الخصام بعد الوئام؟

التحقيقات الجارية على قدم وساق في الخرطوم تترك الباب مفتوحا لمزيد من التكهنات حول طبيعة القضية و تأثيرها swissinfo.ch

هي أزمة جديدة بين السودان وتونس تكشف عن وهن الوئام الذي ساد العلاقات بين البلدين خلال النصف الثاني من عقد التسعينات، وعنوانها شبكة تجسس تونسية في الخرطوم كانت مكلفة حسب مصادر المخابرات السودانية بتشويه صورة السودان ونقل معلومات غير صحيحة في إطار التنسيق بين المخابرات التونسية والمخابرات الأميركية والفرنسية لعزل السودان ومحاصرته.

هذا المحتوى تم نشره يوم 13 يوليو 2001 - 19:50 يوليو,

نائب مدير المخابرات السودانية عقد مؤتمرا صحفيا بالخرطوم وقال أن أجهزته القت القبض على علي مصطفى حمد التونسي الجنسية بتهمة نشر الأخبار الكاذبة والتجسس والتآمر على أمن السودان.

وحسب نفس المسؤول فإن علي حمد وصل السودان 1993 بصفة تاجر مما سمح له بالتنقل والتجوال في مختلف أنحاء البلاد كان خلالها يجمع معلومات ويؤلف معلومات كاذبة ومفبركة وتجنيد مواطنين سودانيين لمساعدته.

كان هدف علي حمد جمع اكبر قدر ممكن من المعلومات عن المعارضين الإسلاميين التونسيين الذين تواجدوا، مع معارضين من أقطار عربية أخرى، بكثرة في السودان بعيد تولي الرئيس عمر حسن البشير الحكم في السودان في يونيو 1989 بالتحالف مع الدكتور حسن الترابي.

الخرطوم، في النصف الأول من التسعينات، بعد حرب الخليج الثانية، كانت " الكعبة" السياسية للأصوليين العرب،خاصة اؤلئك الذين أطلق عليهم وصف الأفغان العرب وعلى رأسهم المعارض السعودي أسامة بن لادن، بعد ان سدت كل المنافذ بوجوههم واصبحوا مجموعة من المطاردين والمغضوب عليهم.

كان موقف الحركة الأصولية أثناء حرب الخليج معاديا للتحالف الغربي وهو الذي جر عليهم عداء النظام العالمي الجديد وبالتبعية النظام العربي المتكون بعد الحرب وهذا ما حرمهم من حليفهم وممولهم التقليدي العربية السعودية. كما رفعت الولايات المتحدة غطائها المادي والإعلامي والسياسي الذي ألقته عليهم في حربهم ضد القوات الروسية في أفغانستان. والاهم انهم فقدوا المكان الأمن الذي يؤويهم بعد سنوات الجهاد الأفغاني.

كان الوجه الأصولي لثورة الإنقاذ السودانية قد بأت تتضح ملامحه. وانتقلت طموحات الدكتور حسن الترابي لتحلم بثورة إسلامية تكون الخرطوم مركزها كما كانت موسكو مركز الثورة العالمية الاشتراكية.

وحركة السابع من نوفمبر التونسية التي أوصلت الرئيس زين العابدين بن علي الى سدة الحكم 1987 كانت خلال نفس الفترة قد استطاعت ضبط أمورها والقضاء على التواجد العلني للحركة الأصولية التونسية و إجبار زعيمها راشد الغنوشي للهجرة خارج تونس. وكانت الخرطوم محطة الغنوشي وأنصاره. محطة سياسية أيضا لوجيستيكية وإنسانية.

الدكتور حسن الترابي الذي اصبح الرجل القوي في السودان وجد في مؤتمر للحوار بين المفكرين القوميين والإسلاميين العرب نظمه في الخرطوم في أبريل 1991، صيغة لهيكلة عمله على الصعيد العربي وغطاء للناشطين الإسلاميين وتواجدهم في السودان وأعلن رسميا عن إقامة المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي الذي بدأ مع 1993 يضم أيضا الحركات الإسلامية غير العربية.

كانت تونس تتحسس جسدها على إيقاع تصاعد العنف بين المسلحين الإسلاميين والسلطة في الجزائر بعد انقلاب يناير 1992 الذي حرم الإسلاميين الجزائريين من فوز محقق بالانتخابات البرلمانية.

وفي هذه الأجواء نشطت في الخرطوم الاجهزة السرية التونسية كغيرها من الأجهزة اللاحقة لمعارضيها الإسلاميين الذين كانوا يتحركون بحرية تامة ويتلقون حماية الأجهزة السودانية. والضغط العربي والأميركي على حكومة عمر البشير وصلت حتى الغارات الجوية وقطع العلاقات الدبلوماسية وفرض العزلة لم تنجح حتى نهاية التسعينات سوى في إبعاد أسامة بن لادن من السودان رغم انه ساهم بعشرات الملايين من الدولارات في استثمارات متنوعة.

لكن سودان اليوم غير سودان التسعينات، فالتحالف بين الرئيس البشير والدكتور الترابي انفض، ونجح الرئيس البشير في السيطرة على الوضع السوداني وزج الدكتور الترابي بالسجن ثم تحويله إلى الإقامة الإجبارية. وترافق ذلك مع تقليص تواجد و حركة الناشطين الإسلاميين العرب المعارضين لحكوماتهم، مما أدى إلى تحسن ملموس مع مختلف العواصم العربية بما فيها الرياض.

وطبيعة الأجهزة السرية لا تستكين، تواصل نشاطها وكأن الحال لا زال على ما كان عليه. ويبدو أن الأجهزة التونسية كثفت حركتها مؤخرا في السودان وان الخرطوم اكتشفت ان تقارير تتحدث بها واشنطن مصدرها عواصم عربية من بينها تونس.

لكن السؤال يبقى عن البعد السياسي في هذه الأزمة، وهو الذي لن تجيب عليه الخرطوم او تونس قريبا لكن تطورات الأزمة ستحمل الإجابة إذا لم ينجح الوسطاء في تطويقها.


محمود معروف - الرباط

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة