الجمعيات "المتمردة" في مرمى النيران

الأستاذ مختار الطريفي رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان Keystone Archive

أصدرت المحكمـة الابتدائيـة بتونس حكما يقضي بـ "تعليق انعقاد مؤتمر الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان المعين لأيام 9 و10 و11 سبتمبر الجاري".

هذا المحتوى تم نشره يوم 08 سبتمبر 2005 - 18:03 يوليو,

كما منعت المحكمة أيضا "أي أعمال تمهيدية أو تحضيرية ترمي إلى عقد المؤتمر في أي تاريخ لاحق إلى حين فض النزاع الأصلي".. وهو ما أثار الإستغراب والتساؤل.. والقلق.

السؤال الذي يطرحه اليوم الكثير من المراقبين للشأن التونسي: لماذا قررت السلطة اتخاذ مثل هذا الإجراء المثير قبل أسابيع قليلة من قمة مجتمع المعلومات التي ستحتضنها تونس ابتداء من يوم 16 نوفمبر القادم؟.

وفي واقع الأمر فإن التنازع بين السلطة ورابطة حقوق الإنسان ليس أمرا جديدا، حيث كانت الاشتباكات بينهما تتجدد منذ عهد الرئيس السابق الحبيب بورقيبة، وتكاد اليوم أن تتحول إلى معركة ثأرية.

فلم يكن من تقاليد الدولة التونسية الحديثة قبول منظمات مستقلة عن الحكم، تعمل من أجل قيام نوع من السلطة المعنوية الموازية أو المضادة. ولولا المناخ الدولي الذي بدأ يتغير منذ الثمانينات فيما يتعلق بحقوق الإنسان، لتمسكت الحكومات العربية - إلى اليوم - برفض الاعتراف بجمعيات حقوقية تراقب سلوكها تجاه مواطنيها.

أسباب الإشتباك

أما عن الأسباب المباشرة التي تقف وراء الاشتباك الأخير بين السلطة والرابطة، فهي تعود إلى رفض عدد من الأعضاء والمسؤولين السابقين في بعض فروع الرابطة لبعض القرارات التنظيمية التي اتخذتها الهيئة المديرة الحالية للمنظمة.

هذه الهيئة بررت تلك القرارات في نص وزعته تحت عنوان "دفاع عن الرابطة: الفصل الثالث "، تضمن استعراضا لما اعتبرته "محاصرة وتعتيما"، وأشــارت إلى أن دمـج عدد من الفروع وحــل أخرى أو تجميدها جــاء استنــادا على "توصية صادرة من المؤتمر الأخير تتعلق بإعادة هيكلة الرابطة" وتنشيطها.

أما المعترضون الذين ينتمون إلى الحزب الحاكم فقد فسروا الأمر في مؤتمر صحفي عقدوه لهذا الغرض، وحظي بتغطية إعلامية واسعة، بأن القيادة الحالية للرابطة "أقصت عددا كبيرا من نشطاء الرابطة لدوافع سياسية، بهدف تحجيم أنصار الحزب الحاكم". وعلى هذا الأساس تقدموا بطعون قانونية إلى القضاء الذي استجاب بسرعة لجميع مطالبهم.

أما الخطوة التالية التي ينوي المعترضون الإقدام عليها مستقبلا فتتمثل في رفع قضية عدلية أخرى من أجل استصدار حكم قضائي يُـنهي الصلاحيات القانونية الممنوحة للهيئة المديرة الحالية واستبدالها بـ "لجنة مؤقتة تتولى حسب اعتقادهم إنجاز المؤتمر بعد إعادة انتخابات هيئات الفروع".

وهذا يعني أن القيادة الحالية للرابطة قد تجد نفسها في فترة قريبة بدون مقر مثلما حصل لها بعد المؤتمر الخامس (الذي عقد في شهر أكتوبر 2000) مما يفتح المجال لجولة أخرى من الصراع السياسي والقانوني للدفاع عن شرعيتها.

ذهول واستغراب .. وقلق

إن صدور هذا الحكم تلقته الأوساط الديمقراطية المعارضة للحكم بالإدانة من جهة، ولكن بذهول واستغراب من جهة أخرى. فمنع انعقاد مؤتمر الرابطة سبقه قراران هامان يصبان في نفس الاتجاه.

القرار الأول يخص منع المؤتمر الأول الذي كانت نقابة الصحافيين الوليدة تتهيأ لعقده يوم 8 سبتمبر مع ندوة حول "العمل النقابي الصحفي في المغرب العربي" دعيت إليها هيئات عربية ودولية إعلامية هامة. أما الإجراء الثاني الذي لا يقل دلالة فيخص جمعية القضاة التونسيين، حيث تم "افتكاك مقرها"، وتشتيت أعضاء هيئتها بتعيين بعضهم في وظائف ومناطق نائية جدا عن العاصمة، وأخيرا تعيين "لجنة مؤقتة" كلفت بتسيير شؤون الجمعية في انتظار عقد مؤتمر يفترض أن تنبثق عنه هيئة جديدة تكون "غير مشاكسة".

هذا التواتر في اتخاذ إجراءات ذات طابع زجري ضد عدد من الجمعيات التي تجمع بينها صفة "شق عصى الطاعة" أمام السلطة هو الذي جعل البعض يتحدث في تونس عن "معركة مفتوحة ضد الجمعيات المستقلة". أما السلطة فهي ترفض مثل هذا التحليل أو "التأويل"، وتعتبر أن ما حصل له مبرراته القانونية والهيكلية. فنقابة الصحافيين حسب اعتقاد السلطة "وضعها غير قانوني". أما بالنسبة للرابطة وجمعية القضاة فما حل بهما سببه "خلافات داخلية بين الأعضاء لا علاقة للسلطة بها".

ويعود استغراب الأوساط الحقوقية والسياسية والديبلوماسية تجاه ما حدث في تونس، إلى اعتقاد الكثيرين بأن مصلحة النظام كانت تقتضي التعامل مع بعض منظمات المجتمع المدني "المشاكسة لها" بشكل مغاير، على الأقل في انتظار تجاوز موعد انعقاد قمة المعلومات.

فالقرارات ذات الطابع الزجري الذي استهدفت هذه الجمعيات الثلاثة، دفعت منظمات دولية من الوزن الثقيل إلى الاستعداد لتجديد حملاتها ضد النظام التونسي، تلك الحملات المستمرة منذ مطلع التسعينات، خاصة وأن الاجتماع التحضيري الأخير للقمة سيعقد في جنيف بعد أيام قليلة.

كما يجري حديث حول ردود فعل محتملة من قبل الاتحاد الأوروبي برئاسته البريطانية الحالية. أما بالنسبة لواشنطن فلا يعرف إن كانت الخارجية الأمريكية ستعلق على ما حدث أم أنها ستترك الأمر للاتصالات الدبلوماسية البعيدة عن الأضواء. ومهما كانت طبيعة ردود الفعل، فالمطلعون على خبايا الأمور يتحدثون عن وجود "قلق" وعدم فهم لدى أصدقاء تونس، بمن فيهم الذين تربطهم بالسلطة "علاقات حميمة".

ثقة مفرطة ومتاعب محتملة

في المقابل ، يعتقد العارفون بخبايا السلطة أن ما يبدو غير مفهوم للبعض، هو عند القريبين من المطبخ السياسي الداخلي له "منطقـه الخاص الذي قد لا يستسيغه الآخرون".

فالسلطة واثقة من أن قمة مجتمع المعلومات، التي لم تجرأ بقية الدول العربية على احتضانها، ستلتئم في موعدها وبمشاركة دولية واسعة أو على الأقل هامة. وإذا كانت بعض المنظمات غير الحكومية قد سعت في السابق إلى مقاطعتها (وقد تجدد الدعوة إلى ذلك في اجتماع جنيف المقبل)، غير أن مثل هذا الاحتمال أصبح ضعيفا جدا. وبناء عليه فالنظام في تونس يعتقد بأنه قادر اليوم على أن يحتضن القمة وفق شروطه وبدون أن يقدم"تنازلات" ذات أهمية لمنظمات حقوق الإنسان التي التزمت بمخاصمته أكثر من خمسة عشر عاما، وهي مدة كافية ليختبرها ويعرف حدودها.

أما على الصعيد الداخلي، وبعد أن تأكد ما سبق أن أشارت إليه "سويس أنفو" من احتمال عدم مشاركة رئيس الوزراء الإسرائيلي أرئيل شارون في القمة، فإن أجهزة السلطة تعتقد بأن التحكم في ردود الشارع التونسي المعارض للمشاركة الإسرائيلية أصبح عملية ممكنة بدون اللجوء إلى الوسائل الاستثنائية.

لكن هذه الثقة المفرطة في النفس، لا يمكن أن تستمر بدون متاعب سياسية محتملة، خاصة وأن ما يجري في مصر ولبنان وفي دول عربية كثيرة يؤكد على أن حركة التاريخ تسير في اتجاه مغاير.

مراسلة خاصة بسويس إنفو - تونس

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة