تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

الجزائر: التدريس باللغة الأمازيغية

اتخذ الرئيس الجزائري قرارا سياسيا بجعل اللغة الأمازيغية لغة تدريس

(Keystone)

قرر الرئيس عبد العزيز بوتفليقة أن تقوم المؤسسات التعليمية الجزائرية ابتداء من العام الدراسي المقبل بتدريس اللغة البربرية.

ويحمل هذا القرار المثير، الكثير من الدلالات والآثار السياسية والاجتماعية داخل الجزائر وفي كامل منطقة المغرب العربي

أعلنت وزارة التربية والتعليم الجزائرية أنها وفرت كل الشروط اللازمة كي تبدأ المدارس الجزائرية بتعليم اللغة البربرية كما تُعلم اللغة العربية واللغات الأجنبية الأخرى.

وأكدت وزارة التربية أنها، ولتسهيل عملية جديدة كهذه، أنشأت "مركز الإعداد اللغوي للأمازيغية"، الذي سيرى النور هو الآخر مع بداية العام الدراسي الجديد، أي بعد خمسة أشهر فقط.

هذا المركز سيقوم بتكوين المدرسين باللغة البربرية في جميع المستويات التعليمية من الطور الابتدائي إلى الطور الثانوي، وسيقوم هذا المركز، حسب المهام المنوطة له، بالمساهمة في صياغة الكتاب المدرسي باللغة البربرية.

وقد رحبت كل التنظيمات الثقافية البربرية والعديد من الشخصيات الثقافية الجزائرية بهذه القرارات الحكومية المثيرة، علما أن أكثرها لم يكن على علم بأن الرئيس الجزائري سيتخذ إجراء كهذا وبهذه السرعة الكبيرة.

الواقع، أن مطلب اعتماد اللغة البربرية كان مطلب الكثيرين منذ الاستقلال عام 1962، غير أن اللغة الأمازيغية نفسها لم تكن محل إثراء أو اهتمام جدي بهدف تدريسها يوما ما في الجزائر.

والبداية مع الحرف البربري نفسه، بأي رسم يُكتب، هل بالخط العربي، أم بالخط اللاتيني، أم بالحرف البربري الأصيل المعروف بـ "التافيناغ"؟

يرى الكثيرون أن إشكالا كبيرا ستقع فيه المؤسسات التربوية الجزائرية، بل وحتى رجال الثقافة أنفسهم، بسبب الخلاف حول كيفية كتابة الحرف البربري، فإن كان عربيا أو "تافيناغيا"،
يمكن وصفه بأنه يُعد على هوية الجزائر ومنطقة المغرب العربي.

أما إذا كُتب الحرف البربري باللاتينية، فمعناه أن منطقة المغرب العربي قد رُبطت بالعالم الغربي من دون ضجيج كبير. وفي حالة حدوث هذا التحول، فإنه الثاني من نوعه منذ تحول الأتراك في عهد مصطفى كمال من كتابة التركية بالحرف العربي إلى الحرف اللاتيني عام 1924.

من ناحيته، يعتمد الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، للتعامل مع هذه الوضعية على ما يُسميه بالأخوة الوطنية والديموقراطية التي يجب أن تسود بين الجزائريين.

وهناك من يعتقد أن الرئيس الجزائري أراد بهذا القرار الضخم إنهاء أزمة كان بإمكانها أن تضر بالوحدة الوطنية. فحسب المفهوم السائد لدى الوطنيين التقليديين، ليس هناك ما يمكن تسميته بالأزمة البربرية في الجزائر.

اعتراف بعد نكران

كل التيارات السياسية من دون استثناء تخالف هذا الرأي، بدءً بأقصى اليسار ووصولا إلى أقصى اليمين، بل وحتى الجماعات المسلحة تعتقد ذلك. فحسن حطاب، أمير الجماعة السلفية للدعوة والقتال، يعترف في بياناته أن البربر ظُلموا منذ الاستقلال، وأن لغتهم وثقافتهم كانت محل مساومة من قبل النظام الجزائري.

معنى هذا، أن الخلاف ليس حول تدريس اللغة البربرية أو الاهتمام بلغة "السكان الأصليين للجزائر"، بل بالطريقة التي ستتم بها عملية كهذه على اعتبار أن المؤسسات التربوية الجزائرية تُعاني الأمرّين بسبب نقص الأموال والتأخر في دفع رواتب المدرسين، بل وفي ندرة الكتاب المدرسي باللغتين العربية والفرنسية، فكيف إذن فُرض قانون تدريس اللغة البربرية؟ من سيتكفل بتمويل أكثر من عشرين مليون كتاب، ودفع أجور آلاف المدرسين؟

من الناحية السياسية، سيكون من الأهمية معرفة كيفية تعامل الرئيس الجزائري مع الخلافات حول تدريس اللغة البربرية تبعا للهجات البربرية المتعددة داخل الجزائر. فتسمية الباب على سبيل المثال، تختلف بين بربر شمال الجزائر وجنوبها وليس هناك قاموس بربري يوحد المصطلحات والأسماء قبل خمسة أشهر عن الدخول المدرسي.

صحيح أن الأكاديمية الفرنسية قد صدر عنها مثل هذا القاموس، لكنه قاموس يرتكز أساسا على لهجة بربر الشمال الأوسط، أي من يُعرفون بالقبائل، وهم وحدهم "تقريبا" من دون سائر بربر الجزائر ممن ينادون بتعليم وتعميم تدريس البربرية.

الإشكال السياسي يكمن في كون لهجة بربر الشمال الأوسط، أي القبائل، ليست محل ترحيب من قبل بقية بربر الجزائر. فهناك الشاوية في شرق وجنوب شرق البلاد، وهناك المزابية
خلف الهضاب العليا مع بداية خط الصحراء، والشلحية، بتسكين اللام، ويقطنون غرب البلاد، وأخيرا هناك قبائل الطوارق التي لا تملك لهجتها العديد من المسميات الحضرية، لأنهم بدو رحل.

هناك بلا شك حقيقة يجب توضيحها، وهي أن بربر الشمال الأوسط، أي القبائل، هم أصحاب النفوذ في أغلب مؤسسات الدولة الجزائرية "من دون استثناء"، في حين أن بقية البربر أقل تواجدا من نظرائهم القبائل داخل المؤسسات الرسمية.

وهؤلاء البربر، أي القبائل، لقوا عناية خاصة من جانب الاستعمار الفرنسي الذي بنى إستراتيجيته على تفرقتهم عن باقي الشعب الجزائري، حيث فرض عليهم وعلى اليهود التقاضي في المحاكم الفرنسية وتُركت بقية الشعب الجزائري تتحاكم أمام القضاة الجزائريين.

أبعاد سياسية وإقليمية

لا يمكن فصل البارحة عن اليوم، واتخاذ قرار هام كتدريس اللغة البربرية، لابد وأن تكون له آثاره على منطقة المغرب العربي، وخاصة على الجارة المغرب، التي عرفت أيام الحماية الفرنسية "الظهير البربري".


ولئن استقلت بلدان المغرب العربي، فإن أغلب الحركات البربرية فيها، وخاصة في الجزائر والمغرب، تنتمي إلى التيار الديموقراطي العلماني، وأغلب أصوله الفكرية " فرنسية المنشأ"، كما أن أغلب رموزه الفكرية فرنسية اللسان.

زد على ذلك العلاقات الوطيدة بين التيارات البربرية في المغرب العربي، وهي في مجملها حركات تعتمد على معارضة النظام القائم، ولكنها مستعدة في نفس الوقت للعمل معه في إطار معين، ونظرتها إلى المجتمع وإلى الحريات أقرب منها إلى التيارات اليمينية الفرنسية منها إلى أي تيار آخر محلي داخل المغرب العربي، وقد استُـعملت في بلد كالجزائر لمواجهة التيار الإسلامي.

كل هذه المعطيات تظهر بشكل جلي أن قرار الرئيس الجزائري بتعليم اللغة البربرية كان قرارا مستعجلا ولم يُبن بأي شكل من الأشكال على نوع من التعاون أو التنسيق مع الجارة المغرب، أو أي بلد آخر في المغرب العربي.

ومهما كانت نتائج قرار تعليم البربرية في الجزائر، فإنه سيؤدي إلى تسخين المطالب البربرية في المغرب، وهي وإن كانت مشروعة من حيث غاياتها اللغوية والثقافية، فإنها تختلف على الأقل في شيء أساسي، وهو قرار المملكة المغربية بكتابة الحرف البربري برسم التافيناغ، على خلاف الجزائر التي قد يكتب "بعض" بربرها لغتهم بالحرف اللاتيني.

وفي حالة عدم استجابة عاهل المغرب الملك محمد السادس لكل مطالب البربر، سيكون من الصعب تصور ردود فعلهم، وهم يعتقدون أن بربر الجزائر قد حققوا أهدافا أهم وأكبر.

ليس من الصعب الفصل بين قرار الرئيس الجزائري والحالة الأمنية المتدهورة في بلاد القبائل منذ عامين، ولا يخفى أثر هذا التوتر على ترشح عبد العزيز بوتفليقة لفترة رئاسية ثانية، ولربما تكون أهم أدوات بوتفليقة في الحملة الانتخابية أنه حسّن الوضعية الأمنية، وأرجع الحقوق المشروعة للقبائل.

هناك من يرى أن البربر وخاصة قبائل الشمال الأوسط، لا تعترف بالضرورة لبوتفليقة بما فعل، لأنه في نظرهم أرجع لهم حقا طبيعيا، وأن أغلب التيارات السياسية في منطقة القبائل
تريد أن ترى انتخابات رئاسية مفتوحة على كل الاحتمالات، تماما كما في الديموقراطيات الغربية.

أمر لا يرتاح له الرئيس بالضرورة، خاصة مع عدم إعلان أي تيار سياسي لحد الآن، ولا حتى حزب بوتفليقة التقليدي، أي جبهة التحرير الوطني على مساندة ترشحه لفترة رئاسية ثانية.

هيثم رباني - الجزائر


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×