Navigation

الشرطي الأوروبي يُوسّـع منطقة العمليات من المتوسط إلى إفريقيا؟

صورة التقطت يوم 8 فبراير 2008 في نجامينا لأحد الجنود العاملين في القوة الأوروبية التي تم نشرها في التشاد وافريقيا الوسطى لجماية اللاجئين السودانيين من دارفو والمرحلين المحليين AFP

حسم التمرّد، الذي كاد يعصِـف بحُـكم الرئيس التشادي إدريس ديبي في وقت سابق من شهر فبراير الجاري، التجاذب الأوروبي الذي استمر أشهرا طويلة بسبب الاعتراض على إرسال قوات "يوروفور" للتمركز في التشاد.

هذا المحتوى تم نشره يوم 20 فبراير 2008 - 05:01 يوليو,

وتمّ حلّ الخلاف أخيرا بالاتفاق على إرسال قوات فرنسية ترتدي ملابس قوة التدخل السريع الأوروبية "يوروفور"، لتنتشر في مناطق شرق التشاد وشمال شرق جمهورية إفريقيا الوسطى، أي قُـبالة إقليم دارفور السوداني.

تشكلت قوّة "يوروفور" في تسعينات القرن الماضي، من قوات فرنسية وإيطالية وإسبانية وبرتغالية للتدخل في المنطقة المتوسطية، وعلى أساس مساهمة كل بلد بخمسة آلاف جندي تحت قيادة دوارة يتولاّها سنويا ضابط سامٍ من أحد البلدان الأربعة، وهذه هي المرة الأولى التي تُكلّـف فيها هذه القوة بمهمّـة خارج المنطقة المتوسطية.

اعتراض أوروبي

ربما تقبل الولايات المتحدة على مضض أن يكون التشاد وجارته إفريقيا الوسطى من "حصة" فرنسا، على اعتبار أن السّـيطرة على الأوضاع هناك تقطع الطريق أمام تسرّب حركات تُصنّـفها واشنطن في خانة الإرهاب، غير أن الأوروبيين لا يُسلّـمون لفرنسا بهذا النفوذ، بعدما اتضح أن التشاد ينطوي على مخزون مُـهم من النفط.

وكانت الجلسة التي عقدها وزراء الخارجية الأوروبيون في بروكسل يوم 30 من الشهر الماضي وخصّـصوها لبحث الوضع في التشاد، ساخنة ودقيقة، إذ أنها وضعت حدّا لتجاذُب استمر ستة أشهر بين فرنسا ونظيراتها الأوروبية، التي لم تكن مُقتنعة بجدوى الخطّـة الفرنسية، الداعية لنشر قوة عسكرية أوروبية في شرق التشاد.

وأفاد خبير عسكري فرنسي، رفض الكشف عن هويته، لسويس إنفو أن القوة ستتألّـف من 3500 رجل من بينهم 2000 جندي فرنسي، سيأتون أساسا من عناصر القوة المتمركزة حاليا في إفريقيا الوسطى والتشاد، ضِـمن ما يُعرف بعملية "الصقر" (Epervier)، مما سيُقلِّـل من طابعها الأوروبي، وهذا يعني أن فرنسا ستُـهيمن على القوة الأوروبية، وقد اختارت باريس أمام التحفّـظات الأوروبية، أن تأخذ على عاتقها تأمين المعدّات والتجهيزات اللازمة لتلك القوة، بل هي تعهّـدت بتحمل الكلفة الإجمالية لنشرها هناك.

أما المدد البشري، فستُـساهم فيه ثلاثة عشرة دولة أوروبية بدرجات متفاوتة، إذ ستتحمّـل بولندا وأيرلندا القسم الأوفر مع فرنسا، فيما تشارك الدول الأخرى، مثل بلجيكا وإسبانيا والنمسا بقوات رمزية.

وسعيا للمزيد من تهدِئة المخاوِف، اعتمدت باريس على باتريك ناش، القائد الأيرلندي لقوة "يوروفور" ليُقدّم مزيدا من التطمينات للرأي العام الأوروبي، إذ أكّـد في تصريحات أدلى بها في بروكسل بعد نهاية اجتماع وزراء الخارجية، الطابع "الحيادي والمستقل (عن فرنسا)"، للقوات التي ستنتشر في التشاد وتعهد بأن لا تتحوّل إلى مجرّد أداة عسكرية لفرنسا في كل من التشاد وإفريقيا الوسطى، إلا أن الرأي العام الأيرلندي بدا غير مُقتنِـع بتعهدات الجنرال ناش، إذ خرجت الصّـحف الأيرلندية في اليوم التالي بتعاليق حذّرت من احتمال فقد أيرلندا موقعها المحايد، ونبّـهت إلى أن تدهوُر الوضع مجدّدا في التشاد قد ينزلق بمهمّـة "يوروفور"، بشكل يجعلها أداة تُعزز بها فرنسا وسائل تدخّـلها العسكري في القارة.

ولاشك في أن تباعُـد الموقفين، يعكِـس اختلاف المصالح بين الأيرلنديين الذين لا يملِـكون مطامع في التشاد، والفرنسيين الذين يأملون الاستفادة من مخزونه النفطي.

كما أن نوابا يمثلون بُـلدانا أوروبية أخرى، بالإضافة لمنظمات غير حكومية أوروبية، حذروا من أن فرنسا تسعى لاستخدام القوة الأوروبية التي ستنتشِـر قُـبالة دارفور، لتعزيز حضورها في دول وسط القارة.

غطاء قانوني

والأرجح، أن الانتشار سيتِـم على مراحل قبل شهر يوليو المقبل، الذي يتزامن مع موسم الأمطار في المنطقة. ولم تجد الدول الأوروبية من غِـطاء قانوني لتبرير نشر قوة "يوروفور"، سوى قرار مجلس الأمن رقم 1778 الصادر في السنة الماضية، والذي يقضي بحماية عناصر الشرطة الدولية المُكلفة بحماية مخيمات اللاجئين النازحين من دارفور وتأمين الإمدادات الإنسانية لهم.

وفي حديثه لسويس إنفو، اعتبر الخبير العسكري، الذي فضل عدم كشف هويته، أن فرنسا استطاعت جرّ الإتحاد الأوروبي بشكل غير مباشر إلى إدارة الوضع في دارفور، في الوقت الذي تواجه فيه مهمّـة الأمم المتحدة والإتحاد الإفريقي مصاعِـب جمّـة، نتيجة التشكيك الأوروبي في جدواها.

غير أن محللين آخرين أشاروا إلى أن بريطانيا وألمانيا اللّـتين تملِـكان ثِـقلا كبيرا في الإتحاد، ترفضان الانسياق وراء الخطّـة الفرنسية لتوسيع دائرة تدخّـل قوة "يوروفور"، انطلاقا من اعتقادهما أن خافيير سولانا، منسّـق السياسة الخارجية الأوروبية يحاول استخدام تلك القوة بدعم من فرنسا، لتبرير إخفاق سياسة الأمن والدفاع الأوروبية في مناطق أخرى، وخاصة كوسوفو وقطاع غزة.

ولوحظ أن وزير الدفاع الفرنسي ايرفي مورين وصل إلى العاصمة التشادية نجامينا، بعد وقت قصير من اعتماد وزراء خارجية الإتحاد الأوروبي قرار إرسال عناصر "يوروفور" إلى التشاد، في زيارة خاطفة التقى خلالها الرئيس ديبي.

وفي الوقت نفسه، صرّح عبدالرحمن كلام الله، المتحدث باسم تحالف المتمرّدين الذين أتوا من السودان لوكالة الأنباء الفرنسية، أن مجيء تعزيزات عسكرية فرنسية لن يردعَـهم عن الهجوم مجدّدا، محذرا باريس من "أي تدخل مباشر" في البلاد.

وربما يكون الوزراء الأوروبيون أخذوا هذا السيناريو في الحُـسبان لدى اتّـخاذهم القرار، إذ تركوا حجم القوات المُـزمع إرسالها مفتوحا، وهو يراوح بين ألف وثلاثة آلاف إلى عشرة آلاف رجل.

من جهة أخرى، تردد أن إسرائيل عرضت تقديم دعم لوجستي لقوة "يوروفور" في التشاد، انطلاقا من اعتقادها أن استمرار ديبي، المتحالف معها والمتخاصم مع السودان، يخدم مصالحها.

ولفت الخبير، الذي تحدث إلى سويس انفو، الانتباه إلى أن إرسال القوة الأوروبية إلى وسط إفريقيا يشكل انعطافا في مسار "يوروفور"، التي كانت دائرة عملياتها تقتصِـر على ضِـفاف البحر المتوسط، واستدل بأن آخر المُـناورات التي أجرتها، تمت في مدينةLa Thuile من محافظة "سهل أوستا"(Valle d'Aosta) بشمال إيطاليا، وكانت مُركّـزة على التحرك في الجبال الثلجية، مما يُحيل على البيئة البلقانية (كوسوفو مثلا)، وليس على المناخ الإفريقي.

تجمع الساحل والصحراء

ويبدو أن ليبيا، التي لا تعترض على تدخل "يوروفور" في التشاد، على رغم أنها تصدّت بشدة لتشكيلها في العقد الماضي، تعمَـل من جانبها على تكوين قوة إقليمية تكون وسيلة لتقاسُـم النفوذ مع فرنسا في وسط إفريقيا تحت غطاء تجمّـع الساحل والصحراء (س. ص).

ورعى وزير الدفاع الليبي اللواء أبو بكر يونس جابر في أواسط شهر يناير الماضي في طرابلس، اجتماعا لرؤساء الأركان وقادة الأجهزة الأمنية في كل من التشاد وليبيا ومالي والنيجر، لدرس تأسيس قوة عسكرية مشتركة، وعزا أمين عام "تجمع س. ص" المدني الأزهري، سبب تشكيل القوة إلى "انتشار ظاهرة الإرهاب وتجارة الأسلحة والمخدرات وضعف القدرة على مراقبة الحدود"، ونبه إلى أن اتساع الرقعة الجغرافية وضُـعف الإدارة الأمنية، هما عاملان مساعدان على "انتشار هذه الظواهر وانتقالها (من بلد إلى آخر)، ما يدعو لإيجاد حلول جذرية لمواجهة التحديات"، حسب قوله، وعبر عن الأمل بأن تكون القوة المشتركة "نواة لجيش إفريقي واحد".

ويُعتبر الرئيس ديبي، القاسم المشترك بين ليبيا وفرنسا وإسرائيل، إذ التقى الثلاثة حول الدفاع على حُـكمه في وجه الخصوم الذين يعملون على تقويضه، وشكلت حماية نظامه مناسبة لتكريس انعطاف في مسار "يوروفور"، جعلتها تنتقل على بُـعد آلاف الأميال من مركز قيادتها في فلورانسا إلى وسط إفريقيا.

لكن هذه النقلة تتزامن مع عودة أمريكية قوية للاهتمام بشؤون القارة، جسّـدتها جولة الرئيس بوش على ستة بلدان إفريقية. والأرجح، أن هذه الجولة لا ترمي فقط لمواجهة النفوذ الصيني المتزايد في القارة، وإنما أيضا لضبط الإيقاع الغربي في أزمات القرن الإفريقي وغرب السودان، حيث الوجود العسكري الفرنسي المكثّـف في مثلث جيبوتي – إفريقيا الوسطى – التشاد.

وفي ظل رغبة فرنسا الساركوزية في العودة إلى هياكل الحلف الأطلسي، يجب توقع تفاهمات فرنسية – أمريكية على تقاسم النفوذ في إفريقيا في الفترة المقبلة، وخاصة في مناطق النفط مثل التشاد.

ومعلوم أن إدريس ديبي طرد شركتي "شوفرون" الأمريكية و"بتروناس" الماليزية في صيف 2006، بعدما اتّـهمهما بالامتناع عن دفع الضرائب لسلطات بلده، وتوصّـل لتفاهم مع شركات أوروبية.

كما أن إصرار الإدارة الأمريكية على تشكيل قوة "أفريكورب" وإيجاد قواعد ارتكاز لها في القارة الإفريقية، سيحملها على التوصّـل إلى تفاهمات مع فرنسا والدول الكبرى الأخرى المؤثرة في القارة، لكن هل هناك إمكانات لبلورة موقف إفريقي جماعي من هذه العودة القوية، لتجديد الحضور العسكري الأجنبي في القارة؟

تونس – رشيد خشانة

ما هي "يوروفور"؟

قوة تدخل سريع برية مشتركة تقرر تشكيلها في سنة 1995 من عناصر عسكرية فرنسية وإيطالية واسبانية وبرتغالية على أساس 5000 جندي من كل بلد.

دخلت طور العمل الفعلي في سنة 1998، لكن تقرر إبقاء القوات في بلدانها على أهبة الاستعداد للالتحاق بالقوة المشتركة عند الاقتضاء، وهي قوات يتم تجديدها كل سنتين.

يمكن أن تُجند القوة 25 ألف جندي وفي مرحلة أولى فرقة مؤلفة من 10000 إلى 12000 جندي.

تتشكل قيادة الأركان من 100 ضابط وضابط صف من البلدان الأربعة، ويوجد مقرها في مدينة فلورانسا الإيطالية.

يتداول على القيادة ضابط من البلدان الأعضاء لمدة سنة.

تتكون النواة الدائمة من وحدة إيطالية، تملك من الطاقات اللوجستية والبشرية، ما يُؤهلها للتدخل الفوري بوصفها النواة الأولى لقوات التدخل.

قرار التدخل يبقى من صلاحيات كل دولة.

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.