تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

الصراع من أجل السلطة في ليبيا اللجنة الدولية للصليب الأحمر شاهدُ عيان يُسبّب حـرجا للبعض

يوم 5 يونيو 2014، نكست اللجنة الدولية للصليب الأحمر علمها فوق سطح مقرها الرئيسي في جنيف حدادا على مندوبها السويسري الذي اغتيل في مدينة سرت قبل يوم واحد.

يوم 5 يونيو 2014، نكست اللجنة الدولية للصليب الأحمر علمها فوق سطح مقرها الرئيسي في جنيف حدادا على مندوبها السويسري الذي اغتيل في مدينة سرت قبل يوم واحد.

(Keystone)

لم تقدّم اللجنة الدولية للصليب الأحمر أي تفسير رسمي لإستهداف أحد كوادرها العاملين في ليبيا، ما أدى إلى مقتله. أما الباحث حسني عبيدي، فيذهب إلى أن الهجوم كان مُتعمدا بهدف دفع المراقبين الأجانب إلى المغادرة، في الوقت الذي باتت فيه ليبيا مسرحا لصراع عنيف ومتصاعد من أجل الهيمنة على السلطة.

وبعد مقتل مايكل غريب، رئيس البعثة الفرعية بمصراته يوم 4 يونيو 2014 في مدينة سرت، قررت اللجنة الدولية للصليب الأحمر تجمدي أنشطتها في البلاد، رغم إعلانها أنه "لا نية لها في مغادرة ليبيا".

دافيد- بيار ماركيه، المتحدث الرسمي بإسم اللجنة الدولية أوضح المسألة أكثر حيث قال: "لم يصلنا أي مؤشر قبل حدوث هذا الهجوم. ولا نعلم ما إذا كان المستهدف منه اللجنة الدولية للصليب الأحمر في حد ذاتها، ولم نتلق أي تهديد في هذا الإتجاه، خاصة في هذه المنطقة من ليبيا. نحن بصدد دراسة جميع الإحتمالات. لقد أنشأنا خلية أزمة، والتحقيق جار بالتعاون مع السلطات الليبية".

في المقابل، يعتقد حسني عبيدي، مؤسس ومدير مركز الدراسات والبحوث حول العالم العربي والبحر الأبيض المتوسط (CERMAM)، الذي يتخذ من جنيف مقرا له، في حوار أجرته معه swissinfo.ch أن الهجوم الذي استهدف اللجنة الدولية للصليب الأحمر لم يكن "مجرد صدفة".

swissinfo.ch: كيف تفسّرون اغتيال رئيس بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر يوم 4 يونيو الجاري في مدينة سرت الليبية؟

حسني عبيدي: لهذا الحادث ارتباط مع الوضع الأمني الذي ما فتئ يتدهور في ليبيا. ولكن اغتيال رئيس البعثة الفرعية للجنة الدولية لم يكن مفاجئا. فاللجنة الدولية تعرضت إلى هجمات في عام 2012 في مصراته وبنغازي. هذا في الوقت الذي تعتبر فيه مدينة مصراته أكثر المدن الليبية استتبابا للأمن. هذا ما يدلل على أن الهجوم الذي تعرض له ممثل اللجنة الدولية كان متعمدا. كان عملا مُدبّرا وتم الإعداد له بدقة. كانت هناك إرادة لقتله. وذلك بغض النظر عن الوضع الأمني عموما، فحتى الآن لم يُعلن أحد عن مسؤوليته عن هجمات 2012 ضد اللجنة الدولية.

swissinfo.ch: برأيك، هل يُؤكد نجاة الزميليْن المرافقين لرئيس البعثة الفرعية دون التعرض لأي إصابة أن عملية القتل مدبّرة ومتعمدة؟

حسني عبيدي: بالتأكيد. فاستهداف قائد البعثة بعد مهاجمة المجموعة مرتيْن على التوالي يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن المستهدف هو اللجنة الدولية للصليب الاحمر في حد ذاتها. وهذا على الرغم من الإجراءات الأمنية التي اتخذتها المنظمة، كاستخدامها لسيارات عادية لا تحمل شعارها أو لوحات مميزة.

swissinfo.ch: هل يوفّر ذلك أدلة على هوية الجهات المدبرة لهذه الجريمة؟

حسني عبيدي: من الصعب جدا الحسم في ذلك. فالخيط الفاصل بين الجهات المقبول التعامل معها وغيرها من الأطراف رفيع جدا. فالبعض من أعضاء المؤتمر الوطني العام (مجلس نيابي) نفسه لديهم صلات مع الجماعات الإسلامية الراديكالية.

مع ذلك، فإن الأنظار تتجه إلى جماعة أنصار الشريعة. ولكن لا يمكننا استبعاد مجموعات أخرى مثل أنصار النظام السابق وألويته المسلحة، الذين التحقوا بكتائب الثوار لإنقاذ حياتهم. هؤلاء أيضا يسعون لزرع الفوضى.

كما ترى هناك عدد كبير من الفاعلين الذين ينظرون بعين الريبة إلى حضور اللجنة الدولية للصليب الأحمر لأنهم لا يريدون تواجد جهة مستقلة ومحايدة. إنهم يريدون التخلص من لاعب رئيسي، وواحد من الأطراف الدولية القليلة التي لا يزال لها حضور في ليبيا. لذلك، يُثبت هذا الهجوم أن حضور اللجنة الدولية يُقلق ويُحرج بعض الأطراف.

swissinfo.ch: هل تكون الرسالة إذن دفع الشهود الأجانب إلى المغادرة؟

حسني عبيدي: في الحقيقة، قد يُظهر هذا الهجوم أيضا، أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر لم تنجح في الدخول في حوار أو تعزيز هذا الحوار مع جميع الأطراف الفاعلة في ليبيا، بمن فيهم أولئك الذين لا يعترفون باللجنة الدولية، لكي تتمكّن من العمل في وضع يتوفّر لها فيه الأمن.

swissinfo.ch: حدثت عملية الاغتيال بالتزامن مع الهجوم الذي شنه اللواء المنشق خليفة حفتر ضد جهاديي بنغازي، وبعد الإنتخاب المثير للجدل لأحمد معيتيق في منصب رئيس الوزراء في شهر مايو الماضي (تخلى عن منصبه بعد صدور حكم قضائي). هل تُعدّ المرحلة الحالية التي تمر بها ليبيا ما بعد القذافي متوترة بشكل استثنائي؟

حسني عبيدي: هذه الحقائق الثلاث التي أشرت إليها تظهر إلى أي حد يتسم الوضع الليبي بالتعقيد، وكيف أصبح من الصعب جدا قراءة ما يحدث في هذا البلد. ولابد من إضافة شيء آخر هنا، وهو أن ليبيا تخوض انتخابات تشريعية نهاية هذا الشهر (25 يونيو 2014).

التفجير الذي استهدف مقر اللواء حفتر (وكان في نفس اليوم الذي اغتيل فيه عضو بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر) هو من فعل العديد من الجماعات الجهادية، بما فيها لواء 17 فبراير في بنغازي أو جماعة أنصار الشريعة التي أعلنت أنها تريد التخلص من عدوّها اللدود.

في المقابل، ربما يدل اغتيال مندوب اللجنة الدولية على أن هناك جماعات أخرى تسعى إلى فرض حضورها على الساحة. فاللجنة الدولية تدفع إذن ضريبة تعدد الجهات الفاعلة في ليبيا والتدهور غير المسبوق للوضع الأمني في البلاد.

swissinfo.ch: مجموعة أنصار الشريعة، هل هي بصدد التفوّق على غيرها من الجماعات الجهادية؟

حسني عبيدي: تأسست مجموعة أنصار الشريعة في عام 2011 في تونس، بعد سقوط نظام زين العابدين بن علي. ونشأت هذه الحركة في البداية حول أفكار سلفية ثم اتخذت بعد ذلك توجها جهاديا (فرض الأسلمة بالقوة، تطبيق الشريعة، وتقارب بعض عناصرها من تنظيم القاعدة).

للحصول على تمويل، وعلى فضاء تتاح لها فيه حرية الحركة، اتجهت هذه الأخيرة إلى ليبيا، البلد الذي يفتقد إلى حكومة قوية قادرة على فرض القانون، وهي دولة مشابهة في ذلك لأفغانستان. فأنشأت لها العديد من معسكرات التدريب هناك.

رغم حداثة نشأتها، تمكنت أنصار الشريعة من لفت الأنظار إليها إعلاميا، وتفوقت في ذلك على منظمة القاعدة. فالنجاح الإعلامي مهم جدا لهذا الصنف من الحركات لأنه يساعدها على التعبئة وتجنيد المرشحين لممارسة الجهاد. هذه الحركة تشهد حاليا توسعا كبيرا.

swissinfo.ch: وماذا عن مشاريع التعاون السويسرية في ليبيا، هل هي في خطر؟

حسني عبيدي: الجزائر ومصر والولايات المتحدة، وهي دول لديها شبكات محلية متعاونة معها وعلى دراية بالوضع، إما أمرت موظفيها بالمغادرة أو خفضت حضورها بشكل كبير. هذا مؤشر مهم. أخشى حقيقة أن يستمر الوضع الأمني في التدهور. (لكن هناك مؤشرات تذهب في الإتجاه الآخر خاصة بعد أن قبل اللواء حفتر اتفاقا لوقف إطلاق النار للسماح للتحضير لإنتخابات 25 يونيو البرلمانية، وبعد أن قبل معيتيق قرار المحكمة العليا القاضي بعدم شرعية انتخابه رئيسا للوزراء من طرف المؤتمر الوطني العام).

هناك إذن مفارقة بين الإحتياجات العاجلة للسكان (وهنا تأتي أهمية المشروعات السويسرية) وبين الوضع الأمني المتردي الذي يعرقل استمرار تلك المشاريع. ليبيا، بلد ينبغي النصح بعدم زيارتها. فكل أجهزة الأمن هناك مخترقة، بما في ذلك القوات الأمنية الخاصة. والجماعات الراديكالية العنيفة تمتد وتنتشر ولا يُمكن الوثوق بها. أما أمن السفارات الغربية والموظفين العاملين فيها، فلم يكن مُهددا في وقت ما مثلما هو عليه الحال الآن.


(نقله من الفرنسية وعالجه: عبد الحفيظ العبدلي), swissinfo.ch


وصلات

×