Navigation

الدب الروسي... الناهض من السبات

التغير التدريجي في الأستراتيجية الروسية بدأ مع تولى الرئيس فلاديمير بوتين swissinfo.ch

في الثالث من آب أغسطس عام ألف وتسع مائة وتسعين، وبعد ساعات من دخول القوات العراقية الكويت، قطع وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر زيارته إلى منغوليا وتوجه إلى موسكو، حيث عقد مع نظيره السوفيتي آنذاك، إدوارد شيفرنادزه اجتماعا مطولا، أعطى الكريملين إثره الضوء الأخضر لواشنطن لكي تستخدم القوة ضد بغداد.

هذا المحتوى تم نشره يوم 04 يوليو 2001 - 15:55 يوليو,

وكان ذلك إيذانا ببدء مرحلة جديدة في العلاقات الدولية وتكريسا لاختلال التوازن لصالح القطب الأعظم وهو الولايات المتحدة. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي أزداد انكماش الدور الروسي، والى المدى الذي بدت فيه موسكو في أحيان كثيرة سائرة في ركاب واشنطن من دون إقامة اعتبار حتى لمصالحها الوطنية.

وكما كان الملف العراقي في مستهل التسعينات منطلقا لتكريس الأفول السوفيتي، فإن موقف موسكو الحالي تجاه العراق غدا مؤشرا على رغبة الكريملين في استعادة جزء من الهيبة الضائعة.

فقد أصبحت روسيا العضو الدائم الوحيد في مجلس الأمن الذي عارض مشروع "العقوبات الذكية" ضد العراق. وكان التلويح باستخدام حق النقض، الفيتو، سببا في سحب المشروع البريطاني-الأمريكي وإرجاء التصويت عليه لخمسة اشهر. وليس صحيحا أن الدوافع الاقتصادية وحدها هي التي حركت الموقف الروسي، وإن كان لهذه الدوافع دورها المهم.

الرئيس بوتين... وتوجه جديدة

فإلى جانب عقود ببضعة مليارات تأمل موسكو في توقيعها مع بغداد، فإن روسيا تعاملت مع الملف العراقي كجزء من إستراتيجية جديدة وضعت بإشراف الرئيس فلاديمير بوتين. وهو خريج مدرسة المخابرات السوفيتية التي كان ضباطها تربوا على الانتماء لدولة عظمي.

وخلافا للحالمين باستعادة الأمجاد القديمة، فإن بوتين رجل براغماتي يعرف أن الدب الروسي الناهض من السبات ليس بوزن الفيل السوفيتي المنقرض، ولذا فإنه يحاول أن يتحرك ضمن حدود الممكن.

ولا يطمح بوتين إلى جعل روسيا مجددا واحدة من الدولتين الأعظم لكنه يسعى إلى إقامة تعددية قطبية تحول دون هيمنة الولايات المتحدة بلا منازع على الساحة الدولية. وفي إطار هذه الاستراتيجية تعمل موسكو على إقامة علاقات تحالف وشراكه مع أطراف عديدة وبدأت مراجعة شاملة لترتيب الأولويات. فلم يعد الاهتمام الرئيسي ُيولى للولايات المتحدة كما كان الحال في عهد بوريس يلتسين، بل تقدمت إلى صدارة الاهتمامات دول الجوار من جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، التي أخذت روسيا تعتبرها بمثابة مناطق نفوذ لها.

ملامح إستراتيجية روسية..

وفي هذا الإطار تبدي روسيا شراسة متزايدة في مقاومة مخططات الحلف الأطلسي لضم دول الكومونولث إلى الحلف، وأصبح هذا الموضوع خطا احمر لا يقبل الكريملين عبوره.

وتأتي في المقام الثاني الدول الأوروبية، وتسعى موسكو لإقامة ما وصفه الرئيس بوتين " بالفضاء الممتد من الأطلسي إلى الاورال"، وإلى جانب المنافع الاقتصادية لمثل هذا التعاون فإنه يشكل محاولة أخرى لدق إٍسفين بين أوروبا والولايات المتحدة.

وتولي موسكو أيضا أهمية كبيرة لعلاقاتها مع اكبر قطبين آسيويين، وهما الصين والهند، بل إنها تحاول أن تخفف التناقضات بين بكين ودلهي تمهيدا لإقامة تحالف ثلاثي يضم روسيا والهند والصين، ويكون عمليا الطرف الأقوى في آسيا. وفي إطار الاستراتيجية الجديدة، تسعى روسيا لمنع انتشار النفوذ التركي في آسيا الوسطى والقوقاز، وتستعين في هذا المجال بإيران التي توثقت علاقاتها مع موسكو.

ورغم أهمية الشرق الأوسط، فإن الكريملين، على ما يبدو، يرى انه لا يستطيع منافسة الأمريكيين في هذه المنطقة، لكن الدبلوماسيين الروس يعتقدون أن واشنطن ستضطر، إن عاجلا أم آجلا، إلى الاعتراف بعجزها عن تحقيق السلام بمفردها. ولذا فإنها ستلجأ إلى روسيا التي تقيم الآن علاقات طيبة مع الطرفين العربي والإسرائيلي.

لا مفر من الدور الأمريكي.. ولكن

ورغم أن الولايات المتحدة لم تعد في صدارة ومحور الاهتمامات الروسية مؤقتا، فإن موسكو تقر بالدور المحوري لواشنطن في السياسة الدولية، ولذا فإنها ترغب في إقامة علاقات متوازنة نسبيا معها.

لكنها ترفض بشدة ، في الوقت نفسه، الإخلال بميزان الاستقرار الاستراتيجي، المتمثل في الاحتفاظ بقوة الردع النووي. وفي هذا السياق فأن الكريملين يرى أن معركته الكبرى تتجسد في منع الولايات المتحدة من منع نشر شبكته الصاروخية، أو الرد عليها بتصميم أسلحة قادرة على اختراق هذه الشبكة، لكي تبقى روسيا الدولة النووية الثانية في العالم.

ولنقل الاستراتيجية الجديدة من الصعيد النظري إلى ميدان الواقع، سيكون على بوتين أن يواصل جهوده لإدامة الاستقرار السياسي وتأمين النهوض الاقتصادي وقبل هذا وذاك وقف عمليات نهب الدولة وتفكيكها. إذ لا يمكن لروسيا أن تكون دولة عظمى ما لم تكن قائمة على المؤسسات وخالية من مظاهر الفساد التي تنخر كيانها حاليا.

جلال الماشطه/ موسكو

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.