العرب ومحنة دارفور.. من اللامبالاة إلى الحركة

لاجئات سودانيات في مخيم زمزم الذي أقيم قرب مدينة الفاشر في شمال ولاية دارفور غرب السودان (الصورة التقطت يوم 1 يوليو 2004) Keystone

بعد أن تفاءل الجميع باختتام حكومة الخرطوم لمفاوضات السلام مع حركة جارانج، عادت الأجواء للتلبد في سماء السودان.

هذا المحتوى تم نشره يوم 19 يوليو 2004 - 17:51 يوليو,

وفي ظل تصاعد الضغوط والإتهامات التي تُـوجه إلى الحكومة من أطراف دولية ومنظمات إنسانية وغير حكومية، يظل الموقف العربي الرسمي والشعبي مما يحدث في دارفور مثار تساؤلات.

واحدة من المفارقات الكبرى التى تحيط بالسودان الآن، انه أنهى مفاوضات سلام مع حركة جارانج فى الجنوب، وبات قريبا من توقيع اتفاق شامل يُعاد على أساسه بناء سودان جديد، وكان الرجاء أن يكون هذا الاتفاق خاتمة للضغوط الدولية الكثيفة التى قادتها الولايات المتحدة على الخرطوم، وفاتحة خير لمعونات دولية ومساندة سياسية ومادية من أجل حُسن تطبيق الاتفاق.

لكن الرجاء والأمل بات الآن محصورا فى ألا يفرض مجلس الأمن عقوبات جديدة على حكومة الخرطوم بسبب ما يُوصف بأنه تقاعس أو تواطؤ أو عدم جدية فى السيطرة على الميليشيات العربية الموالية للحكومة والمعروفة باسم الجنجويد، والمتهمة بارتكاب عمليات إبادة جماعية ضد السودانيين الأفارقة فى دارفور.

ضغوط على الخرطوم

ما بين الرجاء المُحبط والعقوبات الدولية المنتظرة أو المتوقعة بقوة، هناك مواقف دولية وإقليمية تبدو ميالة اكثر لإيجاد أسباب وذرائع لوضع الخرطوم تحت سيف الضغط الدائم بغض النظر عن صحة موقفها ومنطقيته من عدمه.

والملاحظ هنا أن كل المواقف الأمريكية والأوربية تركز على مسئولية الخرطوم فى نزع أسلحة ميليشيات الجنجويد، واحتواء التمرد وتحسين أحوال السودانيين فى دارفور، فى الوقت نفسه لا توجد إشارة واحدة إلى ضرورة ووجوب أن يكون نزع السلاح من كل الفصائل المسلحة، ومن حركتى التمرد الكبيرتين فى الآن نفسه. وكأن المطلوب هو توفير توازن عسكرى جديد فى إقليم دار فور لصالح حركتى التمرد فى مواجهة الحكومة، تماما كان كان الحال وما زال فى الجنوب، إذ دائما ما كانت العقوبات والضغوط توجه للحكومة، ويقابلها الدعم والمساندة للحركة الشعبية لتحرير السودان.

ولعل هذا الموقف الدولى، وتحديدا الأوربى والأمريكى ومن ورائهما الأمين العام للأمم المتحدة والمنظمات الدولية للإغاثة، يفسر إلى حد معين إصرار حركتى العدل والمساواة وحركة تحرير السودان فى الجلسة الأولى للمفاوضات مع الحكومة التى عقدت تحت رعاية الاتحاد الافريقى فى أديس ابابا يومى 15 و16 يوليو 2004، على ستة شروط، اقل ما توصف بأنها شروط طرف يشعر بالانتصار وبالحماية الدولية ولا يتعرض لأى نوع من الضغوط، ومن ثم يريد توجيه الضربة القاضية للطرف الآخر، أى للحكومة.

مثل هذا الوضع يذكر بوقوف الخرطوم وحيدة فى مواجهة الحركة الشعبية لتحرير السودان، حتى دون مساندة من الأحزاب السودانية العاملة فى الداخل، وليس لها أية علاقات تنظيمية مع التجمع الوطنى المعارض فى الخارج. هذا الوقوف الوحيد ربما يفسر بعض التنازلات الكبرى التى وردت فى الاتفاقات الستة التى تم توقيعها بالفعل مع الحركة الشعبية بقيادة جارانج، ويفسر أيضا ارتفاع أصوات شمالية تطالب بالإسراع بالانفصال عن الجنوب والاكتفاء بسودان شمالى تطبق فيه قوانين إسلامية دون إزعاج من أحد.

أخطاء سودانية .. ومسؤولية عربية

ولعل الخطأ الذى وقعت فيه الخرطوم سابقا فى الإقرار بالتفاوض مع الحركات التى تحمل السلاح، وبأن يكون الأمر مجرد مفاوضات بين الحكومة وحسب والحركة المسلحة، بات واضحا بما فيه الكفاية من حيث الخطورة وارتفاع التكلفة، وبحيث يفترض نظريا تجنب الوقوع فيه مرة أخرى. ولكن يبدو أن فضيلة التعلم من خبرات الماضى القريب ليست بمقدرة الحكومة، تماما كما هو شأن العرب الذين تركوا الخرطوم تتفاوض وحيدة تحت رعاية منظمة الإيجاد وأصدقائها الأمريكيين والأوربيين، فجاءت النتيجة على النحو المعروف.

وكما أن هناك مسئولية على الحكومة السودانية، لا يمكن إخفائها، هناك أيضا مسئولية عربية لا يمكن تجاهلها. فغياب العنصر العربى عن مفاوضات نيفاشا كان له تداعياته الكبرى على طبيعة الاتفاقات التى تم التوصل إليها بالفعل.

وإذا ما تكرر الأمر نفسه فى أى مفاوضات خاصة بدارفور، فالنتيجة المنتظرة لن تكون مختلفة من حيث الجوهر ومن حيث التنازلات المتوقعة، لاسيما وان القوى الدولية الكبرى تطرح مواقفها وضغوطها على الخرطوم بكل جرأة وقوة، ودون اعتبار لطبيعة المشكلة وحاجتها لمزيد من الوقت حتى تؤتى الإجراءات التى تم البدء بها ثمارها المرجوة.

وما التلويح المتكرر بتوقيع عقوبات دولية إلا تطبيق لهذه المواقف العنيفة والمنحازة للمتمردين، فى الوقت نفسه تجاهل الاتفاق الذى تم بين حكومة الخرطوم وكوفى عنان فى نهاية يونيه الماضى ويقضى بمنح الحكومة فترة 3 اشهر للقيام بإجراءات عسكرية وسياسية وتنموية لاحتواء التمرد والمأساة الإنسانية معا.

مواقف وتحركات عربية

من ينظر إلى المواقف العربية تجاه مأساة دارفور، يجد درجة عالية من اللامبالاة، بما فى ذلك على الصعيد الإنسانى البحت، أو على الأقل الاقتراب الحذر من بعض الدول المحيطة بالسودان، وتحديدا مصر وليبيا. والغالبية العظمى تعول على تحركات الجامعة العربية وترى فيها تحركات كافية وكفيلة بأن تمنع الحرج واللوم.

وتبدو المواقف العربية متأثرة إجمالا بعاملين، الأول مبدأ عدم التدخل فى الشئون الداخلية لدولة عربية أخرى، وهو المبدأ الذى يساء استخدامه أحيانا بحيث ينتهى إلى درجة عالية من اللامبالاة بما يجرى فى أى بلد عربى آخر، والاكتفاء بمتابعة ما يجرى فيه وحسب كأى قضية تحدث فى مكان آخر من العالم. والثانى التعامل مع القضية من خلال القنوات الرسمية والحكومية وحسب. وكلا العاملين مسئولان عن عدم وجود روابط وعلاقات بين الدول العربية مجتمعة وأى من حركات التمرد فى دارفور.

وفى المقابل ونظرا لان حركتى التمرد فى الإقليم السودانى ترفعان شعار المواجهة بين العروبة والزنوجة، فمن الطبيعى أن تكون امتداداتهم وتطلعاتهم نحو بلدان أفريقية كتشاد وأفريقيا الوسطى المتصلين حدوديا بإقليم دارفور، وليست نحو بلدان عربية.

فى ظل هذه البيئة العامة تبرز ثلاث تحركات عربية.

الجامعة العربية .. أين عمرو موسى؟

الأول تحرك الجامعة العربية، والمتمثل فى إرسال بعثة إلى إقليم دارفور فى نهاية شهر أبريل ومطلع مايو الماضيين، والتى قدمت تقريرا حول أوضاع الإقليم والأسباب وراء المواجهات بين القبائل.

وقد تضمن التقرير عددا من التوصيات من بينها إرسال ممثلين للجامعة العربية فى اللجنة السداسية المنبثقة عن اتفاق نجامينا بين الحكومة وحركتى التمرد بشأن وقف إطلاق النار وتحسين الأوضاع الإنسانية، وتدبير مساهمة مالية مناسبة من الجامعة العربية لدعم نشر مراقبين من الاتحاد الإفريقي للإشراف على وقف إطلاق النار، وان ترسل الجامعة خبيرين على الأقل للمشاركة فى لجنة مراقبة وقف إطلاق النار، وتنظيم مؤتمر عربى لدعم التنمية فى دارفور، وإرسال معونات إنسانية عاجلة، ومساعدة حكومة الخرطوم على نزع أسلحة الميليشيات فى الإقليم وغير ذلك من التوصيات، التى يبدو أنها ضلت طريقها فى التطبيق، أو ربما لا تجد الحماس الكافى من الدول العربية الأعضاء فى الجامعة.

وإذا كان إرسال بعثة من الجامعة العربية لاستطلاع الوضع ميدانيا فى الإقليم، يمثل خطوة لا بأس بها، فإن تفعيل توصيات البعثة يعد المحك العملى الفارق بين الجدية العربية الجماعية وبين ادعائها نظريا، وذلك فى مجال مهم ويدخل تحت بند مساعدة دولة عضو على الاستقرار الداخلى وتقويتها فى مواجهة ضغوط خارجية أمريكية وأوروبية هائلة.

وفى إطار التفعيل العربى المطلوب أيضا فإن زيارة لامين الجامعة العربية عمرو موسى إلى إقليم دارفور واستطلاع الوضع ميدانيا تعد مسألة ملحة ومهمة للغاية، خاصة وان من زاروا الإقليم حتى الآن، ككوفى عنان وكولن باول واللجنة الأمريكية، وغيرهم من مسئولى المنظمات الإنسانية، كانوا محملين مسبقا بإدانة حكومة الخرطوم وتحميلها مسئولية تدهور الوضع هناك.

وإذا ما قام عمرو موسى بمثل هذه الزيارة فإنها ستكون بمثابة تعبير عملى ورمزى على رفض توقيع عقوبات على السودان، وعلى تأكيد وقوف الجامعة وراء الحل السلمى المتوازن لازمة الإقليم، وعلى أن العرب لن يتخلوا عن مساعدة السودانيين أيا كانت أصولهم العرقية فى ظل هذه الظروف الصعبة والمعقدة.

أما التحرك الثانى فيتعلق بتحرك ليبى صرف، وله طابع انسانى بالدرجة الاولى، والمتمثل فى توقيع مذكرة تفاهم مع برنامج الغذاء العالمى من أجل فتح ممر آمن عبر الاراضى الليبية للوصول الى أهالى الاقليم وتقديم المساعدات الغذائية لهم.

مصر .. نزوع نحو المشاركة

والتحرك الثالث والاخير، فيتعلق بموقف مصر المساند لحكومة الخرطوم فى رفض توقيع أى عقوبات فى هذه المرحلة والمناداة بمنح المزيد من الوقت حتى تثمر الاجراءات الخاصة بنزع أسلحة الميليشيات.

والجديد فى الموقف المصرى يتمثل فى إعلان النية للتقدم للاتحاد الافريقى بالمشاركة فى لجنة مراقبة وقف اطلاق النار، عبر إرسال مراقبين مصريين. وأهمية مثل هذا التطور انه يعكس رغبة فى ألا تبتعد مصر عن أزمة دارفور، كما ابتعدت عن أزمة ومفاوضات الجنوب السودانى. وفى حال مشاركة مصر فى اللجنة المذكورة، فستكون الخطوة رغم ما فيها من رمزية غالبة، بمثابة تعديل فى السياسة المصرية ككل إزاء الأزمات الداخلية السودانية.

أهمية هذه التحركات العربية الثلاثة ليست قليلة، ولكن يظل هناك مساحة من التحركات العربية مطلوبة بشدة وبأسرع وقت ممكن، على الأقل إعلان رفض عربى جماعى واضح ودون أى لبس لفرض أى عقوبات دولية على السودان، وتنظيم بعثة إنسانية عربية لأهالى دارفور سواء كانوا من الأصول العربية أو الإفريقية، والإعلان عن اجتماع تحضيرى لمؤتمر عربى لدعم التنمية فى دارفور.

د. حسن أبوطالب - القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة