفها تجاه الجماهيرية، بعد فشل المحاولات الدبلوماسية والإعتذارات في إعادة المواطنين السويسريين المحتجزين في ليبيا، وسيلة "لإخراج صانع القرار في ليبيا من دور الإختباء وراء الحكومة الليبية والإفصاح علنا عن نياته في هذه القضية".

عرف ملف العلاقات الليبية السويسرية تطورات متسارعة خلال الأيام الأخيرة بعد فشل محاولات التهدئة وتقديم الإعتذارات التي قام بها رئيس الكنفدرالية هانس رودولف ميرتس والتي لم تسفر لحد اليوم عن الإفراج عن المواطنين السويسريين المحتجزين في ليبيا منذ أكثر من 15 شهرا.

هذا التشدد في موقف السلطات السويسرية جاء أولا على لسان رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب السويسري الذي طالب الحكومة باتخاذ إجراءات تشدد في منح تأشيرات الدخول للرعايا الليبيين الراغبين في الدخول الى سويسرا في الوقت الذي ذهبت فيه أطراف سياسية إلى حد المطالبة بضرورة قطع العلاقات مع طرابلس بسبب عدم تطبيق السلطات الليبية للإلتزامات التي قطعتها على نفسها وخاصة مسألة الإفراج عن رجلي الأعمال السويسريين.

وبعد يوم من ذلك، جاء قرار الحكومة الفدرالية بالإعلان عن تجميد تطبيق اتفاق تطبيع العلاقات المبرم مع الحكومة الليبية في 20 أغسطس 2009 والذي حدد مهلة تنتهي يوم 20 أكتوبر لبداية تنفيذ بنود الإتفاق.

لمعرفة أسباب هذا التحول وتداعياته، أجرت swissinfo.ch الحوار التالي مع الدكتور حسني عبيدي، مدير معهد جنيف لبحوث العالم العربي وحوض البحر الأبيض المتوسط.

swissinfo.ch: ماهي قراءتك لأسباب هذا التصعيد وهذا التشدد الذي تنتهجه الحكومة السويسرية اليوم؟

د. حسني عبيدي: هذا التصعيد وهذه اللهجة الجديدة في خطاب وزارة الخارجية وفي خطاب الحكومة الفدرالية هما أولا وقبل كل شيء مؤشر على خيبة أمل الحكومة السويسرية في إيجاد حل بالطرق السلمية مع الجماهيرية الليبية. وهي كذلك مؤشر على فشل المقاربة التي اعتمدها المجلس الفدرالي (الحكومة الفدرالية) مع ليبيا الى حد الساعة. وهذا يعني ان المقاربة القديمة فشلت في الوصول الى حل، ليس فقط تطبيع العلاقات الدبلوماسية وإعادتها الى ما كانت عليه قبل 15 يوليو 2008 (يوم توقيف نجل الزعيم الليبي هانيبال القذافي في جنيف وزوجته بسبب سوء معاملة خادمين عربيين)، ولكن كذلك عودة المحتجزين السويسريين في طرابلس.

والأهم من ذلك هو بيان المجلس الفدرالي يوم الأربعاء (4 نوفمبر 2009)، والذي يحمل دلالتين: الدلالة الأولى هي أنه لأول مرة يقوم الناطق الرسمي باسم الحكومة بقراءة هذا القرار وهذا يدل على أن المجلس الفدرالي (أي الحكومة السويسرية) رغب في إعطاء إشارة الى أن هناك وحدة في الموقف لدى المجلس الفدرالي وليس كما كان عليه الحال من قبل من تقاسم أدوار بين دائرة ميرتس (رئاسة الكنفدرالية) ودائرة ميشلين كالمي - ري (وزارة الخارجية).

والنقطة الثانية هي ما جاء في هذا البيان من رسالة واضحة على مستويين: المستوى الأول وهو إعلان توقيف تطبيق اتفاق 20 أغسطس وليس إلغاؤه. وهذه رسالة موجهة الى الحكومة الليبية باعتبار أن الاتفاق أبرم بين رئيس الكنفدرالية السويسرية ورئيس الحكومة الليبية. والنقطة الثانية هي التشدد في منح التأشيرات وهي ليست موجهة الى الحكومة الليبية وإنما موجهة مباشرة إلى صانع السياسة في الجماهيرية أي العقيد معمر القذافي وأسرته، وخاصة أن المعلومات الآتية من طرابلس تقول أن الملف (يُوجد) الآن بين يدي نجل العقيد القذافي. وأعتقد أن الحكومة الفدرالية قد تكون اهتدت الآن إلى مقاربة قد تعطي نتائج تكون أكثر فعالية من المقاربات التي اعتمدتها من قبل.

وهل تعتقد بأن هذه المقاربة التصعيدية قد تثني القيادة الليبية وتدفعها الى التسريع بإيجاد حل للأزمة؟

د. حسني عبيدي: هذا هو التساؤل المهم. وأعتقد أن ما تريده سويسرا، رغم أنها لم تعلن عنه، هو إخراج صانع القرار في ليبيا (أي الزعيم الليبي معمر القذافي) من دور الحكم الى دور المفاوض، لأن المفاوضين إلى حد اليوم كانوا ممثلي الحكومة الفدرالية السويسرية والحكومة الليبية.

لكن الآن ثبت لبرن، أن الحكومة الليبية مع الأسف لم تحترم فقط الإتفاق الذي تم توقيعه في طرابلس وإنما لم ترد حتى على كل طلبات سويسرا. ولذلك رأينا كيف أن الحكومة السويسرية اصبحت اليوم تبحث فقط عن معلومات تتعلق بالمحتجزين وليس حول كيفية تطبيق الاتفاق. وهذا يعتبر ضغطا إعلاميا وسياسيا على السلطات أجبرها على التحرك في هذا الإتجاه.

والهدف كما قلت هو فصل القضيتين: قضية المحتجزين ببعدها الإنساني، وقضية التفاوض السياسي وعودة العلاقات الدبلوماسية إلى ما كانت عليه بين البلدين، وإخراج صانع القرار في ليبيا من دور الإختباء وراء الحكومة الليبية والإفصاح علنا على نيته في هذه القضية.

ثم أن تتبنى قضية المحتجين منظمات المجتمع المدني. ورأينا كيف أن منظمة العفو الدولية تحركت في هذه القضية (أرسلت خطابا للسلطات الليبية تستفسر فيه عن وضع المحتجزين السويسريين)، وكيف أن الإعلام بدأ يتحرك وبدأ يتبنى هذه القضية حتى يخف الضغط على الحكومة السويسرية، ويكون لديها مزيد من الحرية للتفرغ للقضايا السياسية.

هل تعتقد بأن إقدام السلطات الليبية، أيا كانت، على اتخاذ قرار "احتجاز الرهينتين السويسريتين في مكان مجهول" كما يسمى في عرف الخارجية السويسرية، قد أفقد ليبيا المصداقية التي لربما كانت مقبولة من قبل في الدفاع عن مواقفها؟

د. حسني عبيدي: رسميا الجماهيرية لم تشر لا من قريب ولا من بعيد الى قضية المحتجزين. فقضيتهما ليست مدرجة لا في الاتفاق الموقع بين الكنفدرالية السويسرية والجماهيرية الليبية، ولا حتى في الإتصالات العلنية. لكن المهم في القضية أن المحتجزين السويسريين كانا في السفارة السويسرية أي أنهما كانا ورقة في صالح الحكومة السويسرية لأنها كانت دوما تشترط عودة العلاقات السويسرية الليبية إلى وضعها الطبيعي بعودة المحتجزين الى سويسرا. لكن الجماهيرية انتبهت الى هذه النقطة، وبإبعادها الرهينتين السويسريتين من السفارة السويسرية أصبحت هذه الورقة في يد النظام الليبي وليس في يد الحكومة السويسرية وهذا ما دفع الى هذا التغير المفاجئ في خطاب السلطات السويسرية وفي طريقة تصرفها تجاه النظام في طرابلس.

ولكن ألا يمثل ذلك نقطة سلبية بين أيدي السلطات الليبية؟

د. حسني عبيدي: ستتحول الى نقطة سلبية عندما تتبناها منظمات المجتمع المدني وعندما تصبح قضية عادلة، قضية احتجاز شخصين بريئين واستعمالهما كرهائن أو استخدامهما في أية مقايضة. هنا ستصبح نقطة سوداء بالنسبة للجماهيرية الليبية ربما تذكر بالسنوات السوداء في تاريخها خاصة وأن العديد من الأصوات طالبت بأن تُدرج بعض أسماء القيادات الليبية سواء لدى البوليس الدولي "أنتربول"، أو لدى الحكومات الأجنبية. وهذه نقطة قد تسبب حرجا للقيادة الليبية لأنها لا تريد العودة إلى هذه السنوات السوداء بعد الجهود الكبيرة من أجل تبييض وجهها، وتأهيلها دوليا. إذن هي في غنى عن دعاية من هذا القبيل.

تطرقت إلى منظمة العفو الدولية ورسالتها إلى السلطات الليبية. هناك من يتحدث عن إمكانية اللجوء أيضا إلى المحافل الأممية لحقوق الإنسان، مثل لجنة الإختفاء القسري أو غيرها لممارسة مزيد من الضغط ؟

د. حسني عبيدي: أعتقد أننا انتقلنا اليوم من مخطط ألف الى مخطط باء، وهو التصعيد في الموقف، وخطاب أكثر شدة. سويسرا كما تعلمون لا تريد أن تكشف عن كل الأوراق لكن يمكن القول أن هناك العديد من البدائل المطروحة الآن على الحكومة السويسرية، ولو أنه تجب الإشارة إلى أن سويسرا أبقت الباب مفتوحا. وهذه نقطة مهمة جدا.

فسويسرا مستعدة لعودة الى باب المفاوضات ولذلك لم تلغ الاتفاق كما طالب بذلك حزب الشعب السويسري. ومن هذا المنطلق يمكن القول أن الموقف الحالي صحيح صارم ومتشدد مقارنة مع الموقف السابق ولكنه يبقى في النهاية موقفا معتدلا وموقفا يراعي التوافق بين مختلف الأوساط الفاعلة في سويسرا، ولا يمكن اعتباره موقف إعلان حرب بل يريد أن يقول إن سويسرا سئمت الإنتظار وأن لديها تحديات داخلية ولا بد أن ترد على الأقل على من يطالبون بضرورة اتخاذ موقف صارم.

صحيح أن هناك خطوات قضائية يمكن إتخاذها مستقبلا. ولكن الأجدى بسويسرا أن لا تكون السباقة الى اتخاذ هذه الإجراءات لأن الهدف الحالي للدبلوماسية السويسرية هو أن تنأى بنفسها عن الدخول في نقاش مباشر مع الجماهيرية، لأن قوة النظام في الجماهيرية الليبية كان دائما يحتمي سواء بوزارة الخارجية الليبية أو بالوزير الأول. وبفصل القضيتين اليوم تصبح قضية الرهائن قضية قانونية أي تتبناها منظمات غير حكومية. ومن غير المستبعد أن تطرح القضية، إذا لم يأت رد من قبل السلطات الليبية، أمام محافل دولية سواء مجلس حقوق الإنسان الموجود في جنيف أو من خلال لجنة الاختفاء القسري (التابعة للأمم المتحدة).

وهناك من يطالبون بمبدأ الكفاءة القضائية (الولاية القضائية) في حال ثبوت مسؤولية النظام الليبي عن اختفاء المواطنين السويسريين. وهو ما يترتب عنه مطالبة كل الدول الموقعة على المعاهدات الدولية (ذات العلاقة) بتفعيل تلك المعاهدات من أجل متابعة كل الأشخاص المورطين في ذلك (الأمر).

هل يعني هذا التشدد إلغاء للتدخلات التي كانت تتم من قبل الأوساط الاقتصادية لمحاولة إيجاد حل مغاير لما هو مقترح من قبل وزارة الخارجية، خصوصا وأن تقارير إعلامية تحدثت عن زيارة سرية قام بها مؤخرا مبعوث للزعيم الليبي مقرب من الأوساط الاقتصادية إلى جنيف لمحاولة إيجاد مخرج للأزمة؟

د. حسني عبيدي: أعتقد بأن النقطة المهمة هي ضرورة تدخل الحاكم الفعلي في ليبيا وليس منفذ السياسة، لوضع حد لمأساة المحتجزين السويسريين ولتطبيع العلاقات بين البلدين. كما أن الموقف السويسري إذا كان لينا ومعتدلا حتى اليوم فذلك راجع لضغط الأوساط الاقتصادية واللوبيات (جماعات الضغط) الموالية لها والتي لم ترغب في إفساد العلاقات الاقتصادية مع الجماهيرية الليبية نظرا لكونها سوقا واعدة وسوق المستقبل. وهذا ما جعل الحكومة السويسرية تمعن النظر في أية خطوة تتخذها، وجعلها تصرف النظر سابقا عن اتخاذ مواقف متشددة، لكنها كانت تتعرض يوميا لضغوطات من جانب شركات اقتصادية كانت تحاول أن تستخدم الوسائل السلمية والدبلوماسية وحدها في التفاوض مع الجماهيرية الليبية.

swissinfo.ch – محمد شريف - جنيف

تسلسل الأحداث في الأزمة بين ليبيا وسويسرا

15 يوليو 2008: توقيف هانيبال القذّافي أحد أبناء الزعيم الليبي معمر القذافي وزوجته الحامل في شهرها التاسع بفندق فخم بجنيف على إثر اتهامهما من قبل اثنين من الخدم الخاص بسوء المعاملة والضرب.

17 يوليو 2008: إطلاق سراح الزوجين بعد يومين من الاعتقال.

19 يوليو 2008: السلطات الليبية توقف شخصين سويسريين بتهم مزعومة تتعلق بعدم احترامهما قوانين الإقامة والهجرة وغيرها.‏

23 يوليو 2008: ليبيا تهدد بوقف الإمدادات النفطية إلى سويسرا.

26 يوليو 2008: ليبيا تطالب سويسرا بالاعتذار ووقف الملاحقة الجنائية لنجل القذافي وزوجته.

29 يوليو 2008: الإفراج عن السويسريين المعتقلين، مقابل دفع كفالة مالية لكن السلطات رفضت السماح لهما بمغادرة الأراضي الليبية.

5 أغسطس 2008: المتحدث باسم الخارجية السويسرية يعلن أن "طرابلس تشترط تقديم اعتذارات عن الطريقة التي تمت بها معاملة هانيبال القذافي وزوجته لدى اعتقالهما يوم 15 يوليو الماضي في جنيف".

20 أغسطس 2009: رئيس الكنفدرالية هانس -رودولف ميرتس يقدم اعتذاره للسلطات الليبية في ندوة صحفية في طرابلس ويوقع على اتفاق مع رئيس الوزراء الليبي البغدادي علي المحمودي لحل الأزمة.

25 أغسطس 2009: توجهت طائرة تابعة لسلاح الجو السويسري إلى ليبيا بعد الحصول على موافقة السلطات من أجل إعادة المواطنين السويسريين المحتجزين، لكنها عادت يوم 31 أغسطس بدونهما.

22 أكتوبر 2009: بعد يومـين من انقضاء مهلة الستين يوما لتطبيع العلاقات بين برن وطرابلس، رئيس الكنفدرالية هانس-رودولف ميرتس ووزيرة الخارجية ميشلين كالمي-ري يعبران في مؤتمر صحفي عن غضبهما إزاء "رفض (ليببا) المنهجي" للتعاون لتسوية الأزمة الدبلوماسية بين البلدين.

2 نوفمبر 2009: لجنة السياسة الخارجية في مجلس النواب السويسري تُـطالب بمنع الرعايا الليبيين من دخول سويسرا.

4 نوفمبر 2009: الحكومة السويسرية تقرر تعليق العمل باتفاق 20 أغسطس وتعلن عن مزيد من التشدد في منح تأشيرات الدخول إلى المواطنين الليبييين.

نهاية الإطار التوضيحي


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


The citizens' meeting

المؤتمرات البلدية في ربوع سويسرا

تابعُونا على تلغرام

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك