Navigation

الشرق الأوسط: الطريق إلى الـ"كاتيوشا"

جندي احتياطي إسرائيلي يستعد لاستهداف لبنان على الحدود الإسرائيلية اللبنانية يوم 6 أغسطس 2006 Keystone

لم يكن أحد يتصوّر أن صاروخا لا يمثّـل، وفـقا للمعايير العسكرية التقليدية، سوى سلاح إزعاج يمكن أن يؤدّي إلى تأثيرات إستراتيجية في حرب واسعة النطاق، كحرب لبنان.

هذا المحتوى تم نشره يوم 11 أغسطس 2006 - 10:58 يوليو,

إلا أن ذلك قد حدث بالنسبة لصواريخ "كاتيوشا"، التي تصنّـف عادة على أنها "مدفعية صاروخية"، وليست صواريخ بالمعنى المعروف.

هذا التتطور يُـشير إلى أن بعض المفاهيم السائدة لإدارة العمليات العسكرية قد تتغيّـر في الشرق الأوسط، فيما يتعلّـق بامتلاك واستخدام الصواريخ على الأقل، فما هي القصة؟

لقد كانت كل من إسرائيل ومصر قد حاولتا إنتاج الصواريخ أرض - أرض في الستينات عبر الاستعانة بتصميمات دولية أو "خِـبرة ألمانية" تحت مسمَّـيات مُـختلفة مثل "جيركو" أو القاهر والظافر، إلا أنهما لم تتمكّـنا من ذلك، فاستعانت إسرائيل بشركات السلاح الفرنسية لإنتاج صاروخها الذي قامت بتطويره محليا بعدها، لتقوم بتطوير صاروخها المعروف "جيركو – 2"، الذي يُـعتقد أنه يحمِـل رؤوسا نووية، بينما لجأت مصر وقتها إلى الإتحاد السوفيتي، ليظهر في الساحة صاروخ "سكاد – بي"، وليبدأ السباق في المنطقة.

غابة من الصواريخ

كان "سكاد – بي" هو أشهر صواريخ الشرق الأوسط قبل "كاتيوشا". ففي السبعينات، تمكّـنت عدّة دول عربية من الحصول عليه، لينتشر على نطاق واسع لدى سوريا والعراق وليبيا واليمن الجنوبي "السابق"، وإيران فيما بعد، بأعداد كبيرة، وهو صاروخ متوسّـط المدى، يبلغ مداه حوالي 300 كلم، لكن عصر "سكاد – بي" لم يستمر طويلا. فقد تحوّلت ساحة الإقليم إلى غابة من الصواريخ، فهناك 10 دول تمتلك حاليا ما لا يقل عن 12 طراز رئيسي من الصواريخ، التي يتراوح مداها بين 3600 كلم ومجرّد 70 كلم.

لقد كانت مُـعظم "دول سكاد" قد حصلت على صواريخ قصيرة المدى مثل فروج 7 (70 كلم) أو إس إس – 21 (120 كلم)، التي تحمِـل رؤوسا حربية تصل إلى 450 كلم، كما قام بعضها، مثل سوريا وإيران بالحصول على الطراز الأكثر تطوّرا من "سكاد"، وهي الفئة سي التي يصل مداها إلى 500 كلم، وحصلت السعودية على صواريخ "سي إس إس – 2" الصينية، التي يصل مداها إلى 2600 كلم، وعمل كثير منها على امتلاك أعداد كبيرة من منصّـات الإطلاق التي تُـتيح توجيه ضربات مكثفة للأعداء المُـفترضين.

لكن التطور الحقيقي في انتشار الصواريخ، ارتبط بمحاولات التطوير المحلية لها. فقد بدأ العراق في تطوير نُـسخ معدّلة من سكاد، لتظهر صواريخ الحسين والعباس، كما قامت إيران بنفس العملية تقريبا، لتظهر سلسلة "شهاب"، وكذلك فعلت سوريا ومصر في فترة ما، لتظهر وقتها مسميات مثل كوندور، لكن طموحات بعض الدول تجاوزت ذلك بكثير، وتحديدا إسرائيل والعراق وإيران، فقد حاولت تلك الدول إنتاج صواريخ متعدّدة المراحل، فضائية أو شبه عابرة للقارات، كشافيت والعابد، وبدأت بعد ذلك مسيرة أنظمة الصواريخ المضادّة للصواريخ مثل "أرو"، ومشروعات أخرى لم تكتمل.

إستراتيجيات محيّـرة

لقد كانت الصواريخ تُـعتبر دائما أسلحة محيّـرة في المنطقة، فلم تكن هناك مشكلة بشأن استخدامات الصواريخ قصيرة المدى، مثل فروج ولونا وصقر وفجر وزلزال، فهي أسلحة قِـتال يُـمكن استخدامها في المعارك بدون حساسيات كبيرة، إلا إذا تمّ استخدامها ضدّ أهداف مدنية في عمق الدول الأخرى، ولم تكن هناك مشكلة بالطبع في التعامل مع "المدفعية الصاروخية"، مثل كاتيوشا، فلم تكن تشكّـل سوى أسلحة عادية، لا تؤثّـر بشدّة في المعارك النظامية في ظل انتشار الوحدات العسكرية على مساحات واسعة، إلا كقوة نيران إضافية، بل كانت مشكلتها أنها تكشِـف عن مصدرها بسهولة في الصحراء.

لكن بالنسبة للصواريخ متوسِّـطة المدى، كانت هناك إشكاليات كبرى فرضَـت نفسها على نِـقاشات المؤسسات العسكرية بشأن إستراتيجية استخدامها، أول تلك النقاشات ارتبط بما إذا كانت تمثل أسلحة ردع إستراتيجية أم أسلحة قتال في المعارك، وقد بدت مسألة محسومة.

فالنصائح السوفيتية، التي ترافقت مع إتاحة صواريخ سكاد للدول العربية والجدالات العربية ذاتها، أكّـدت أنها أسلحة "ردع إستراتيجي" لا تُـستخدم سوى في حالات قصوى، تتعلّـق تحديدا بالحرب الشاملة.

عندما بدأت أسلحة التدمير الشامل في الانتشار، كانت هناك مشكلة ما إذا كانت الصواريخ تمثِّـل في حدِّ ذاتِـها سلاحا مستقلا، إذا تمّ استخدامها محملةا برؤوس تقليدية أم أن فعاليته الحقيقية ترتبط بتحميلها برؤوس غير تقليدية، كيماوية أو نووية، ولأن مسارح عمليات الأقاليم تختلف عن مسرح العمليات الدولي، كانت هناك تصوّرات مختلفة. فإسرائيل حمّـلت بعضها برؤوس نووية، و"عراق صدام حسين"، حمّـل بعضها برؤوس كيماوية، واحتفظ الطرفان وأطراف أخرى بها، محمّـلة برؤوس تقليدية، وكان المِـحكّ هو ما يمكن أن يحدُث فعليا.

استخدامات متكررة

وفي الواقع، لم تكن مُـشكلة الشرق الأوسط مع الصواريخ ترتبط فقط بسعي دول الإقليم لامتلاكها أو حتى وجود بعض "النقاط المعلقة" حول إستراتيجية استخدامها، وإنما في الأساس بقيام بعض الأطراف باستخدامها فِـعليا خلال المعارك، في حالات عديدة، وِفق قواعد اشتباك، طالما أثارت التساؤلات حول الطريقة التي تفكَّـر بها "الدول" في الصواريخ.

كانت مصر تنظر لها كأسلحة رَدع إستراتيجي، ووضح ذلك في حرب أكتوبر 1973، عندما أمر الرئيس السادات بإطلاق صاروخين من طراز "سكاد – بي" في اتجاه الصحراء، على ما يبدو، في إطار رسالة تفيد في تثبيت وقف إطلاق النار الذي كان قد تمّ الاتفاق عليه، لكن سوريا قامت في نفس الحرب باستخدام صواريخ "فروج" باتِّـجاه شمال إسرائيل، وكان الرد الإسرائيلي ضد دمشق مباشرة، لتستقر "قواعد الاشتباك" في الحروب النظامية على أن "العمق بالعمق".

بعد ذلك بسنوات، جرى أسوأ استخدام للصواريخ بالمنطقة في ظل ما سُـمي "حرب المُـدن" بين العراق وإيران في نهاية حربهما، التي استمرت 8 سنوات. فقد قامت إيران بقصف بغداد بالصواريخ، ثم تمكّـن العراق من إغراق طهران وبعض المدن الإيرانية بما لا يقِـل عن 160 صاروخا من طرازات سكود المعدّلة، التي أثارت الرُّعب وأدّت إلى خسائر بشرية فادِحة، ممّـا أدّى في النهاية إلى قبول الإمام الخميني وقف إطلاق النار، الذي كان بمثابة "تجرّع للسم" بالنسبة له، حسب تعبيره.

في نفس المرحلة تقريبا، وفي يناير عام 1986، شهِـدت المنطقة أكثر استخدامات سكاد – بي إثارة، خلال صراع السلطة في اليمن الجنوبي، عندما استُـخدمت بعض تلك الصواريخ داخل العاصمة عدَن، وعندما أطلقت ليبيا صاروخا من طراز سكاد – بي أيضا باتجاه إيطاليا إثر تعرُّضها لهُـجوم أمريكي، وتكرّر الموقف في حرب اليمن عام 1994، التي كانت تتراوح بين كونها صراع سلطة وحرب أهلية وحرب انفصالية، حيث أطلقت الصواريخ مرّة أخرى على العاصمة صنعاء، وهو نوع من الاستخدام الداخلي لتلك الصواريخ.

تكرّر استخدام تلك الصواريخ في حرب الكويت عام 1991، حيث أطلقت القوات الأمريكية أعدادا هائلة من الصواريخ الموجّـهة هذه المرة من طرازات كروز ضدّ أهداف عراقية، بينما قام العراق بردّ مُـثير أيضا، من خلال إطلاق 39 صاروخا ضد إسرائيل، وعدد آخر من تلك الصواريخ ضد الرياض ومناطق أخرى في السعودية، وبينما لم تؤدّ الصواريخ التي أُطْـلِـقَـت على إسرائيل إلى خسائر تُـذكَـر، أدّى أحد الصورايخ التي أطلقت باتِّـجاه السعودية إلى خسائر كبيرة، وهو ما أدّى إلى تقليل تحليلات مُـختلفة من فعاليتها المفترضة، رغم قدرتها على الاختراق، مع وجود النظم المضادّة لها.

عهد الـ"كاتيوشا"

في هذا الإطار، كان من المُـمكن دائما قراءة الدّروس المتعلّـقة باستخدام الصواريخ في الشرق الأوسط، فيما يتّـصل بالحروب النظامية بين الدول أو داخل الدول، لكن المعادلات بدت دائما شديدة التعقيد ومربكة، فهي "واضحة" عام 1973 وواضحة أيضا عام 1988، لكنها تطرح دروسا متناقضة بشأن ما حدث في سنوات 1986 و1991 و1994، وهنا، يبدو أن تقْـييم تأثيرات استخدام الصواريخ يرتبِـط بظروف كل حالة على حِـدة، وتُـشير الملابسات المتعلّـقة باستخدام الكاتيوشا في حرب لبنان إلى وجود "درس خصوصي".

لقد انتشر استخدام تلك الصواريخ قصيرة المدى، غير الموجّـهة، التي تحمِـل رؤوسا حربية صغيرة، مؤخّـرا على نِـطاق واسع، إذ استخدمت حركة حماس صواريخها المحلية من طراز القسّـام ضد إسرائيل، وكانت مؤثرة، واستخدم تنظيم القاعدة صواريخ كاتيوشا ضد ميناء العقبة الأردني، وكان تطوّرا نوعيا، واستخدم حزب الله أخيرا صواريخه ضدّ المدن الإسرائيلية، وكانت مُـرعبة، على الرغم من أن كل تلك الصواريخ تُـعتبر بمنطق الحروب النظامية "ألعابا نارية".

إن القضية في تلك الحالات، ليس نوعية الصواريخ المستخدمة، كما هو واضح، لكن نِـطاق مسرح العمليات الذي تُـستخدم فيه، وطبيعة الأهداف التي توجّـه إليها، فأي سلاح يُـمكن أن يُـمارس تأثيرات إستراتيجية إذا كان من الممكن أن يصل إلى عمق الدولة الأخرى، وإذا كان من الممكن أن يتسبب واحد من كل 80 صاروخا يتم إطلاقها منها مثلا في خسائر من نوع ما، وبالتالي، يمكنه أن يؤثر في سلوك الطرف الآخر، بصرف النظر عن مداه وشُـحنتِـه، لكن ثمة شرطا إضافيا وهو أن يتمتّـع الطرف الذي يُـطلقه بقُـدرة ما على احتمال الخسائر الناتجة عن الردّ المُـضاد، مع قدرته على الاستمرار في عملياته.

هنا، سوف تختلف التقييمات المتعلقة بمدى ما تمثله "الكاتيوشا" في إطار تطوّر عمليات الصواريخ في الشرق الأوسط. فالدرس المُـهم هو أن العِـبرة ليست بمدى تطوّر الصارخ أو مَـداه أو وزن رأسه الحربي، وإنما بالقُـدرة على الاختراق والوصول إلى الهدف وإستراتيجية الإغراق التي ستُـحدِث في النهاية خسائِـر، لكن الجزء المكمّـل لذلك، هو أن ما يَـحدُث في حرب لبنان يمثل حالة خاصة ترتبط بمسرح عمليات ضيّـق وضربات توجه إلى المدن وكثافة في الاستخدام، والأهم "قوة شِـبه عسكرية" لديها حِـسابات مختلفة عن جيوش الدول ويُـمكنها أن تتجاهل نِـسبيا نتائج الردّ المُـضاد ضد المُـدن أيضا بصورة ما.

وبالتالي، فإن درس الكاتيوشا يُـمثّـل بالفعل فصلا مُـهمّـا في قصة الصواريخ بالمنطقة، وسيُـؤدّى يَـقيناً إلى نوع من إعادة التفكير في سياسات امتلاك الصواريخ وإستراتيجيات استخدامها في المنطقة، لكنه سيظل محكُـوما بأوضاع مسرحِ العمليات في لبنان (وفلسطين بالنسبة لصواريخ القسام)، ويصعُـب تكراره في مسارح عمليات أخرى تمثل الكاتيوشا فيها مجرد "مدفعية صاروخية" مُـزعجة، لكنها غير مؤثرة، وحتى في حالة لبنان، كان ثمن التأثير كبيرا.

فليس هناك من يمكنه أن يتجاهل ببساطة دُموع رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة، لكن أحدا في إسرائيل أيضا لن يُـمكنه نسيان صوت صفّـارت الإنذار لفترة طويلة قادمة.

د. محمد عبد السلام – القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.