تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

من تبعات الحرب الأهلية في ليبيا "الشوشة".. لاجئون منسيون في مخيّم مهجور

بقلم


تحوّل اللاجئون في مخيم الشوشة "الشبح" إلى متسوّلين لمياه الشرب على قارعة الطريق.

تحوّل اللاجئون في مخيم الشوشة "الشبح" إلى متسوّلين لمياه الشرب على قارعة الطريق.

(Camille Lafrance)

بعد عاميْن من إغلاق مخيّم الشوشة، القريب من الحدود الليبية، لا يزال ستون شخصا يتخبّطون في الصحراء التونسيةفي انتظار إعادة توطين مُحتملة في الخارج. وفي الوقت الحاضر، تقدّم سويسرا مساعدات مؤقتة للمهاجرين "المعرّضين للخطر"، ولكن إلى متىُ؟ 

عثمان و"ك.م" تعلو محياهما ابتسامة تخفي قدرا لا بأس به من الضجر. المهاجران القادمان من سيراليون وليبيريا، يقولان إنهما فرّا من ليبيا بعد اندلاع الاضطرابات في عام 2011، ليجدا أنفسهما في مخيم الشوشة في جنوب شرق تونس. ويوجد هذا المخيّم، الذي تم الإعلان عن اغلاقهرابط خارجي رسميا في يونيو 2013 من قبل المفوّضية السامية للامم المتحدة لشؤون اللاجئين، معزولا في الصحراء وسط منطقة عسكرية على مقربة من الحدود الليبية. ولكن، ومثل كثيرين ليس بايديهم حيلة، ظلّ عثمان و"ك.م" في المخيّم رغم انقطاع الماء والكهرباء. وبعد استمرارهما أكثر من أربع سنوات في هذه البيئة القاسية والمعادية، باتا الآن يشاركان مسكنا مؤقتا في مدينة مدنين، التي تبعد مائة كيلومتر عن مخيم الشوشة، ويحصلان على احتياجاتهما بفضل مساعدة سويسرية.

قصة هذيْن الرجلين متشابهة. فهما يقولان إنهما غادرا بلديْهما الأصليين بسبب الحرب الأهلية، ووجدا ملجأً في ليبيا قبل أن يجبرا ثانيا على اللجوء. ولا مجال لكي يعودا إلى موطنهما الأصلي، حيث تنتظرهما مشكلات ذات طابع سياسي. أما البقاء في تونس، فهو ليس خيارا أيضا، لأنه لد لا يوجد فيه قانون لجوء، ولا تربطهما به أي روابط ولا حتى اللغة. ويقول عثمان متحدثا بالإنجليزية: "نحن نريد حماية دولية وإعادة التوطين في بلد ثالث آمن". ويوافقه على ذلك "ك.م" مطأطئ رأسه. ومنذ عام 2011، يُطالب هؤلاء اللاجئون بذلك بلا كلل أو ملل



نص مكتوب بلغة فرنسية ركيكة، لكن الرسالة واضحة.

نص مكتوب بلغة فرنسية ركيكة، لكن الرسالة واضحة.

(Camille Lafrance)

في ذلك الوقت، وللتغلّب على عدم وجود قانون لجوء في تونس، استقبلت المفوّضية السامية لشؤون اللاجئين عمالا أجانب غادروا ليبيا – يقدّر عددهم الإجمالي ب 200.000 نسمة – ولا يرغبون أو لا يستطيعون العودة إلى بلدانهم الأصلية خوفا من التعرّض للإضطهاد. تمّ قبول ما يقرب عن 4000 مطلب من جملة 4400. ثم أطلقت المفوّضية السامية لاحقا نداء دوليا لإسقبال هؤلاء اللاجئين حتى لا تكون تونس التي أنهكتها ثورة 14 يناير 2011 مجبرة على امتصاص هذه الكتلة السكانية بمفردها. وفعلا فقد استقبل 3500 لاجئ في بلدان أخرى بغرض إعادة التوطين في الولايات المتحدة، وفي السويد، والنرويج وألمانيا، ولم تستضف سويسرا أي حصّة من هؤلاء. أما البقية فقد عرض عليهم برنامج "إندماج" في تونس.

مطالب لجوء مرفوضة

عثمان و"ك.م" هما من بين الاشخاص الذين رفضت مطالبهم من قبل المفوّضية السامية لشؤون اللاجئين، كما أنه ليس لديهما وضع قانوني سليم في تونس. ويذكّر أنيس الباسيل، المسؤول بجمعية أرض لجوء تونسرابط خارجي، منظمة غير حكومية تسعى إلى تحسيس المجتمع المدني في تونس بقضايا الهجرة: "أسوأ حالة، هي حالة أولئك الذين لم يتم الإعتراف بهم كلاجئين، ولا يتمتعون بأي حقوق او حماية، ويتركون لحالهم".

في الإنتظار، تبدي السلطات التونسية تسامحا مع هؤلاء بشرط ابتعاد الشخص عن الظهور والإثارة. ففي الأوّل من شهر سبتمبر 2015، اقتيد تسعة مهاجرين من بلدان جنوب الصحراء إلى الحدود الجزائرية من قبل الشرطة لترحيلهم. وكانوا قد اعتقلوا قبل أسبوع إثر مظاهرة خارج مقرّ بعثة الإتحاد الأوروبي، حيث كانوا يطالبون بالتحوّل للإقامة في أوروبا، وفقا لما ذكره lموقع Inkyfadaرابط خارجي الإخباري التونسي، ولكن تم الإبقاء عليهم في تونس في ظروف غامضة.

ولا يفهم عثمان و"ك.م" لماذا لم يُعترف بحقهم في اللجوء. ويقول "ك.م" شاكيا: "لم يشرحوا لنا بشكل كاف لماذا تمّ رفض ملفيْنا". وبعد الرفض زار المعنيان بالأمر مكتب المفوّضية السامية التابعة للأمم المتحدة بمدينة جرجيس، القريبة من مدنين" مرتيْن في الشهر، وطيلة سنة كاملة" للمطالبة بإعادة النظر في مطلبهما، لكن من دون جدوى. كذلك ذهبا إلى تونس العاصمة مرات عدة للتحسيس بوضعهما، ولكن لا حياة لمن تنادى هناك أيضا.

بعد الإتصال به، أعلمنا مكتب المفوّضية السامية في تونس، أنه لا يريد التطرّق إلى موضوع مخيم الشوشة. فهل يرى عثمان و"ك.م" حلمهما وهو يتحقق؟ ليست هناك إجابة قاطعة على ذلك. وفي حالة صدور قرار سلبي من طرف المفوّضية السامية، التي تنظر في الطلبات وفقا لمعايير اتفاقية 1951 المتعلّقة بوضعية اللجوء، فلن يتبقى أمامهما سوى اعتراض واحد خلال الثلاثين يوما التي تعقب صدور القرار. ثم يتم غلق الملف، ولن يفتح من جديد "إلا إذا توفّرت أدلة أو معطيات جديدة". 

وحتى بالنسبة للذين يصادفهم الحظ، فإن المفوّضية تؤكّد على أن إعادة التوطين في بلد ثالث ليس "حقا مكتسبا" بل هو إجراء استثنائي.

المساعدة السويسرية

إزاء يأسهما من تسوية وضعهما قريبا، انضم عثمان و"ك.م" في شهر يونيو الماضي إلى برنامج أطلقه الهلال الاحمر التونسي في عام 2014 بدعم ومساندة مالية من الوكالة السويسرية للتعاون الدوليرابط خارجي. هذا البرنامج يوفّر للمستفيد سكنا في إحدى المدن في جنوب تونس بالإضافة إلى الخدمات الطبية و مبلغ 120 دينار تونسي (حوالي 60 فرنك سويسري) في الشهر لكل فرد من افراد مخيم شوشة الذين لم يحصلوا على صفة لاجئ والذين يعتبرون "أشخاصا معرضين للخطر"، أي نساء لوحدهن أو قاصرون أو مرضى. 

سويسرا نشطة في مجال الهجرة بتونس

تخصص سويسرا حوالي خمس الدعم المقدّم إلى التحوّل الديمقراطي في تونس لمجال الهجرة وإلى حماية الأشخاص المعرّضين للخطر. أي ما يعادل 3 مليون فرنك في العام إجمالا منذ 2011. والقيمة الإجمالية للبرنامج السويسري في تونس لعام 2015 يناهز 20 مليون فرنك.

 وتشمل مشاريع الدعم السويسري في مجال الهجرة، وتنفّذ بالشراكة مع شركاء محليين ودوليين وبإشراك الجالية التونسية المقيمة في سويسرا كذلك في تنمية موطنهم الأصلي بدءً بدعم المهنيين الشبان والوقاية من الهجرة غير الشرعية من طرف الشبان.

وفيما يتعلّق بحماية المهاجرين، تم انقاذ ما يزيد عن 1000 مهاجر عن طريق البحر، وتمّ تقديم المساعدة إليهم في مناطق الجنوب التونسي بدعم سويسري. كما قدّمت سويسرا يد العون لأزيد من 400 مهاجر عادوا إلى بلدانهم بعد أن كانوا عالقين في تونس.

وفي هذا السياق، ونظرا لكون الصديقين يعانون من آلام في الساقين، تم قبولهم في هذا البرنامج إلى جانب 12 مهاجرا آخر. وتبلغ ميزانية هذا البرنامج 150.000 فرنك سويسري (300.000 دينار تونسي)، لكن يستفيد منه كذلك الأشخاص الذين يعثر عليهم في البحر على السواحل التونسية.

نهاية الإطار التوضيحي

والمشكل الذي يطرح الآن هو أن البرنامج سيتوقف في موفى شهر أكتوبر الحالي. فما الذي سيحدث بعد ذلك خاصة وأنه لا توجد أي مساعدة أخرى مماثلة لطالبي اللجوء بمخيم شوشة الذين لم تقبل مطالبهم؟.  ويقول عثمان "نحن لا نعرف ما الذي سيحدث. البعض نصحنا بعبور البحر الأبيض المتوسط...". ومن المحتمل أن عددا كبيرا من اللاجئين قد توجه إلى ذلك الإختيار. ويقرّ منجي سليم، المنسق المحلي للهلال الأحمر التونسي بمدنين، بصعوبة الوضع قائلا: "بصراحة لا أدري ماذا سنفعل. هناك أشخاص مرضى بالفعل ليس بإمكانهم لا المغادرة ولا العمل". 

هذه الحيرة تبدو أيضا على الجانب السويسري، ويقول لوكاس روس، الموظف بالسفارة السويسرية بتونس، الذي يُتابع هذا الموضوع عن كثب: "لقد أوضحنا بإستمرار أن هذا البرنامج هو برنامج مؤقت، ولكننا مع ذلك مددنا في أجله في الماضي".

"لا وجود لأي حل"

في اليوم الموالي، وجدنا عثمان في بنقردان،وهي أقرب مدينة إلى مخيم الشوشة، الواقعة على بعد 30 كيلومتر من الحدود الليبية والتي يعيش أغلب سكانها من التهريب من البلد المجاور. وفي هذه المدينة تسير سيارات الأجرة بفضل المحروقات المهربة. ورغم أننا في اليوم التاسع عشر من الشهر (عندما أعدّ هذا التقرير) فإن عثمان قد نفذت نقوده. وهو الآن في الطريق إلى مخيم الشوشة. ويقول عثمان: "أنا مجبر على العودة إلى المخيم للتسوّل لأنه ليس لدي ما أسدّ به الرمق". أما "ك.م"، فقد بقي في مدنين للحصول على علاج لساقيْه.  

ويعيش حتى الآن حوالي 60 شخصا في مخيم الشوشة وفقا للهلال الاحمر التونسي. وأغلبهم لاجئون رفضت مطالبهم مثل عثمان وصديقه، ولكن لا يُعتبرون من الفئات "المعرّضة للخطر". كما يوجد أيضا بعض اللاجئين الذين رفضوا مشاريع الإندماج المحلية التي عرضتها عليهم مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ولا زالوا معلقين بأمل إعادة توطينهم في الخارج.

كذلك يظل هناك مهاجرون "عرضة للأخطار"، وبالتالي يمكن لهم الإستفادة من المساعدة السويسرية، ولكنهم رفضوها. وهذا وضع إبراهيم، القادم من إقليم دارفور (السودان)، والذي التقى عثمان في بنقردان، الذي يقول: "هذا البرنامج غير مفيد. والكثير من الأشخاص الذين قبلوا به في البداية عادوا من جديد إلى مخيم الشوشة، ثم ركبوا البحر، للعبور إلى الضفة الأخرى. وليس لنا أي حل في هذا البلد".

وللبقاء على قيد الحياة ، يقوم هؤلاء الأشخاص المتعذّر رفضهم والمقيمون في المخيم بالتسوّل على قارعة الطريق الذي يؤدي إلى ليبيا. ويؤكّد كادريل، وهو مواطن من غانا مقيم بالشوشة التقيته في بنقردان أيضا أن "ظروف الحياة هنا غير إنسانية، نحن نعيش في عالم النسيان مع العقارب والأفاعي. وكادريل أب لطفلة انقطع عنها وعن أهله تماما منذ فترة طويلة، وكذلك انقطعت صلة عثمان بعائلته. فليس لديه أي أخبار عن زوجته وإبنه منذ أزيد من 15 عاما، وليس لديه أي علم بالجهة التي يمكن أن يتواجدا فيها. وكل ما يعلمه هو "أنهما أحياء.. يُوجدون في مكان ما"، كما يقول.  


(نقله من الفرنسية وعالجه: عبد الحفيظ العبدلي), swissinfo.ch


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×