تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

العراق: آليات التغيير واستحقاقات الزمن المقبل

مشكلة مجلس الحكم العراقي تتمثل في كثرة أعضائه وضعف مصداقيته وعدم تجانسه

(Keystone)

فَـرضَـت حقائق الأشهر الأربعة من عمر مجلس الحكم الانتقالي العراقي على الإدارة الأمريكية قناعات جديدة تغيّـرت بموجبها بوصلة واشنطن.

فاستقرت الاستراتيجية الأمريكية على اتجاهات وأولويات جديدة مغايرة تماما للتوجهات السابقة للإدارة التي ظنّـت أنها احتلّـت العراق بثمن بخس وانتهى الأمر!

بعد أن كانت إدارة الرئيس جورج بوش تُـصر على أن يكون إنجاز الدستور مدخلا أساسيا لباقي خطوات العملية السياسية اللاحقة في العراق، قررت واشنطن ترتيب قائمة أولوياتها استنادا إلى جملة من المستجدات السياسية والعسكرية.

ويأتي فشل مجلس الحكم الانتقالي العراقي في إدارة شؤون البلاد وإخفاقه في الإيفاء بالتزاماته وفق ما جاء في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1511 الذي نص على أن يقدم مجلس الحكم الانتقالي العراقي في منتصف ديسمبر المقبل استحقاقات العملية السياسية في العراق في إطار زمني محدد الخطوات والمراحل.

ويأتي هذا الفشل البائن في مقدمة العوامل السياسية التي واجهتها إدارة الاحتلال الأمريكية في العراق، وعجَّلت في انتصار التيار الداعي إلى الإسراع بتسليم السلطات إلى العراقيين.

ويترافق ذلك مع جملة أخرى من العوامل السياسية، من أبرزها عزوف أطراف أساسية في مجلس الحكم عن حضور اجتماعاته الدورية لاعتقادهم بعدم جدوى المداولات التي تجري في إطارها، باعتبارها تدور في حلقة مُـفرغة، حسب تعبير البعض من أعضائه.

ويبدو أن عددا آخر من أعضاء المجلس غاضب بشكل كلي على هذا الأداء الضعيف، وعلى التخلي عن الاتفاقات السرية المبرمة في المرحلة السابقة على احتلال العراق من قـبل البعض الآخر من الأعضاء، فيما يُـصر عدد غير قليل من الأعضاء، نحو 13 عضوا، على التغيّـب الدائم عن مهمات المجلس بسبب أسفارهم المتواصلة خارج العراق، مما أثار حفيظة الحاكم الأمريكي للعراق، السفير الأمريكي بول بريمر وانزعاج الإدارة الأمريكية في واشنطن من هذا الغياب والقصور المتعمدين، ومن نظام المحاصصة الطائفية والقومية الذي أضعف المجلس الانتقالي العراقي، وشلَّ قدرته على الحركة واتخاذ القرارات المهمة.

إضافة إلى ذلك، مشاعر الإحباط وخيبة الأمل السائدة عند المواطن العراقي لما لمسه من هشاشة في بنية المجلس وضعف بالغ في أدائه وعجز عن الاستجابة للاحتياجات الأساسية للإنسان العراقي.

لماذا التغيير الآن؟

ويسود اعتقاد راسخ بين الأطياف السياسية والنخب المثقفة وحتى رجل الشارع العراقي أن من أهم العوامل التي أدّت إلى إخفاق المجلس في أداء مهماته خلال الأيام الـ 120 الماضية، هو اعتماده نظام المحاصصة الطائفية والعرقية التي يعتبرها معظم العراقيين مدخلا لتجزئة العراق وتوزيعه على طوائف وأعراق، وهو أمر يتناقض كليا مع حقيقة التركيبة العراقية التي تعتمد مبدأ الوحدة في التنوع وبناء الوطن على أسس الإخلاص في المواطنة والكفاءة في الأداء، وليس على أي أسس أخرى.

وقد يبدو لافتا للنظر عند البعض في هذا الصدد، أن كثيرا من السياسيين والمثقفين الشيعة في العراق يُـعلنون صراحة رفضَـهم لهذه السياسة، برغم كونهم ممثلين في مجلس الحكم الانتقالي العراقي بأكثر من استحقاقهم، وذلك أمر طبيعي، لأن هؤلاء، وهم ليسوا قلّـة في العراق حتما، يعتقدون ببطلان اعتماد هذه السياسة التي ستلحق بالعراق، دولة وشعبا وكيانا، أضرار بالغة.

وبالطبع، فإن اتساع دائرة الهجمات المقاومة للاحتلال الأمريكي، والتي اتخذت في الآونة الأخيرة على نحو يومي طابعا أكثر تنظيما ودقّـة وشمولية، ساهم هو الآخر في استعجال الإدارة الأمريكية اختيار نمط جديد من التعامل مع العراقيين في محاولة متعددة الأهداف لاحتواء التأثيرات المتنامية للمقاومة العراقية من جهة، وقطع الطريق أمام تصاعد النقمة الشعبية إزاء قوات الاحتلال من جهة أخرى، ولجم الاعتراضات العربية والدولية التي تُـشكّـك بشرعية مجلس عيّـنته قوات الاحتلال من جهة ثالثة.

ومن هنا، جاءت الخطوات الأمريكية بتوسيع مجلس الحكم الانتقالي العراقي ليصار إلى تشكيل مجلس تأسيسي يتكون من نحو 36 عضوا يضم أطرافا جديدة لم يتم تمثيلها في السابق، على أن تكون مهمة هذا المجلس انتخاب حكومة مؤقتة تعترف بها سلطات الاحتلال لإدارة شؤون العراق، وتأمين الخطوات والاستحقاقات اللاحقة الواردة في القرار الدولي رقم 1511.

آليات التغيير

وفي هذا الإطار، جاء إعلان مجلس الحكم لجملة من الإجراءات السياسية التي تهدف إلى استعادة سيادة العراق وصياغة قانون لإدارة الدولة في المرحلة الانتقالية على أن يكون كل ذلك جاهزا في فبراير 2004، ويعقب ذلك إجراءات لانتخاب مجلس انتقالي جديد قبل نهاية مارس 2004، وذلك للتمهيد لإعلان جدول زمني لكتابة الدستور الدائم بواسطة مجلس منتخب بشكل مباشر، وحكومة جديدة طبقا لأحكام هذا الدستور في مهلة زمنية تنتهي في موفى ديسمبر 2005.

وبغية احتواء المعارضين من القوى السياسية والشخصيات والنخب الوطنية العراقية خارجه، ينوي مجلس الحكم الانتقالي العراقي فتح حوار موسّـع مع هذه القوى لبلورة رؤية واضحة، وإيجاد قواسم مشتركة تنجم عنها آلية للتسريع في نقل السلطات إلى العراقيين في إطار أوسع مشاركة سياسية وشعبية ممكنة.

ترحيب حذر وتحفظات

ومما لا شك فيه، أن الضربة المُـميتة التي وجّـهتها إدارة الرئيس بوش لمجلس الحكم الانتقالي الذي خلقته في العراق، من شأنها تعزيز موقف الأطراف المعارضة للمجلس في العراق وخارجه، حيث تبدو هذه الأطراف في غاية السعادة الآن وهي ترى أن هذه التشكيلة غير المُـتجانسة، وغير الواقعية التي يُـطلق عليها تسمية مجلس الحكم الانتقالي العراقي، تعرّضت لنكسة بائنة بواسطة ذات الأيدي التي ساهمت في صياغتها، بل صنعتها أصلا.

كما أن من شأن هذه الإجراءات السياسية أن تعزز مواقف دول عربية وإسلامية، مثل سوريا ومصر وإيران ودول أخرى في العالم، مثل فرنسا وألمانيا اللّـتين طالما أكّـدتا مطالبتهما بضرورة تسريع تسليم السلطات إلى العراقيين.

أما على الصعيد الداخلي، فقد حظيت هذه التطورات بإشاعة جو من الأمل بين بعض الأطراف السياسية الفاعلة داخل وخارج المجلس العراقي الحاكم.

فقد رأى جلال الطالباني، زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني أن المجلس الانتقالي الجديد والحكومة المؤقتة التي ستنبثق عنه سينقلان العراق من الاحتلال إلى الاستقلال، ويعيدان سيادة العراق لأبنائه.

فيما أكد عدنان الباجه جي، رئيس تجمع الديمقراطيين المستقلين على ضرورة توسيع صلاحيات المجلس الجديد لتشمل الأمن الداخلي والقوات المسلحة وعمل الوزارات، مشيرا إلى بدء بعض الخطوات المعززة لهذا النهج، وصولا إلى قيام حكومة شرعية معترف بها محليا ودوليا.

فيما رأى الدكتور محسن عبد الحميد، الأمين العام للحزب الإسلامي العراقي أن تكثيف الخطوات باتجاه عودة السيادة للعراق والسلطة لأبنائه عاملان مهمّـان لاستقرار البلاد وتطبيع الأوضاع فيها.

أما هيئة علماء المسلمين التي تمثل المرجعية الدينية السنية العليا في العراق، فقد رحبت بهذه الأفكار، وطالب أبرز وجوهها الشيخ الدكتور حارث سليمان الضاري بضرورة توسيع التمثيل السياسي، مناديا بضرورة تمثيل أطراف أساسية ومهمة في الشعب العراقي في العملية السياسية، ورسم مستقبل البلاد، وعدم اقتصار ذلك على فئات طائفية أو قومية معينة.

ويتوقع أن تبدأ الهيئة حوارا مع بول بريمر شخصيا للتداول في تمثيلها في المجلس المرتقب فعلا.

ومع أنه لا يُـعرف على وجه الدقة موقف رجال الدين الشيعة من هذه القضية، إلا أن إحدى الصحف المعبرة عن التيار الديني الشيعي في العراق طلعت على قرائها بالقول إن آية الله علي السيستاني، المرجع الشيعي الأعلى في العراق، قاد "انقلابا أبيضا" ضد مجلس الحكم، معتبرة أن ما جرى من توسيع مجلس الحكم الانتقالي العراقي، وإنشاء حكومة انتقالية مؤقتة، وطرح الدستور على العراقيين للاستفتاء عليه مباشرة، يُـعدّ انتصارا لأفكار سبق للسيد السيستاني أن طالب بها ودعا إليها بقوة.

وتُـبدي بعض الأطراف تحفّـظاتها على آلية تنفيذ هذا البرنامج، إذ يقول عبد الإله النصراوي، الأمين العام للحركة الاشتراكية العربية، وهي إحدى أبرز القوى القومية والناصرية في العراق، إننا نرحب بهذه الفكرة، لكننا نرى أنها تستغرق وقتا أطول مما كنا نتمنى، خصوصا بقدر تعلّـق الأمر بانسحاب القوات المحتلة من العراق.

وينبه السيد النصراوي إلى أهمية تعديل القرار الدولي رقم 1483 الذي نصَّ على اعتبار العراق إقليما محتلا، مشيرا إلى أهمية هذا التعديل في تسريع الخطوات السياسية في العراق.

اعتراضات أيضا

لكن الصورة ليست باعثة على التفاؤل بشكل كلي. فبموازاة هذا الترحيب الحذر الذي أبدته بعض الأطراف السياسية والدينية العراقية، تطالب أطراف أخرى، منها ما هو ممثل في مجلس الحكم الانتقالي، بإطالة أمد بقاء القوات الأمريكية في العراق إلى أمد غير محدد تحت ذرائع شتى، في مقدمتها عدم ملاءمة الظروف الأمنية والسياسية في العراق لهذه الخطوة.

وفي الحقيقة، فإن هؤلاء يخفون قلقهم من عودة أنصار الرئيس صدام حسين، وكل ما له صلة بالنظام العراقي السابق، معتقدين أن بقاء قوات الاحتلال يمثل الضمانة الأكيدة لعدم عودة عقارب الساعة إلى الوراء.

استحقاقات المرحلة المقبلة

في إطار كل ذلك، يتساءل المراقبون عن قُـدرة وإمكانية مجلس الحكم بتشكيلته الهشة، وتركيبته غير المتجانسة حد التناقض، وفي ظل أوضاع أمنية تزداد تدهورا، وبمواجهة عمليات مقاومة يتسع مداها وتتنوع فعالياتها، على تنفيذ هذه الاستحقاقات التي التزم بها أمام العراقيين وأمام سلطات الاحتلال، وفي إطارها الزمني المنصوص عليه في إعلانه، خصوصا وأن الإدارة الأمريكية عبّـرت بوضوح كامل عن امتعاضها من أداء المجلس الحالي وضعف تأثيره في الحياة العراقية وعدم وجود دلائل أو مؤشرات تُـرجّـح احتمال تغيير مستوى ونوع الأداء، وهو الأمر الذي دفعها إلى التخلي عن مواقف وقناعات كثير من اتباعها داخل المجلس. وبالتالي، إجراء تغيير جذري في سياستها العراقية.

كما تُـبدي أوساط سياسية شعبية ونخب مثقفة عديدة داخل العراق مخاوفها من عدم قدرة المجلس على ذلك، نظرا للصراعات الدائرة بين عدد من أقطابه، فضلا عن هشاشة وعدم فاعلية كثير من أعضائه.

وإزاء كل هذه الاعتراضات والتخوفات، سيتعين على مجلس الحكم أن يعيد ترتيب شؤونه الداخلية، وفي المقدمة إظهار وحدته ومدى الانسجام بين أعضائه بشكل حقيقي وخاصة في تعاطيهم مع مفردات المرحلة المقبلة ومنها الانفتاح على القوى السياسية والدينية الفاعلة التي استُـبعِِـدت من المشاركة في رسم مستقبل العراق وفق سياسة تتّـسم بالمرونة، وبُـعد النظر والتخلّـص من العُـقَـد والحساسيات الدينية والقومية التي حكمت علاقة المجلس بتلك القوى وشلَّـت حركته وأفقدته تأثيره المُـفترض في الشارع العراقي.

كما أن على مجلس الحكم الانتقالي العراقي أن يتخلّـص سريعا من الروح الاستئصالية لدى بعض أعضائه، لأن هذه الروح لم تساهم يوما في بناء مجتمع ديمقراطي تعددي، وهي حتما تؤدي إلى نوع من التزمّـت الفكري القريب من التطرف.

فكيف يُـراد لها أن تنجح اليوم في مجتمع مُـثقل بالهموم والجراح كما العراق؟

مصطفى كامل - بغداد


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×