الحوار مع الإسلاميين .. كيف ولماذا؟

على الرغم من أن الاتحاد الأوروبى لم يحسم أمره بعد في مسألة الحوار مع الجماعات الإسلامية المعارضة في البلدان العربية، فإن مجرد البحث في الفكرة يمنحها أهمية خاصة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 25 أبريل 2005 - 15:50 يوليو,

فالاتحاد لم يعد يكتفي بالتواصل والتمويل المباشر مع منظمات المجتمع المدني العربية، بل يفكر أيضا في اختراق الحياة السياسية العربية عبر أكثر الأطراف السياسية العربية المعارضة..

في المقابل يشترط الإتحاد قبل إطلاق الحوار مع الأحزاب والتيارات والجماعات الإسلامية المعارضة "الاعتدال وعدم انتهاجها للعنف، وقبول المبادئ الديمقراطية"، حسب ما أوردته دراسة بحثية موثقة، أعدت خصيصا لمفوضية الاتحاد للبحث في آليات سياسية يمكن أن يعتمدها الاتحاد من أجل تعزيز التغيرات الإصلاحية في المنطقة العربية، وفقا للرؤية الأوروبية، مع الحفاظ بالطبع على مصالح الاتحاد العريضة في المنطقة.

مثل هذه الخطوة تعبّـر عن اهتمام كبير بما يمكن تسميته بـ "الهاجس الإسلامي"، ولكنه هذه المرة لا يتعلق بالداخل الأوروبى نفسه، أي الجاليات المسلمة التي تعيش في المجتمعات الأوروبية، ولكنه يتعلق بالمجتمعات العربية التي تستبعد القوى الإسلامية من خريطة الحياة السياسية لديها، حتى ولو كانت غير منغمسة في العنف، وتلتزم الدستور القائم، وتعمل في إطار القانون والدعوة السياسية السلمية.

والرؤية الأوروبية هنا ليست بعيدة عن التغيرات التي عبرت عنها وزارة الخارجية الأمريكية، حين سرّبت في بداية الشهر الجاري ما يشير إلى قرار بالحوار مع جماعة الإخوان المسلمين المصرية المحظورة قانونا، ولكنها موجودة بفعل الأمر الواقع، ولها الكثير من التأثير.

الأمران معا، الأوروبي والأمريكي، هما نتاج عملية تغيير ذهنية مؤسسية، ونوع من التنسيق بين الحليفين لمواجهة ما يُـنظر إليه باعتباره مخاطر الإرهاب الإسلامي من ناحية، والضغط على النظم العربية للقيام بخطوات إصلاحية سياسية كبرى، من ناحية أخرى.

فعلى صعيد التغيير الذهني المؤسسي، يمكن الإشارة هنا إلى عدد من الدراسات والتقارير التي أعدتها مراكز بحوث أمريكية للإدارة في واشنطن بهدف البحث عن أفضل السُّـبل لاحتواء الحركات الإسلامية ذات الفكر الجهادي، والتي تعتبر نفسها في حرب دائمة مع الغرب عامة، والولايات المتحدة خاصة.

ولعل الدراسة التي أعدتها مؤسسة "راند" عن العالم الإسلامي، التي نشرت قبل أربعة أشهر، تمثل النموذج الأبرز في الاستنتاج بأن أمن الولايات المتحدة بحاجة إلى ابتداع إسلام معتدل من جانب، أي اللعب في داخل الإسلام نفسه، وأن يقوم المسلمون أنفسهم بمواجهة ما لديهم من حركات ومنظمات متطرفة وجهادية، على أن تقدم الولايات المتحدة كل الدعم الممكن، الأمر الذي يتطلب الانفتاح على الجماعات والأحزاب الإسلامية غير المنضوية في عمليات عنف، والتقرب إليها والحوار معها، والتأكيد على أن الولايات المتحدة ليست في صراع مع القوى الإسلامية ككل، ولكن مع تلك التي ترفضها المجتمعات الإسلامية نفسها.

رؤية غربية جديدة

مثل هذا الاستنتاج يكاد يتكرر في الدراسة (التقرير) التي ناقشه الاتحاد الأوروبي، ودعا إلى الحوار مع الجماعات الإسلامية المعارضة. وبغض النظر عن الأهداف السياسية المباشرة لمثل هذا الحوار تحت التخطيط، فكل من الرؤيتين الكامنتين في الدراسات الخلفية، تقوم على أساس أن العالم الإسلامي ليس كتلة واحدة يمكن وصمها بالإرهاب أو التطرف أو معاداة الإنسانية.

كما أن القوى السياسية المستندة إلى مقولات وتفسيرات إسلامية في البلدان العربية، ليست واحدة أيضا، وأن فيها كمّـا هائلا من التنوع والتضارب والاختلاف والتنافس، وأنه من غير الصواب أن يتم التعامل مع هذا الكم وفق استراتيجية واحدة، قوامها المواجهة، ولكن وفق استراتيجيات متعددة تتناسب مع طبيعة كل فريق.

إلى جانب إقرار التعدد الفكري والسياسي بين الجماعات الإسلامية، هناك إقرار ضمني آخر، بأن السياسة السابقة ـ الأوروبية والأمريكية معا ـ في تجاهل الجماعات الإسلامية غير المنخرطة في العنف، والساعية إلى لعب دور سياسي مباشر في مجتمعاتها، كان خطأ كاملا، لأنه ساوى بين كل الجماعات من جانب، وأعطى أولوية للتفسيرات الحكومية العربية، التي دائما ما اعتبرت هذه القوى الإسلامية مُـضرة بالحياة السياسية وغير ديمقراطية/ وتنضوي جميعها في خانة المنظمات الإرهابية أو الساعية للفوضى، فضلا عن أنها لن تحافظ على المصالح الأمريكية والأوربية، إن وصلت إلى السلطة، كما تفعل هذه النظم ذاتها. وهكذا تبلور نوع من التحرر الأمريكي والأوروبي من ادعاءات النظم العربية.

وقد ساعد على ذلك التحرر، العديد من وقائع ما بعد الغزو الأمريكي البريطاني للعراق، فما أن انتهى قيد النظام البعثي الصدّامي، حتى ظهرت خريطة المجتمع العراقي على حقيقتها دون "رتوش"، فدور الدّين ورجاله، سواء من السنّـة أو الشيعة، لا يمكن تجاوزه على أي نحو كان، بل أن التعامل مع الدّين، والأحزاب الدينية معا، كمُـكوّن جوهري في العملية السياسية، بات يمثل أحد مداخل الانفراج السياسي النسبي، والتي من شأنها، إن تطورت علاقات التعاون وبعض الثقة المتبادلة، أن يتشكّـل نموذج واقعي وعملي، يمكن الاسترشاد به مجتمعات عربية أخرى.

وهناك أيضا التجربة التركية في ظل حكم حزب العدالة والتنمية، والتي أثبتت أن الحزب، حتى وإن أنكر خلفياته الإسلامية، ولكنه مدعوم بسند شعبي جارف، فإنه قادر على القيام بأصعب الخطوات الداخلية، وفي الوقت نفسه، الحفاظ على مصالحه مع الغرب والولايات المتحدة معا.

قيود على الطرف الآخر

هذه العوامل معا، تشكّـل إلى حدّ بعيد مُحفّـزات اللجوء إلى الحوار مع الجماعات الإسلامية المعارضة في البلدان العربية. بيد أن الأمر في داخل هذه الجماعات وحولها، وتحديدا التي تعمل داخل بلدانها، لا يسمح بالانخراط في مثل هذا الحوار، وذلك لأسباب شتى، منها أن جزءا أساسيا من الخطاب السياسى ـ إن لم يكن كله تقريبا ـ لهذه الجماعات، قائم على نقد الولايات المتحدة تحديدا، والغرب إجمالا على الكثير من التراجعات العربية الداخلية، وفي عدد من القضايا الكبرى كقضية فلسطين والعراق والسودان.

وثانيا، فإن ثمة حساسية عالية جدا في هذه الأيام تجاه القوى التي تسمح لنفسها بالتقارب مع الولايات المتحدة أو الحوار معها في شأن سياسي داخلي، في الوقت الذي تثار فيه قضية الإصلاحات الداخلية، ومدى علاقتها بالضغوط الخارجية، إذ سينظر لها باعتبارها "حصان طروادة " للتدخل الخارجي في الشأن السياسي الداخلي.

كما أن النظم نفسها متحفّـزة للتعامل بشدة مع أي تطور من هذا النوع، لأنه ببساطة يعني الخطوات الأولى لتغيير النظام نفسه. وما الحملة التي تشنها بعض المراجع الإعلامية الرسمية على هذا "التدخل الخارجي، الذي يمثل تطبيقا لمقولة كوندليزا رايس، وزيرة الخارجية الأمريكية، عن الفوضى الخلاقة"، إلا مؤشر على قدر الارتباك الذي يسود العديد من الدوائر الحاكمة عربيا.

وحين ربط السيد مهدي عاكف، مرشد الإخوان المسلمين أي حوار مع الولايات المتحدة بأن يكون عن طريق الخارجية المصرية، فقد فسّـر د.عبد المنعم أبو الفتوح، عضو مكتب إرشاد الجماعة، هذا الموقف بأنه من نوع درء الشبهات.

لكن بعض الجماعات الإسلامية الصغيرة، والتي لا يُـقارَن حجمها أو تأثيرها بحجم أو تأثير حركة كالإخوان المسلمين في مصر وفي بلدان عربية أخرى، ترى أنه لا مانع من الحوار، على أن يكون علنيا، وأن تكون عناصره محدّدة من قبل كل القوى العربية والإسلامية، وأن يهدف إلى مناقشة دور الغرب في القضايا العربية، وألا يكون سبيلا للتدخل في الشؤون الداخلية.

وأيا كان موقف القوى الإسلامية المعارضة المستهدفة بالحوار الأمريكي أو الأوروبي، فإن الرسالة باتت واضحة، ذلك أن الغرب ذو التراث البراغماتي في السياسة كما في الاقتصاد ومجالات الحياة الأخرى، لن يترك التطورات الداخلية في البلاد العربية تسير على هواها، بل سيعمل على المشاركة فيها وتوجيهها، والتحسب أيضا لنتائجها المستقبلية، فإن جاءت ديمقراطية عربية وليدة بقوى إسلامية، فلن يعني ذلك نهاية الطريق، بل ربما بدايتها.

د. حسن أبوطالب - القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة