تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

السيناريو التركي لمستقبل العراق

(Keystone)

أجرى رئيس الحكومة التركي بولنت أجاويد هذا الأسبوع محادثات في واشنطن تكتسب أهمية استثنائية ليس فقط بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعيشها تركيا والملفات الضاغطة في قبرص والعلاقات مع الاتحاد الأوروبي·

فالحلقة المركزية في المحادثات ستكون بلا شك "المسألة العراقية" خصوصاً مع تواصل الكلام على ضربة أميركية محتملة، بعد أفغانستان، تستهدف الإطاحة بنظام الرئيس العراقي صدام حسين·

يذهب أجاويد للقاء بوش محاطاً بإجماع تركي على معارضة ضربة أميركية للعراق، وجاء هذا الإجماع على لسان الرئيس أحمد نجدت سيزير الذي قال إن "تركيا أوضحت بصورة جلية أنها لا ترغب بعملية عسكرية أميركية ضد العراق"·

وأجاويد نفسه صرّح أكثر من مرة أنه يعارض مثل هذه الضربة لأنها ستؤدي إلى تقسيم العراق وإقامة دولة كردية، وانضم الوسط الإقتصادي إلى الحملة المعارضة لمثل هذه الضربة مع تصريح طونجاي أوزإيلهان رئيس جمعية الصناعيين ورجال الأعمال الأتراك "Tüsiad" من أن "عمليةً ضد العراق سوف تؤذي تركيا اقتصادياً· ونحن كرجال أعمال أتراك لا نؤيد مثل هذه العملية"·

غير أن اللافت في الإجماع التركي هذا هو انضمام رئيس الأركان التركي الجنرال حسين كيفريك إلى المعارضين لضرب العراق وتحذيره من أن المشكلة هذه المرة ليست اقتصادية فقط بل ستكون أكبر مع طرح إقامة دولة كردية مستقلة، ومشككاً في قدرة مئة ألف بل نصف مليون جندي على الإطاحة بصدام حسين، كذلك انضمت أحزاب المعارضة التركية إلى الموقف المعارض لضرب العراق·

ممّ يتخوف المسؤولون الأتراك؟

يعود مصدر القلق التركي إلى عاملين أساسيين: اقتصادي وأمني، فخسائر تركيا من حرب الخليج الثانية ناهزت حتى الآن حوالي 53 مليار دولار، وهم يعتقدون أن حرباً جديدة ضد العراق تعني تعميق الضرر الاقتصادي والإطاحة بكل المكاسب التجارية مع العراق التي بدأت تتحقق تدريجاً في السنوات الأخيرة·

أما العامل الثاني وهو الأهم فهو أن الأتراك يتخوفون من أحداث تغيير جذري في طبيعة النظام العراقي وفي خريطة العراق عموماً· فـ "الوضع القائم" حالياً يضمن لتركيا:
1 ـ وحدة الأراضي العراقية
2 ـ عدم ظهور دولة كردية مستقلة
3 ـ امكانية السيطرة والإشراف وضبط الوضع في المنطقة الكردية في شمال العراق بصورة تحول دون اعلان اية دولة كردية مستقلة·

إن الإطاحة بنظام موحّد للعراق بصورة صارمة، يفتح الطريق أمام نظام ديموقراطي تتمثل فيه كل الفئات العراقية ويعطي المجموعات العرقية المختلفة ما تتطلع إليه منذ مدة طويلة، وفي مقدمها إقامة كيان كردي بصورة أو بأخرى· وهو ما ترفضه تركيا التي تعرف جيداً، مهما حاولت، أنه سينعكس على وضع الأكراد الأتراك والذين يقاربون الـ 21 مليوناً·

لذا فالمسألة لدى انقرة ليست الإطاحة بصدام أو لا، بل مستقبل العراق بعد صدام، وهذه هي النقطة المركزية التي سيتركز عليها النقاش بين أجاويد وبوش·

إذن الإجماع التركي على معارضة ضربة للعراق واقع قائم وله مبرراته الموضوعية· لكن ذلك لا يحول دون أحداث تغيير في الموقف التركي واستخدام الإجماع على معارضة ضرب العراق من أجل رسم خريطة للعراق في اتجاهات تنسجم مع المصالح التركية· وتركيا تستفيد من حقيقة أن أية عملية برية ضد صدام حسين غير ممكنة من دون مشاركة تركية فعّالة، وفي ظل التحفظ العربي على مثل هذه الضربة، خصوصاً بعد الحملة الأميركية ضد كل ما هو عربي ومسلم في اثر احداث 11 ايلول·

السيناربو المحتمل

يتوقع المراقبون إنه إذا حصل أجاويد من بوش على ضمانات وتأكيدات من أنه لن تنشأ دولة كردية مستقلة في حال وجهت ضربة للإطاحة بصدام حسين، فإن الطريق ستكون مفتوحة أمام تغيير جذري في الموقف التركي المعارض حتى الآن لمثل هذه الضربة، والسيناريو الذي يتداول هو:

1 ـ من المستحيل العودة بالوضع الكردي في العراق إلى ما قبل حرب الخليج الثانية· ومع الإتفاق على منع اقامة دولة كردية مستقلة، فإن منح الأكراد حكماً ذاتياً موسعاً وحقيقياً سيكون هو الإحتمال الأرجح·
2 ـ مكافأة انقرة عبر اقامة منطقة حكم ذاتي آخرى للتركمان في منطقة كركوك، فتكون )ذراعاً( لتركيا من جهة، ومنطقة مكاسب اقتصادية نظراً لأنها منطقة نفطية مهمة·
3 ـ إقامة مناطق حكم ذاتي أخرى واحدة منها في الجنوب للشيعة·
4 ـ تلزيم الشركات التركية الحصة الأكبر من العقود التجارية وإعادة الأعمار والاستثمارات بحيث تكون هي الشريك التجاري الأكبر للعراق·

ومثل هذا السيناريو يضمن لتركيا:

1 ـ استمرار وحدة الأراضي العراقية
2 ـ منع إقامة دولة كردية مستقلة
3 ـ إبقاء العراق ضعيفاً
4 ـ تحويل العراق إلى منطقة نفوذ تركية تطلّ منها على كامل منطقة الخليج وايران·

ولن يكتفي أجاويد بالحصول على مكاسب على الجبهة العراقية بل سيحاول توظيف المشاركة التركية اللاحقة في ضرب العراق من أجل الحصول على دعم أميركي للتخفيف من الضغوط الهائلة التي تتعرض لها تركيا في مسائل أخرى مثل: القضية القبرصية، العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، قضية "الجيش الأوروبي"، فضلاً عن دعم الاقتصاد التركي المنهار عبر قروض صندوق النقد الدولي·

فهل يحصل أجاويد على الضمانات التي تبدّد هواجس تركيا فتتمهد السبل أمام ضرب العراق؟ أم تنتظر واشنطن توقيتاً أفضل فتتأجل الضربة مرة أخرى؟

د. محمد نور الدين - بيروت

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×