تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

الثورات العربية وحقوق الإنسان "الشعوب التي ثارت ضد الطغيان لا يمكن أن تقبل عودة أنظمة جائرة"

"الثورة تعود من جديد" كانت ضمن الشعارات التي رددها نشطاء مصريون تظاهروا ضد الجيش وضد الإخوان المسلمين في محافظة الجيزة يوم 30 أغسطس 2013

(Keystone)

بعد تجارب تونس ومصر وليبيا، واليوم سوريا، هل أثرت ثورات الربيع العربي سلبا على مسيرة حقوق الإنسان في المنطقة العربية. تساؤل طرحته swissinfo.ch على السيد فرج فنيش، المسؤول عن المنطقة العربية بالمفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة.

أثارت ثورات الربيع العربي في بدايتها الكثير من التفاؤل لأن الشعوب المنتفضة، طالبت فيها أولا وقبل كل شيء، بالحقوق والكرامة. ولكن ما آلت إليه الأوضاعُ في العديد من هذه البلدان يطرح العديد من التساؤلات حول ما تبقّى من تلك الطموحات - على ضوء ما يحدث على أرض الواقع، سواء في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن والبحرين - وحول مدى تأثير هذه الظروف على مكاسب تمَّ تحقيقها من قبل في مسيرة حقوق الإنسان المتعثرة في منطقة عانت من انتهاكات كثيرة، تارة بسبب تصرفات حُكامها، وتارة أخرى بسبب المُخططات التسلطية الخارجية.

الحوار التالي مع السيد فرج فنيش، رئيس قسم المنطقة العربية بمكتب المفوضة السامية لحقوق الإنسان، يسلط الضوء على جملة من المحاور المرتبطة بتقييم الساهرين على حقوق الإنسان للأوضاع الراهنة، ومحاولتهم الإجابة على التساؤلات المطروحة.

swissinfo.ch: من خلال متابعتكم لما جرى ويجري في المنطقة العربية منذ بداية ثورات الربيع العربي، كيف تقيّمون الأوضاع في المنطقة من منظور احترام حقوق الإنسان والحريات. هل نحن أمام تراجع وتقهقر، أم هي مُجرد هزّات ارتجاجية سرعان ما قد تترك مجالا للإستقرار ومواصلة مسيرة حقوق الإنسان في المنطقة؟

فرج فنيش: منذ انطلاقة الأحداث في تونس، وانتقالها إلى باقي البلدان العربية فيما يُسمى بثورات الربيع العربي، أكدت المفوضية السامية لحقوق الإنسان على أن لكل بلد خصوصياته، وأن مسار التغيير ليس مسارا مُستقيما، ولن يكون كذلك باعتبار أن لكل بلد خصوصياته. بطبيعة الحال، تتعرض هذه الثورات إلى انتكاسات، وهذا أمر طبيعي نتيجة للتجربة ولطبيعة الفاعلين في الميدان، ونتيجة للصراعات الداخلية، وللتدخلات الخارجية أيضا.

صحيح أن الثورات انطلقت من مبادئ أو شعارات ملموسة وواضحة، باعتبار أنها استجابة لواقع الشارع وواقع من قاموا بهذه الانتفاضات. ولكن هذه الثورات كانت عفوية وبدون قيادات، ما دفع بالقيادات السياسية المتنازعة إلى محاولة كل منها اغتنام الفرصة لسد الفراغ في السلطة بعد هروب بعض القيادات أو بعد إسقاط الأنظمة. ولا نعتقد بأن هناك انتكاسة في حد ذاتها، بقدر ما هي صعوبات تعترض هذه التجربة الفتية. وإذا ما نظرنا إلى الأمور من مستوى الشعوب، ومن زاوية التاريخ، فإن ذلك يعني أننا نواصل السير في الاتجاه الإيجابي رغم الصعوبات. 

فهذه الثورات لم تقم من أجل حقوق الإنسان كفكرة، بل إن حقوق الإنسان كانت في قلب هذه الثورات، وهذا ما تمّ ترديده في الشعارات. وقلنا في حينها إن حقوق الإنسان يجب أن تكون في صُلب الإصلاحات التي سيتم إدخالها على الأنظمة. ولكن للأسف الشديد ليس هذا ما يحصل اليوم. لكن لدينا قناعة بأن الشعوب قادرة على تصحيح المسار، ومواصلة هذا التوجه من أجل الكرامة، والحرية، والعدالة الاجتماعية، وغيرها من المبادئ الأساسية الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والتي كانت من بين الشعارات التي رفعها ملايينُ الأشخاص في شتى البلدان.

لكن يجب أن نشير إلى وجود عامل آخر كان له تأثير سلبي، وهو التدخل الأجنبي في المنطقة العربية وخارجها. فهناك قوى من خارج المنطقة العربية حاولت أن تلعب دور المُوجه أو دور الوصيّ على هذه التجربة، نظرا لعراقة الديمقراطية فيها، وهذا خطأ لأن الهدف من هذا التدخل الأجنبي لم يكن مساعدة التجربة لكي تنجح بقدر ما أنها كانت لإخضاع هذه التجارب إلى مصالحها: مصالح الصراعات بين القوى، المصالح الإقتصادية والإجتماعية، والتموقع، أي من هي القوة التي ستفوز أو تملأ الفراغ.

وحتى القوى الداخلية في المنطقة العربية، هناك منها من كان متخوفا من هذا التغيير الذي سيسمح للشعوب بأن تتحكّم في مصيرها نظرا لهشاشة الشرعية التي ترتكز عليها تلك الأنظمة أو تلك القوى. وهو ما أدى بها إلى القيام بدور سلبي في مسار هذه الثورات. لكن التقييم العام يبقى أنها ليست انتكاسات بقدر ما هي مصاعب تعترض شعوبا تحاول استعادة تحكّمها في مصيرها وسيادتها وفي قرارها الوطني.

وهل هذه الوضعية خلقت لكم في المفوضية السامية لحقوق الإنسان مشاكل في كيفية التعامل مع هذه المتغيرات وهذه الأوضاع المتقلبة، وفي تقييم ذلك من حيث مُطابقته أم للمعايير والمبادئ؟

فرج فنيش: من الطبيعي أن تنظر مفوضية حقوق الإنسان إلى الأشياء من وجهة نظر حقوق الإنسان، لا غير. فلو نتحدث عن الأوضاع في تونس، أو ليبيا، أو سوريا، أو مصر الآن، فلدينا تخوفات بطبيعة الأمر. وقد عبّرنا عنها مرارا. فما يحدث في سوريا خطير جدا، نحن هنا أمام حرب أهلية. فالاتهامات بخصوص انتهاكات حقوق الإنسان تُوجه اليوم للنظام الحاكم ولعدد من القوى المسلحة المعارضة، وبالتالي فإن مطالب الشعب السوري الذي انتفض في درعا للمُطالبة ببعض الإصلاحات الديمقراطية، ضاعت ما بين مصالح النظام الحاكم الذي لا يستمع إلى شعبه، وقوى مسلحة جديدة أكثرها من خارج البلاد، ولديها أجندات وأهداف لا تمتُّ بصلة إلى الأهداف التي انطلقت من أجلها الثورة، وهذا فيه خطورة كبيرة على حقوق الإنسان.

وفي حالة سوريا بالخصوص، لدينا مخاوف جدية بخصوص مستقبل حقوق الإنسان، نظرا لتواجد مجموعات مُسلحة لا تؤمن بالمبادئ الديمقراطية وبحقوق الإنسان. لذلك، هناك تخوف من وقوع مزيد من اللإنتهاكات الخطيرة في المستقبل.

أما فيما يتعلق بمصر وباقي البلدان، فإننا كُنا منذ البداية واعين بتواجد قوى على الساحة، تتخالف مواقفها وتوجهاتها للمبادئ العالمية لحقوق الإنسان. وكمفوضية سامية لحقوق الإنسان، نحترم ما يحدث من تغيرات داخل مجتمع معين، لكن سنحكم على هؤلاء من وجهة نظر مدى احترامهم أو لا لمبادئ حقوق الإنسان. وفيما يخص مصر، عبرنا منذ تولي الرئيس محمد مرسي للسلطة عن العديد من التخوفات. وبلّغنا إلى رئاسة الجمهورية ملاحظاتنا حول مشروع الدستور مثلا، واستقلال القضاء، ومؤسسات الدولة والإتفاقيات الدولية. وهذا مُوثَّق. ولكن لم يكن هناك أيّ إصغاء أو استجابة لهذه الملاحظات. وما بلغناه هو أيضا ما بلغَته العديد من المنظمات الحقوقية الدولية والمصرية حول الإنحراف على مسار الثورة من منظور حقوق الإنسان، ومن ناحية القانون وحكم القانون.   

كما أن البحرين التي مرت بما يمكن أن يكون نفس التجربة، ورغم شجاعة القرار الملكي بتبني نتائج لجنة التحقيق حول الإنتهاكات الخطيرة التي حصلت في عام 2011، من المؤسف أنها لم تتمكن من إفراز وضع جديد يسمح بالتعايش بين كل مكونات المجتمع البحريني، ويسمح بالعيش تحت طائلة احترام القانون والمساواة بين الجميع. نحن نتابع التطورات في البحرين، خاصة الإبقاء على العديد من المساجين رهن الإعتقال رغم توصيات لجنة التحقيق. كما لم تكن هناك أية محاسبة جدية لمن كان سببا أو مسؤولا عن الإنتهاكات الخطيرة التي ارتُكبت هناك.  

هل هناك جهات في هذه الأنظمة الجديدة التي ظهرت بعد ثورات الربيع العربي حاولت الإستعانة باستشارة من المفوضية السامية لحقوق الإنسان في بناء مؤسساتها على أسس القانون وتفادي السقوط في أخطاء نقص التجربة؟

فرج فنيش: التجربة التي تمت مع مكتب المفوضية في تونس كانت جيدة جدّا في مجال العدالة الإنتقالية، وحتى في مجال مشروع الدستور نفسه. وهناك جملة من المواضيع الأخرى مثل التعاون من أجل إعادة بناء المؤسسة الأمنية على أسس حقوق الإنسان، وأيضا في مجال القضاء.

كما أن التجربة في اليمن هي جيدة جدا بحيث كان هناك تعاون واستشارة في العديد من الميادين، مثل الدستور والعدالة الانتقالية. ونحن نعتز بهذه العلاقة سواء مع اليمن أو تونس، لأنها فتحت حوارا أفضى إلى نتائج إيجابية، وإلى مساعدة الأطراف على التفاهم حول أرضية ومرجعية حقوق الإنسان.

وفي ليبيا حيث لدينا مكتب، نتعاون من خلال بعثة الأمم المتحدة لمساعدة ليبيا، لكن الوضع في هذا البلد أصعب مما هو عليه في اليمن وتونس. في مصر وللأسف الشديد، وهذا يجب أن نقوله، لم يكن لا نظام حسني مبارك متفاعلا بشكل إيجابي مع المفوضية السامية لحقوق الإنسان، شأنه شأن حكم العسكر وحكم الرئيس محمد مرسي.

أما فيما يخص السلطات الجديدة التي أعلنت عن خارطة طريق طموحة وواعدة، لنا أمل في أن تلتزم بطريقة تعاون جدية مع المفوضية السامية لحقوق الإنسان لأن ذلك في صالح مصر وشعبها. وعلى هذه السلطات أن تشرع بجدية في تطبيق مسار عدالة انتقالية تسمح بتحديد الحقيقة حول الانتهاكات التي حدثت، يجب أن تنصف الضحايا وعائلاتهم، وأن تنجح في عملية مصالحة وطنية، وأن تُدخل إصلاحات على المؤسسات حتى لا تتكرر تلك الانتهاكات بالمرة. ويُعتبر تنصيب وزير مكلف بالعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية إشارة قوية في هذا الاتجاه.  

كيف تتصورون مستقبل من تجندوا في هذه الثورات لنصرة حقوق الإنسان. هل مازال أمامهم أمل في رؤية بروز أنظمة تجعل من حقوق الإنسان، وحكم القانون واحترام الحريات المعيار الفاصل  والدعامة الأساسية ؟

فرج فنيش: لا مناص من ذلك في اعتقادي. لأن هناك بعض الأمثلة، سواء في تونس أو اليمن، بحيث سارعت هذه الدول إلى الإنضمام لجملة من المعاهدات الدولية، بما في ذلك قانون المحكمة الجنائية الدولية. ننتظر من مصر والسلطات الجديدة فيها أن تنضم بسرعة إلى العديد من الإتفاقيات الدولية، بما في ذلك المحكمة الجنائية الدولية، لأن ما هو مُعلن من قبل السلطات الجديدة في مصر هو تصحيح مسار كان مُناهضا لحقوق الإنسان. فمن المفروض أن تسارع السلطات إلى الإنخراط في مسار حقوق الإنسان. ونحن على استعداد لتقديم الدعم لها. ولا نرى بأن هناك خيارا آخر، لأن أيّ تحرك غيرَ التوجّه نحو احترام حقوق الإنسان سوف لن يعطي أية مصداقية لأيّ نظام مهما كانت قوته، ولن يمَكِّنه من الحصول على الدّعم الداخلي ولا الخارجي.

خُلاصة القول هو أن ما حدث في هذه الانتفاضات هو مسار تاريخي وحتمي، وأن هذه الشعوب التي ثارت ضد الظلم والطغيان لا يمكن أن تقبل عودة أنظمة جائرة أو ديكتاتورية، أو أنظمة حكم الفرد الواحد أو الحزب الواحد. لابُد من توسيع المشاركة، وللجميع، بما في ذلك من ليس في رُزنامته أو في برامجه حقوق الإنسان، لأن التفاعل مع كل هذه المكونات هو الذي يؤدي إلى الإستقرار والتنمية والإزدهار واحترام حقوق الإنسان.            

فرج فنيش يسلط الضوء على ثلاثة محاور

في لقاءات سابقة مع swissinfo.ch، قال فرج فنيش، المسؤول عن المنطقة العربية بالمفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة عن:

 

الانتهاكات في العالم العربي:

"لم أكن أتوقع أن تصل الأمور فيما يتعلق بالإنتهاكات الجسيمة في حق الأطفال في سوريا وفي ليبيا. لم أكن أتصور مستوى العنف الذي يمكن أن يمارسه حاكم أو حكومة تجاه شعبها. قد نتخيل حكومة تقمع وتواجه مسيرة أو مظاهرة، أو تسجن الأفراد لبضعة أيام، هذه ممارسات موجودة في العديد من البلدان ويمكن إصلاحها بسرعة، ولكن أن تواجه مدنيين عُزل بدبابات أو بطائرات، هذا ما لم نكن نتصوره".

دور منظمات المجتمع المدني في ثورات الربيع العربي:

"منظمات المجتمع المدني العربية قامت بعمل كبير قبل ثورات الربيع العربي رغم قمع الأنظمة ونقص التمويل. يمكن القول أن هذا الجهد تضاعف عشر مرات بعد ثورات الربيع العربي. وقد اكتشفنا مثلا في ليبيا أنه لم يكن هناك منظمات غير حكومية معترف بها، ويمكن أن تلعب دورها، وبالتالي لا توجد الثقافة الحقوقية وثقافة المجتمع المدني لأن نظام الحكم هو الذي كان مسيطرا. وهذا ينطبق على العديد من البلدان. لذلك حددت مفوضية حقوق الإنسان ضمن خطتها للسنتين 2012 و 2013 أولوية دعم منظمات المجتمع المدني، ومنظمات حقوق الإنسان بالدرجة الأولى، وفي مقدمتها المنظمات المهتمة بالشباب والمرأة في المنطقة العربية ككل، من أجل دعم قُدراتها في مجال توسيع نطاق ثقافة حقوق الإنسان والتربية في مجال حقوق الإنسان. والأولوية الثانية هي دعم القضاء، خاصة في البلدان التي تمر بمرحلة انتقالية، وهي في حاجة إلى تجربة غير متوفرة في المنطقة، فيما يتعلق بالعدالة الانتقالية، وكيف يمكن معالجة الإنتهاكات السابقة، وكيف يمكن أن نبني عقدا اجتماعيا جديدا على أساس المصالحة، ولكن أيضا على المُساءلة، والمحاسبة، والعدالة، والعدل."

دور الشباب في هذه الثورات:

 

يُولّدون "شعورا بالاعتزاز والفخر، لأن هذه الثورات أعادت الإعتبار للمنطقة العربية والإسلامية. وأعادت كذلك الأمل للأجيال التي قدمت تضحيات لأكثر من أربعين سنة، ولم تر نتائج هذه التضحيات إلا بفضل عمل هؤلاء الشباب. واعتقد أنها كذلك فرصة لإعادة تعزيز موقع العالم العربي على المستوى الدولي من الناحية الحضارية والثقافية. لذلك، لا بد أن يكون المستقبل مبنيا على احترام كامل لحقوق الإنسان. وألا يُسمح أبدا في أيّ بلد من هذه البلدان بالاعتداء على حق الإنسان مهما كانت الأسباب، حتى ولو كانت دينية أو عرقية. يجب أن تكون الحريات والحقوق هي المبدأ وليس الخصوصيات، لا الثقافية ولا الدينية، لأن الخصوصيات يجب احترامها طالما لا تتحول إلى مُبرر للإنتهاكات. وحتى الإسلام قال (ولقد كرمنا بني آدم)".                   

نهاية الإطار التوضيحي

swissinfo.ch


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


The citizens' meeting

المؤتمرات البلدية في ربوع سويسرا

تابعُونا على تلغرام

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك