تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

السعودية.. إلى أين؟

أصبح الإرهاب المعضلة الأولى التي تهدد بتقويض أسس الدولة السعودية

(Keystone)

لئن ساهمت أحداث 11 سبتمبر 2001 في تغيير معتقدات ومسلّـمات كثيرة في السعودية وحولها، فإن حكام المملكة لم يجدوا بعد الطريق التي تُـخرج البلاد من نفق التطرف والعنف.

والسؤال المحوري هو: هل النظام السعودي قادر على الإصلاح؟

فوجئ المراقبون في الشرق الأوسط الأسبوع الماضي بمقال الصحفي الأمريكي توماس فريدمان، الذي دعا فيه السعوديين والإسرائيليين إلى "مساعدة بعضهم البعض للخروج من الأزمات التي يتخبطون فيها".

قال فريدمان: "إن إسرائيل لا تستطيع أن تحل مشكلة معاداة السامية المتصاعدة من دون مساعدة الأسرة السعودية الحاكمة. والمملكة السعودية لا تستطيع شراء الوقت الذي تحتاج لإحداث الإصلاح السياسي والاقتصادي التدريجي في الداخل، من دون مساعدة إسرائيل".

بالطبع، لا يتوقّـع أحد أن تتم ترجمة هذه الدعوة الصحفية الأمريكية إلى وفاق سياسي - سعودي – إسرائيلي، برغم أن فريدمان لعب دورا مُـهِـمّـا العام الماضي في الترويج لمبادرة الأمير عبد الله، ولي عهد السعودية السلمية تجاه إسرائيل. فالمسألة معقّدة، وهي تمر أولا في العديد من دهاليز الصراع العربي – الإسرائيلي، الذي لا يبدو أن ثمة بصيص نور الآن في آخر نفقه المظلم.

ومع ذلك، أستوقفت دعوة فريدمان المراقبين لسبب آخر. كشف الأبعاد الحقيقية للأزمة السياسية – الأمنية في المملكة السعودية، وعلاقة هذه الأبعاد بالضغوط الدولية والإقليمية التي تتعرّض لها الرياض.

منذ11 سبتمبر 2001، بدا واضحا أن المملكة العربية السعودية فقدت السيطرة على مخلوقاتها الخاصة، أي القوى التي ترعرعت في كنف الإيديولوجيا الوهابية المعتمدة كمذهب رسمي في السعودية منذ العشرينات، وكان واضحا من حقيقة أن 15 من أصل الـ 19 شخصا الذين نفذوا العمليات الانتحارية في نيويورك وواشنطن كانوا مواطنين سعوديين.

بداية فقدان السيطرة!

في 20 نوفمبر 1979، الذي يصادف اليوم الأول من القرن الخامس عشر الهجري، نشبت ثورة مسلحة في مكة بقيادة محمد القحطاني، الزعيم الروحي لـ "حركة الثوار المسلمين في شبه الجزيرة"، الذي أعلن نفسه "المهدي المنتظر"، وجهيمان العتيبة زعيمها السياسي.. وكلا الزعيمين هاجما آنذاك ما وصفاه بـ "الحضارة الغربية التي تقوّض كيان المجتمع السعودي وقيمه"، ونـدّدا بـ "نفاق" الحكومة السعودية.

هذه الانتفاضة المسلحة التي دامت أكثر من أسبوعين واستخدمت فيها السلطات السعودية الطائرات والدبابات لإخمادها، هزّت الأسس الفكرية السياسية للنظام السعودي هزا عنيفا، وأثارت الأسئلة نفسها التي تثيرها الآن نشاطات أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة في أوائل القرن الحادي والعشرين. كيف يمكن للدولة السعودية أن تلجم "الثورة" (الوهابية) من دون زعزعة أسس هذه الدولة نفسها؟ وهل بالإمكان بعد مواصلة الاعتماد على الوهابية كتبرير أيديولوجي لوجود هذه الدولة؟

في أواخر حقبة السبعينات، طرح بعض الأمراء السعوديين "الحدثيين" ومعهم بعض المثقفين حسم العلاقة بين الدولة والثورة لصالح الأولى، وذلك من خلال تمديد عملية الحداثة الاقتصادية والإدارية إلى المجالات الدينية والتعليمية والثقافية. وبدا لفترة أن هذا سيكون الحل بالفعل، برغم امتعاض غالبية الأسرة السعودية منه.

بيد أن هذا التفاؤل كان قصير الأجل، إذ حدث في تلك الفترة نفسها الغزو السوفييتي لأفغانستان، الذي تبعه تبنّي الولايات المتحدة وباقي الدول الغربية للأصولية الإسلامية كسلاح سياسي وعسكري ضد الشيوعية. وهذا التطور مكّـن الأسرة السعودية من طي صفحة الإصلاح التحديثي على عجل، ومن تحويل كل طاقات "الثورة" الوهابية من الداخل إلى الخارج، أي إلى أفغانستان.

وهكذا ولدت ظاهرة أسامة بن لادن في حضن الرعاية الرسمية السعودية والأمريكية التامة. وتجّدد مع هذه الولادة الحلف القديم بين الدولة السعودية وبين الوهابية بتلاوينها المختلفة، الأمر الذي أعطى الأسرة السعودية فسحة أخرى من الوقت، ليس فقط لحكم البلاد بالأساليب القديمة نفسها، بل للعب أدوار سياسية – دينية شملت الشرق الأوسط ومعظم أنحاء العالم الإسلامي.

وكان يمكن لهذا التحالف أن يستمر آمادا أخرى لولا الغزو العراقي للكويت، الذي أجبر الأسرة السعودية على منح الأمريكيين (الذين يعتبرهم الوهابيون كفارا ومسيحيين) قواعد على الأرض السعودية نفسها. وهذا أعاد بجرة قلم واحدة الأجواء في المملكة إلى مرحلة عام 1979 العابقة بصيحات التمرد الوهابي. كما دفع الدولة إلى استئناف ما انقطع من نقاشات حول مسألة الدولة والثورة.

فالآن، ومع غياب متنفس خارجي للوهابية، كأفغانستان، تبدو الأسرة السعودية وجها لوجه أمام القرارات الصعبة التي حاولت دائما التهرّب منها: التحديث الديني والثقافي، وطي صفحة التقليد الوهابي القديم. فهل تقدم الآن على هذه القرارات؟

خطــّان

لا شيء واضح حتى الآن. فبرغم أن الأسرة وعدت بإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية، وبرغم أنها تعهّدت بإقفال كل صنابير الدعم المالي للعديد من المنظمات الإسلامية في العالم، إلا أن كل هذه الإجراءات لا تستهدف المصالحة مع الداخل السعودي، بل تسعى إلى وقف الخناقة مع الخارج الأمريكي.

ويبدو واضحا أن الأسرة تتحرك الآن على خطين اثنين. الأول، التعاون الأمني والمالي المطلق مع الولايات المتحدة لمواجهة بن لادن وباقي الحركات "الإرهابية". والثاني، محاولة التمديد الزمني المطلق أيضا لعملية الإصلاح.

وهنا ينبغي الالتفات إلى نقطة مهمة: ما ترفضه الأسرة لا يكمن في العمق في وضع الضوابط والقيود على البنية الإيديولوجية الوهابية، بل يتعلق أولا وأساسا بمسألة التخلّي عن المفاتيح الرئيسية للسلطتين السياسية والاقتصادية، وهذا ما يمكن أن تسفر عنه أية إصلاحات حقيقية.

فالدولة السعودية تخشى أن يؤدي ضرب شرعيتها الدينية التي توفرها الإيديولوجيا الوهابية إلى ضرب شرعيتها السياسية، وحينها، ستجد نفسها مضطرة (أو هذا على الأقل ما يعتقده بعض الأمراء) لمواجهة المجتمع السعودي بالعنف العاري وحده، إذا ما أرادت مواصلة الانفراد بالسلطة.

وهذه النقطة كان التفت إليها مبكرا الملك عبد العزيز، مؤسس الدولة السعودية. فحين تمّرد "الإخوان" الوهابيون عليه في الثلث الأول من القرن العشرين، عمد إلى ضربهم بقسوة، لكنه ما لبث أن تحّرك سريعا لإعادتهم إلى مواقع السلطة الدينية ليواجه بهم خصومه السياسيين.

والأرجح أن خلفاء عبد العزيز يحاولون الآن تكرار اللعبة نفسها، وأيضا أنهم كانوا سيحققون نجاحات في هذا المجال، لولا أن أحداث سبتمبر 2001 فتحت بطن المملكة أمام مباضع الوضع الدولي المطالب باجتثاث جذور الإرهاب عبر اجتثاث المنابع التعليمية والثقافية التي يرضع منها. وهذا التطور يقودنا إلى مناقشة الشق الثاني من سؤالنا الأول: البعد الدولي والإقليمي للأزمة الأمنية - السياسية السعودية الراهنة.

الهراوة الأمريكية

لقد أشارت "نيويورك تايمز" مؤخرا (11 نوفمبر) إلى أنه "من غير المحتمل أن تقوم الأسرة الملكية السعودية بالتغييرات الضرورية من تلقاء نفسها. لذا، يتعّين على الآخرين، بمن فيهم واشنطن، أن يقوموا بحفز الأمير عبد الله وخلفائه على اتخاذ الخطوات الجذرية الضرورية".

هذا الإلحاح الأمريكي المستمر على التغيير، يحدث للمرة الأولى في تاريخ التحالف السعودي – الأمريكي الذي استمر بنجاح وبلا توقف طيلة 60 عاما، ويُـحدث الآن موجات تلو الموجات من التوتر في صفوف الأسرة السعودية دافعا بعض الأمراء (كالأمير الوليد بن طلال) إلى الدعوة للتجاوب مع المطالب الأمريكية.

ويقول البعض الآن أن خيار التغيير هو المنقذ من ضلال خيار تقسيم السعودية، الذي يخطط له صقور وزارة الدفاع الأمريكية، والذي تدعمه بعض القوى الإقليمية النافذة.

بيد أن هذا التيار ما يزال أقلية داخل الأسرة، وهو لم يتمّكن بعد من فرض جدول أعماله الليبرالي على جدول الأعمال التقليدي الراهن. وتبعا لذلك، ينتظر أن يستمر التوتر القلق في المملكة، ومعه الضغوط الخارجية الأكثر إقلاقا إلى أن يتم العثور على صيغة تعايش جديدة ما بين الدولة والثورة في البلاد، أو أن ينهار هذا التعايش وتتفكك معه بنى الدولة السعودية القديمة.

سعد محيو - بيروت


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×