تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

السيد ياسـين: "الحركات الإسلامية تشكل أهم عائق للديمقراطية في العالم العربي"

رغم الحضور الجماهيري الواسع للإسلاميين في عدة بلدان عربية (في الصورة: تجمع لعشرات الآلاف من مؤيدي حركة حماس في غزة يوم 14 ديسمبر 2008)، لا يعتقد المفكر المصري السيد ياسين أن حركات الإسلام السياسي مرشحة لتعزيز الديمقراطية في المنطقة

(Keystone)

يُـعتبر السيد ياسّين من المثقفين المصريين والعرب القلائل، الذين يجتهِـدون لتقديم مادّة ثقافية عميقة، ولا تخلو في الغالب من مُـواكَـبةٍ لمُـختلف تطوّرات المعرفة الجارية في العالم، كما أنه معروف من خلال مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية برصْـده للمتغيرات في المنطقة ومحاولاته لاستشراف المستقبل.

يعتقد السيد ياسّين بأن الأنظمة السياسية العربية تتّـجه نحو الدّخول في مرحلة انتقالية، ستكون "مدنية" بالضرورة. ويؤسِّـس توقّـعه هذا على القول، بأن المرحلة السابقة شهِـدت ثلاثة أنماطٍ من الشرعية السياسية.

أولا: الشرعية الثورية، وأبرز نموذج لها ثورة 23 يوليو 1952 بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر. وحسب اعتقاد سيد ياسّيـن، سيكون الرئيس المصري الحالي حسني مبارك، آخر ممثِّـل لهذه الشرعية، ليس في مصر، فقط ولكن في العالم العربي أيضا.

ثانيا: الشرعية النضالية، وأهمّ من مثَّـلها هو الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة، الذي أسّس أحقيته بالسلطة على قيادة النِّـضال الوطني ضدّ المُـستعمِـر، ورأى في نفسه وحِـزبه الطّـرف الأكثر أهلية لبناء الدولة. ويعتقد يسِّـن بأن الرئيس بن علي سيكون آخر من يُـمثل هذا النّـمط من الشرعية، باعتباره الامتداد للمرحلة البورقيبية، كما أنه لا يستبعِـد أن تكون الدّورة الرئاسية القادمة للرئيس بن علي، هي آخر دورة له.

ثالثا: الشرعية التقليدية، وهي الشرعية التي تضُـم الأنظمة المَـلَـكية، التي يُـديرها ملِـك أو أمير أو ولِـي عهد أو تلك الأنظمة، التي اعتمدت على آلية التّـوريث في عملية انتقال السلطة، مثلما حدث في سوريا، رغم الطّـابع الجمهوري للنظام.

شرعيات انتهت.. وأخرى تتبلور

بعد استعراضه لهذه الأنماط الثلاثة من الشرعيات، يؤكِّـد السيد ياسِّـين لسويس أنفو، أنها جميعا قد استنفَـدت أغراضها، وبالتالي، فإن الذي سيأتي بعد الرئيس مبارك، مهما كانت صِـفته، سيتخلّـى بالضّـرورة عن الشرعية الثَّـورية، وسيكون رئيسا مدنيا، وبذلك، تدخُـل مصر في مرحلة انتقالية من الشرعية الثِّـورية إلى الشرعية الدستورية.

وقد يحصُـل صِـراع سِـلمي بين قوى متعدِّدة حول طبيعة هذا الانتقال، ودفعه في اتِّـجاه التفاعل مع الإصلاحات التي تُـطالب بها الأحزاب والحركات الاجتماعية. كما ستحدُث - حسب رأيه - حركِـية واسعة داخل أوساط المجتمع المدني المصري وستدور أيضا معركة قويّـة حول مسألة التمويل وبين الذين يقبلون التّـمويل الخارجي، حتى لو كان أمريكيا، وبين من يُـصرّون على الاعتماد على التّـمويل الوطني لتحقيق برامج مؤسساتهم.

أما بالنسبة للشرعية النِّـضالية، التي تمثلها تونس، فإن ياسِّـين يتوقّـع أن تشهد المرحلة القادمة اتِّـجاها يعكِـس ازديادا في مُـطالبة المجتمع والنُّـخبة في تونس، بتعدُّدية حقيقية وباحترام أكثر لحقوق الإنسان والتزاماً أشدّ بالديمقراطية، وهو ما سيفتَـح المجال بقوّة أمام التوجّـه نحو ترسيخ أسُـس دستورية أكثر صلابةً لانتقال السلطة وبناء شرعية مغايِـرة للشرعية النضالية، خاصة وأن يسِّـن يتوقّـع بأن الدّورة الرِّئاسية القادمة للرئيس بن علي، ستكون الأخيرة.

أخيرا، وبالنسبة للشّـرعية التقليدية، فهو يتوقّـع أن تطوّرها بطيئا، نظرا لاستنادها على آلية الشورى وعلى مجالس شورى معينة، وبالتالي، فإن نموَّها الديمقراطي سيتطلَّـب وقتا طويلا.

"أكبر معوق للديمقراطية"

كان من الطبيعي أن نُـثير في الحِـوار مع السيد ياسِّـين مِـلفّ الحركات الإسلامية، التي أسقطها في تحليله واستقرائه لمستقبل المنطقة العربية. فهذه الحركات تشهَـد حركيَّـة غير مسبوقة وتتراكم المؤشرات التي تدُل على أن هذه التشكيلات والأحزاب ستكون حاضِـرة بقوة في المرحلة القادمة. ففي أية خانة يضعها وعلى أية شرعية ستؤسّـس دورها المستقبلي؟

بدون ترّدد، اعتبر سيد ياسِّـين أن الحركات الإسلامية تشكِّـل أكبر مُـعوّق للديمقراطية في العالم العربي على وجه الإطلاق. وبالرغم من الفروق القائمة بينها، فهي - من وجهة نظره – لا تُـنتج سوى وعي زائف ورُؤية مغلقة للعالم، كما أنها غير قادرة على استيعاب النظام الدولي الحديث.

وضرب مثالا بحركة حماس، التي أساءت - حسب قوله - إدارة الصِّـراع، فحصلت النّـكبة الشديدة التي حصلت في غزّة، وأضاف أننا توهَّـما خطأً بأن حركة حماس، التي فازت في انتخابات ديمقراطية، بأنها ستنتقِـل من الأيديولوجيا إلى السياسة، لكنها استمرّت في التّـعامل بعد انتصارها مع القوى والأحداث والعالم، بنفس المنهج الذي مارسته إيران وطبّـقه حزب الله، لإعادة نفس التّـجربة، وبالتالي، انتهت إلى نفس المأزق. "إنها حركات لا تُـحسن قراءة الوضع الدولي ولا تفهم خصائِـص النظام العالمي، وليس لها استراتيجية سياسية حقيقة".

وعندما أعدنا الإشارة إلى ما تتمتّـع به هذه الحركات من حيوية سياسية قد ترشحها لمواقع متقدّمة في أكثر من بلد في حالة إجراء انتخابات نزيهة وديمقراطية، مثلما حصل في فلسطين، أكّـد ياسِّـين أن "هذه الحركات لن تكون في موقِـع الأغلبية وأن قوى اجتماعية عديدة ستتصدّى لها، وذلك، بسبب مواقفها الرِّجعية واندِفاعها في اتِّـجاه مُـضادٍّ للتاريخ".

وضرب مثالا بحركة الإخوان المسلمين في مصر، حين اعترضت في مشروع وثيقة برنامجها السياسي، التي تم توزيعها للاستشارة قبل فترة على تولِّـي غير المسلمين رئاسة الدولة، واقترحت إنشاء مجلس للفُـقهاء، تُـعرض عليه قرارات رئيس الدولة التي يصدرها خارج الدورات النيّـابية، لمعرفة مدى تطابُـقها مع الشريعة الإسلامية، وهو ما أكّـد برأيه أن "هدفهم السياسي هو إقامة دولة دينية في مصر، ولهذا، أقول بأن مشروعهم لن يمُـر، لا في مصر ولا في بقية الدول العربية".

معوقات رئـيسية في العالم العربي

المحور الثالث الذي تطرق إليه الحوار مع سيد ياسِّيـن، يتعلّـق بالبُـعد الثقافي. فبعد التعرف على وِجهة نظره بالنِّـسبة لمستقبل الأوضاع السياسية في العالم العربي، كيف ينظُـر للتحوّلات الثقافية الجارية في المنطقة؟

اعتبر المثقف المصري في إجابته، أن هناك تطوّر حصَـل في غاية الأهمية، ويتمثّـل في دخول العالم العربي عصْـر مُـجتمع المعلومات، لكنه يستدرِك قائلا بأن ذلك لا يعني أن العرب قد انخرطوا فِـعلا في الدورة العالمية وأصبحوا جزءً من اقتصاد المعرفة، إذ لم يُـدرك الكثير منهم أنّ عصْـر المعلومات يقوم على أسُـس جوهرية ثلاثة، أولا: ضرورة تبنِّـي الديمقراطية بكلّ أبعادِها، من حرية للتعبير والحقّ في التنظيم وتحقيق التّـداول السِّـلمي على السلطة.. ثانيا: الشفافية. ثالثا: حرية تداوُل المعلومات، حيث يصبح من حقّ كل مُـواطن الحصول على المعلومات مجّـانا وفي أيّ وقت.

هذه الشروط، إن تم تنزيلها على الواقع العربي، سيتأكّـد لدينا بأنه لم يتأسّـس بعدُ في هذه المنطقة مُـجتمع معلومات بالمعنى الحقيقي للكلِـمة، وذلك لوجود عددٍ من المعيقات الرئيسية.

من هذه المعيقات "الفجوة الرقمية العميقة، التي تُـعاني منها مختلف دُول المنطقة وحِـرص غربي شديد على احتِـكار المعرفة، أما على المستوى الثقافي، نسجِّـل سيادة التفكير الخُـرافي، بسبب سيادة ثقافة دِينية مُـنحرفة، وتلعب حوالي 20 فضائية عربية دورا خطيرا في نشر وعي دِيني زائِـف، بهدف إشغال المسلمين عن الاهتمام بمشكلاتِـهم الحقيقية، وهو ما يصُـبّ في صالح المُـسيطرين على أنظمة الحُـكم والمتخمين في جزء هامّ من رأس المال العربي".

هناك أيضا "الافتقار للروح العِـلمية. فعدد الكُـتب المؤلّـفة أو المترجمة للعربية، لا تقاس مقارنة بالكُـتب الدِّينية، التي تروِّج لثقافة مغشوشة" إضافة إلى "السلبية، التي عليها المثقفون العرب، الذين يعانون من جُـمود ثقافي مُـخيف، ممّـا جعلهم يستمرّون في إعادة إنتاج خِـطابات قديمة، رغم الثورات المعرفِـية، التي حصلت في العالم".

يُضاف إلى ما سبق "نشوء أجيال جديدة لا تقرَأ، وهي إذ اكتَـسبت معرفةً جيدةً بتكنولوجيا المعلومات، إلا أنها لا تعرِف شيئا عن تاريخ بُـلدانها وتجهل الثقافة المُـعاصِـرة. وبما أن هذا الجيل هو الذي سيحكُـم فيما بعد، فإن مخاطِـر حقيقية ستُـهدِّد مُـستقبل العرب" .

أخيرا هناك "زحفٌ لأنماطٍ من التفكير والعادات والقِـيم الواردة من الخارج، ولَّـدت حالة انغماس عديد الدُّول النّفطية في سياسة استهلاكية غير عَـقلانية، وإقبال غريب على الاستثمار في المجال العقاري بالمليارات، لبناء أكبر بُـرج في العالم وأضخم فندق... إلخ، لكن الموضوعية تستوجِـب في هذا السِّـياق، التَّـنويه بمشاريع هامّـة في المجال الثقافي، مثل مؤسسة راشد بن مكتوم، التي خُـصّـصت لها ميزانية تُـقدَّر بعشر مليون دولار للتّـرجمة، وكذلك مدينة العلوم بالمملكة العربية السعودية"، على حد تعبيره.

أجرى الحوار في بيروت صلاح الدين الجورشي

السيد ياسين

السيد ياسين السيد محمد، كاتب ومفكر اقتصادي مصري. من مواليد أدفا، مركز سوهاج. حصل على الدكتوراه في علوم الاقتصاد والسياسة، ويشغل حاليا منصب مستشار لمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية وأستاذ عِـلم الاجتماع السياسي في المركز الوطني للأبحاث الاجتماعية والعلوم الجنائية في القاهرة.

شغل منصب مدير مركز الأهرام للدراسات بين عامي 1975 و1994 ومنصب السكرتير العام لمنتدى الفِـكر العربي في الأردن بين عامي 1990 و1997، وعمل مساعدا بوزارة الخارجية المصرية ومديرا بوزارة البحث العلمي، وله مؤلفات كثيرة واهتم بتوضيح فكرة العولمة وله دراسات خاصة فى الاقتصاد الحر.

يحمل شهادة البكالوريوس من جامعة الإسكندرية عام 1957 وشهادة الماجستير من جامعة القاهرة عام 1962 في علم الاجتماع والعلوم السياسية. درس في جامعة ديجون بفرنسا بين عامي 1964 و1966 وفي جامعة باريس عام 1966.

نهاية الإطار التوضيحي


وصلات

×