Navigation

العراق في وادي الــدم

جندي عراقي يؤمن منطقة شهدت تفجير قطار كان ينقل البنزين إلى محطة كهرباء الدورة القريبة من العاصمة بغداد يوم 18 سبتمبر 2005 Keystone

يقف العراق اليوم على مفترق طريقين لاثالث لهما: إما أن يكون أو لا يكون.

هذا المحتوى تم نشره يوم 21 سبتمبر 2005 - 14:40 يوليو,

فاما المصالحة الوطنية الشاملة والاتفاق على بناء وطن لا يلتفت للعرق ولا للقومية وللمذهبية أو الدين، أو اندلاع الحرب الطائفية التي حذر منها الكثيرون قبل سقوط النظام وبعده، والتي لن تبقي ولاتذرُ.

ففي ظل هذا القتل العشوائي المنتشر في كل أرجاء العراق ، يختزل الشيعة هذه المقولة بعد أن أصبحوا أهدافا جاهزة للموت، خصوصا بعد الحرب الشاملة التي أعلنها عليهم الزرقاوي الاسطورة!. وأخذ العديد من فاعلياتهم السياسية والدينية يتحدث عن صبر أخذ ينفذ، وبعضهم دعا إلى مقابر جماعية للسنة، على غرار تلك التي زرعها النظام السابق في كل أرجاء العراق.

عند تشييع القيادي البارز من حزب الدعوة الاسلامية الشيخ مهدي العطار الذي قتل صبرا مع شقيقه وحراسه، في اللطيفية قرب بغداد، هدد رفيقه عضو الجمعية الوطنية جواد المالكي، بأن الرد على "المناطق التي تأوي إرهابيين" سيكون قاسيا.

هذه العبارة كررها عدد آخر من قادة الشيعة، بالرغم من أن المرجع الأعلى آية الله علي السيستاني، قال بلسان واضح "لو قتلوا نصف الشيعة فلن نرد" في إشارة الى الموقف من التفجيرات الأخيرة التي شهدتها بغداد، وقوافل الضحايا التي يتكرر طريقها الى النجف لتدفن هناك.

الانزلاق الى فخ الحرب الأهلية، هدف الزرقاوي ومعها الجماعات التي خسرت بعد سقوط النظام السابق، وجهات أجنبية، ومستقبل الدستور بعد عرضه على الاستفتاء هو الذي سيحدد ما إذا كان العراقيون سيقعون في الفخ أم أنهم سيعودون كما كانوا من قبل: أخوة متحابين في وطن واحد لايقبل القسمة.

لجنة صياغة الدستور .. خفايا وأسرار

ومن أجل فهم عمق الحقيقة المرة يجب أن نعرف ما دار في كواليس لجنة صياغة الدستور، حيث كان يفترض بالعرب السنة أن يتحالفوا مع اخوانهم الشيعة(عربا وتركمانا وأكرادا) لكي يخرجوا بمسودة دستور يقبلها الجميع، وتحقق التوازن المطلوب في ضوء فرض الأكراد شروطهم على الجميع.

فالأكراد حصدوا الكثير من المكاسب دون أن يقدموا تنازلات تذكر، ونجحوا في اللعب على التناقضات التي برزت بين الشيعة والسنة لصالحهم، ليحشروا الطرفين في زاوية حرب كلامية واعلامية تنذر بصراع طائفي من العيار الثقيل عشية الاستفتاء المقرر في الخامس عشر من اكتوبر القادم.

لقد خاض الاكراد مفاوضات الدستور، وقبلها للدخول في الحكومة، موحدين مقابل تشتت الشيعة والسنة، في المفرق والجملة. وجاء الأكراد بدستورهم (العراقي) الجاهز الى اللجنة، وطلبوا منها المصادقة عليه، وأخذوا يفاوضون تحت سقفه، وحصلوا على مايريدون وأكثر مما كانوا يتوقعون بسبب الخلافات الحادة بين ممثلي الشيعة والسنة داخل لجنة صياغة الدستور.

ورغم أن غير الأكراد في اللجنة اتفقوا على عروبة العراق، ومسائل أخرى مهمة مثل طريقة توزيع المياه ومصادر الطاقة، ووحدة العراق وسيادته، الا أن النتيجة النهائية كانت بالمحصلة لصالح رأي الاكراد الذين فرضوا مايريدون، إلى درجة أن الأمريكيين أنفسهم لم يتمكنوا من تغيير المعادلة.

مثلا في موضوع المياه، أصر الأكراد على أن يتم توزيعها بالتنسيق بين المركز والاقليم الفدرالي الذي حصلوا عليه، كما احتفظوا لأنفسهم بحق تقرير المصير، وطلبوا اضافة عبارة الى الدستور، تخفي في طياتها حلما بتشكيل دولتهم الموعودة والانفصال في غضون ثماني سنوات، كحد أقصى كما يخططون.

فقد طلب ممثلو الأكراد أثناء اجتماعات لجنة الصياغة أن يعترف بحقهم في تقرير المصير بعد ثماني سنوات، إذا تعرضوا للقمع من الحكومة المركزية أو من غير الأكراد، أو لم تنفذ الحكومة المركزية اتفاق الفدرالية للأكراد بالشكل الذي يريدون، واذا لم توزع الثروات كما يريدون (علما أنهم كانوا يريدون 65% من النفط والغاز في أماكنهم ومنح المركز ماتبقى ليتصرف به)، أو اذا لم يتم دمج المناطق الواردة في خارطة كردستان وهي خارطة تضم الى كردستان الحالية (أربيل والسلميانية ودهوك)، مدنا عربية بكاملها من شمال بعقوبة باتجاه شمال وشرق الموصل، وجميع المناطق المحاذية لسوريا وتركيا، وخانقين وبدرة وجصان، بالاضافة الى كركوك.

وطلب الأكراد ايضا تمثيلا في السفارات العراقية باسم إقليم كردستان، وضغطوا كثيرا باتجاه أن يفرضوا شروطهم على الدستور وهددوا كثيرا بالانسحاب من المفاوضات، قبل وبعد الانتهاء من الدخول في المفاوضات، وحصلوا على نص يعزز من صلاحيات الرئيس خلال الدورة الرئاسية القادمة(أربع سنوات)، بانتظار ماستسفر عنه المفاوضات المقبلة حول توزيع السلطات وهو ما يعني أن الرئاسة القادمة ستفصل على مقاس رئيس كردي وهو في الغالب جلال الطالباني.

لقد وافق الأكراد على "عدم الانفصال" خلال الثماني سنوات القادمة، لأنهم يراهنون حسبما يبدو على انضمام تركيا أثناء هذه الفترة الى الاتحاد الأوروبي، وبذلك "لن تكون قادرة على اجتياح دولتهم أو مضايقتهم"، وعلى توقعات بتغيير النظامين في سوريا وايران، أو تطويعهما بما يمنعهما من محاصرة أو ضرب الدولة الكردية الجديدة في المنطقة.

كذلك فان الميليشيا الكردية(البشمركة) باتت قوات كردية خاصة باقليم كردستان، ولايحق للقوات الحكومية العراقية الدخول الى الاقليم الا بعد موافقته.

العبيدي الموحد

ومن المؤكد أن الأوضاع الأمنية المتدهورة جدا، والعمليات العسكرية التي تنفذها الحكومة بدعم من القوات الأمريكية في بعض المناطق (السنية) الساخنة، تزيد من حدة الخلافات.

في المقابل، وفرت محاولات جماعة "القاعدة والجهاد في بلاد الرافدين" التي يتزعمها أبو مصعب الزرقاوي، وجماعات أخرى متحالفة معها أو مستفيدة منها، لاشعال الحرب الطائفية خصوصا بعد واقعة "جسر الأئمة" فرصة أخرى لكشف حقيقة العراقيين الذين يرفضون الطائفية ويمارسونها في نفس الوقت، وهذا مثال لذلك.

عثمان العبيدي الشاب ذو السادسة عشر ربيعا، ومن مضى على دربه في حي الأعظمية(السني) أسماء عراقية تظل خالدة في تأريخ العراق الحديث الذي مزقه نظام المحاصصة.

هذا البطل وحد العراقيين حين فرقتهم السياسة، ولم يضع في باله حين قذف بنفسه الى نهر دجلة، أي مفردة من مسودة الدستور، وبخاصة مايتعلق منها بالمحاصصة، لأن همه الوحيد كان هو انقاذ من سقط أو ألقى بنفسه، في النهر أملا في النجاة في ذلك اليوم الكاظمي المرير.

ولم يكن الموت أيضا يميز بين عثمان، وعلي أو فاطمة عندما نجح هذا الشاب العراقي الأصيل، في انقاذ ستة أشخاص قبل أن يغرق محاولا انقاذ عجوز كانت تأمل بزيارة الامام موسى الكاظم، وتدعو الله تحت قبته، لكي يأخذ بالبلد إلى بر الأمان بعيدا عن الطائفية البغيضة.

موقف السنة

وبالعودة إلى لجنة صياغة الدستور، أوضح تقييم أولي لنتائج المفاوضات أن ممثلي السنة في لجنة صياغة الدستور، كانوا يرفضون لمجرد الرفض، وأصروا على مواقفهم ولم يتزحزحوا عنها، فهم رفضوا الفدرالية وأصروا على رفضهم، بينما قبلوا بها للأكراد، ولم يتحالفوا مع الشيعة، لاعلان فدرالية توازن الفدرالية الكردية. وهذا صب - في نهاية المطاف - في صالح الأكراد.

ويرى مراقبون أنه كان بامكان السنة الموافقة على خيار اللامركزية، مع ترك حرية الاختيار للفدرالية، وبالمقابل، يثبتون نصوصا في الدستور تحول دون التقسيم في مرحلة لاحقة.

ويبدو أن المخاوف الأساسية لدى السنة تنبع من اعتقادهم بأن الشيعة العراقيين يتبعون في الولاء جمهورية ولاية الفقيه في ايران المؤلفة من ست قوميات والتي ل اتشجع على الفدرالية لأنها لن تخدمها.

ولقد تأكد خلال المناقشات بعد رفض غاليية الشيعة في لجنة صياغة الدستور، مقترحا تقدم به رئيسها الشيخ همام حمودي، حول القومية الفارسية في العراق،أن النفوذ الايراني في العراق ليس منحصرا بالشيعة، أو أنه لايشمل الشيعة تحديدا لأنهم ليسوا على وفاق (دائما) مع الايرانيين.

بشكل عام، تشير المعطيات الحالية إلى أن ممثلي السنة في اللجنة، ومعهم طيف واسع من هيئة علماء المسلمين، ومؤتمر أهل السنة، وآخرين، يريدون إسقاط الدستور ومن ثم حل الجمعية الوطنية، وخوض الانتخابات المقبلة.

وفي الطريق فرض ممثلو السنة بعض شروطهم عندما اشترطوا الافراج عن آلاف المعتقلين في سجن أبو غريب وغيره، كخطوة متقدمة باتجاه المصالحة الوطنية وباتجاه اقرار المسودة التي اختلفوا بشأن بعض بنودها مع الشيعة والأكراد.

وقد تمت بالفعل عملية افراج واسعة شملت نحو ألفا من المعتقلين العراقيين ممن لم يثبت عليهم المشاركة في اعمال عنف، وذلك بطلب مباشر من الرئيس جلال الطالباني.

ومن وجهة نظر أمريكية، يساعد التوصل مع السنة العرب الى تفاهم حول الدستور، في اضعاف المسلحين من العرب السنة، كما يساهم في تخفيض عدد القوات الامريكية العاملة في العراق، مثلما برز في الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس الأمريكي جورج بوش مع زعيم الائتلاف الشيعي عبد العزيز الحكيم لحثه على السعي للتوصل الى اتفاق.

وقد شكلت مساهمة السفير الامريكي لدى العراق زلماي خليل زادة في اللقاءات والمداولات، محاولة مهمة للتوصل الى توافق بين الاطراف السياسية العراقية وجرى ذلك لكي لا يتحول الاستفتاء على الدستور في اكتوبر المقبل الى مواجهة طائفية .

اصطفافات جديدة

وفي المحصلة، سوف تشهد المرحلة المقبلة تحالفات جديدة، وستظهر قوى فاعلة غير التي برزت في المرحلة السابقة، كما ينتظر أن يشارك التيار الصدري بفاعلية في الانتخابات المقبلة، (وربما يصطف مع الكتل الموجودة حاليا في الائتلاف العراقي الموحد بثقل أكبر) خصوصا وأن معظم مفردات الائتلاف تدرك أن من مصلحتها البقاء داخله لمواجهة الكتل الأخرى.

من جهته، يواصل رئيس الوزراء السابق أياد علاوي تحركاته من أجل تشكيل جبهة وطنية مدعومة من واشنطن ولندن والقاهرة وعواصم اقليمية ودولية، لمواجهة استحقاقات المرحلة المقبلة، ومايسميه علاوي نفسه بـ"خطر التنظيمات الدينية".

وأخيرا، يبقى السؤال مطروحا: "هل سيتفق العراقيون من أجل مستقبل أفضل لأبنائهم أم أن الحرب الطائفية قادمة على الأبواب؟" .. اللهم لا.

نجاح محمد علي - دبي

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.