العلاقة بين الدِّين والدولة في تونس بين "قطيعة" و"تـداخُـــل"

صحن جامع الزيتونة في قلب المدينة العتيقة للعاصمة التونسية (صورة التقطت يوم 5 سبتمبر 2010) Keystone

بدأ في الفترة الأخيرة، النُّـزوع نحوَ التفكير في المستقبل، يُـهيمن على اهتمامات النُّـخبة التونسية، أكثر من أي وقت مضى. ولا يعود ذلك إلى الظرفية السياسية التي تمُـر بها البلاد والتي جعلت من مستقبل نظام الحُـكم حديث الجميع، وإنما أيضا، بالنظر إلى حجْـم التحوُّلات التي يمُـرّ بها المجتمع التونسي على أكثر من صعيد، مما يدفع بالباحثين والفاعلين السياسيين والإجتماعيين، بمَـن في ذلك، الماسكين بالسلطة وأصحاب القرار في مختلف القطاعات، إلى التساؤل عن مآل هذه التحولات.

هذا المحتوى تم نشره يوم 29 أكتوبر 2010 - 08:23 يوليو,
صلاح الدين الجورشي - تونس, swissinfo.ch

في هذا السياق، شكّـلت جمعية "نادي محمد علي للثقافة العمالية"، باعتبارها منظمة غير حكومية، فريقا من الباحثين المعروفين بجدِيَّـتهم والمتنوِّعين في اختصاصاتهم، وذلك للنظر في "آفاق تونس سنة 2040" واستكشاف ملامِـح هذا البلد المتوسطي، الذي تعاقبت عليه ثقافات ودول وحكومات، نظرا لأهميته الإستراتيجية وقدرة شعبه على التكيّـف مع المتغيِّـرات؟

من بين مكوِّنات هذا الفريق الذي يشتغل منذ أكثر من نصف سنة، عددٌ من المؤرّخين كُـلِّفوا بتحليل التحوّلات التي طرأت على طبيعة العلاقة بين الدِّين والدولة في التاريخ التونسي المعاصر، وتحديدا منذ قدوم العثمانيين في بداية القرن السادس عشر، وصولا إلى مرحلة ما بعد الإستقلال. فكانت حصيلة هذا الجُـهد، أربع نصوص تاريخية قام بها مؤرخون حاوَلوا استِـنطاق المعلومة عبْـر حِـقبٍ متتالية.

"فك الإرتباط بين اللائكية والحداثة"

الشخص الذي قام بوضع مقدِّمةٍ لهذه النُّـصوص، لم يكن مؤرِّخا، وإنما ينتمي إلى حقل العلوم الاجتماعية، وهو الأكاديمي المعروف عبد القادر الزغل، الذي يحاول باستمرار أن يسير ضدّ التيار. لهذا، اعتبَـر أن المدخل لفهْـم إشكالية العلاقة بين الدِّين والدولة في مجتمع إسلامي مثل تونس، يتمثل في فكّ الارتباط بين اللائِـكية والحداثة. فهو يعتقد بأن اللائكية ليست سوى "نزعة فرنسية معادية للكنيسة، تعود إلى عصر الأنوار، وذلك من قبل أن يتِـم اختراع سياسة تَـعتبر نفسها لائكية".

وانطلاقا من رصده للتحوّلات التي شهِـدها المجتمع البريطاني في القرن السابع عشر، انتهى الزغل إلى القول بأن المرحلة التأسيسية التي تمخَّـضت عنها الحداثة، قامت على تداخل السياسي والدِّيني، وليس على القطع بينهما، وبالتالي، فإن الدِّين، حسب اعتقاده، كان يشكِّـل بُـعدا من الأبعاد التي ساهمت في عملية المخاض، التي أدّت إلى ميلاد الحداثة.

"الدولة المُـستوردة"

على الصعيد التاريخي، ذكَّـر المؤِّرخ عبد الحميد هنية، أن العلْـمنة في تونس قد بدأت بشكل مبكّـر مع إقامة ما سمّـاه بـ "الدولة المُـستوردة"، وذلك عندما استنجد سكان الحاضرة في تونس بالأتراك ومكَّـنوهم من الحُـكم ووظفوهم لصالح نمطهم المدني، ذي الخصوصية المحلية، حين فرضوا على العثمانيين لُـغتهم وأذواقهم.

وفي ذلك العهد، وضعت السلطة السياسية مسافة بينها وبين المرجعية الدِّينية وبدأت تتركّـز عملية الإدارة السياسية للمجال الدِّيني، وذلك بجعل الدِّين في خدمة مصالح وحاجيات السلطة، مما مكّـن الأتراك في القرن السابع عشر، من تأسيس مركزية لسُـلطتهم السياسية، بعد خضوع مختلف الشخصيات الدِّينية، ذات النفوذ المرجعي، لإرادتهم، بمن في ذلك شيوخ الزوايا الصوفية "أبو غيض القشاش مثالا".

كما يعتقد صاحب البحْـث أن الفرد المواطن في تونس، ولِـد عن طريق الدولة لضبْـط علاقته بالمجتمع. ومنذ القرن الثامن عشر، أصبح كل السكان مُسجَّـلين في دفاتر تُـحدِّد هُـوياتهم ضِـمن حدود الدولة. وبناءً عليه، يرى هنية بأن "الشعب التونسي هو مجموعة أفراد صنعتْـهم الدولة ولم يصنعهم الدِّين".

"عهد الأمان"

أما المؤرخة فاطمة بن سليمان، فقد توقَّـفت عند الكيفية التي تَـعامَـل بها علماء الدِّين من مضمون "عهد الأمان"، فلاحظت أنهم لم يكونوا مقتنعين بمُـحتواه، وأنه عندما طَـلب منهم الباي أن يحدِّد كلّ واحدٍ منهم موقِـفه كتابيا من مختلف بنود العهد، اعتبروا الجوانب المتعلقة بالقضاء وبوضعية الأقليات، جاءت صيغتها مخالفة للشرع. وكي لا يتحمَّـلوا أي مسؤولية، بحث كل واحد منهم عن عُـذر لينسحب من لجنة الصياغة وتركوا الأمر للسياسيين، الذين أنجزوا المهمّـة، وبذلك تمّـت الإصلاحات بدون مشاركة أو دعْـم العلماء.

الإسلام :"حامل المخيلة الجماعية"

بعد دخول الاستعمار وبداية تشكّـل أطُـر الحركة الوطنية، برز الإسلام كأيديولوجيا، باعتباره "حامل المُـخيّـلة الجماعية"، حسب تعبير المؤرِّخ رؤوف حمزة، الذي تحدّث عن "عودة الإسلام في دوره الحيوي والجهادي". هنا، اتخذ الإسلام شكل "الملجإ" للمجموعة الوطنية وأيضا باعتبـاره "طريقة لتنظيم حياتهم"، وذلك من خلال الاجتهاد ومقاومة الانحطاط، وهو يعتقد بأن الإسلام كان أساسيا في مرحلة بناء الحركة الوطنية، التي قامت بتوظيف الدِّين في اتِّـجاه عِـلماني، حيث تم "إضفاء الطابع الوطني أو القومي على الثقافة الدِّينية". ويختم الباحث بالقول أن "الخطر لا يكمُـن في الإسلام، وإنما في الشعبوية التي جرفت كلّ شيء وأخضعته لمنطِـقها الخاص".

"بورقيبة، المستبد المستنير"

في مرحلة الاستقلال وتأسيس الدولة، لعب الحبيب بورقيبة، الرئيس التونسي الراحل دور "المُـستبِـد المُـستنير"، حسب تعبير المرحوم محمد الشرفي، حاول أن يتدخَّـل في كل شيء، بما في ذلك تأويل الإسلام وِفق نظرته للحداثة. لقد اكتسب الخطاب "البورقيبي" طابعا مُـزدوجا، حيث لاحظ المؤرِّخ هشام عبد الصمد أن بورقيبة السياسي تقمَّـص شخصية العالِـم المجتهد والموجّـه للمؤمنين. وعلى هذا الأساس، كان بورقيبة يرفض أن يوصف بأنه لائكي راديكالي، واعتبر نفسه صاحب قول في المسائل الدِّينية، لكنه في الآن نفسه، كان مُـصِـرا على إزاحة فئة العلماء وإبعادهم عن القيام بأي دور سياسي.

وفي إشارة ذكية، لخّـص فيها المفارقة التي عاشها بورقيبة منذ تولِّـيه السلطة، لاحظ عبد الصمد أن مؤسس الدولة التونسية حاول من جهة أن يُخضع التجربة المحمدية لخطاب دُنيَـوي يزيل عنها كل قداسة، لكنه في المقابل، عمل على أن يقدِّم تجربته السياسية بخطاب ممْـزوج بكثير من القداسة.

"الدين والدولة لم ينفصلا كليا"

بالرغم من أن الأوراق التي قُـدِّمت ضِـمن هذا المحور أعدّت في سياق مشروع مستقبلي يهدف إلى تحديد الملامح التي ستكون عليها تونس في أفُـق سنة 2040، إلا أن أصحابها لم يتوقَّـفوا عند الحاضِـر ولم يشيروا إلى مستقبل العلاقة المُـحتمَـلة بين الدِّين والدولة خلال المرحلة القادمة، ربما لكوْن المؤرِّخ يعالِـج الماضي ولا يَـعنيه الحدَث اليومي أو ما ستؤول إليه الأوضاع، لكن مع ذلك، فإن أصحاب هذه الأوراق قد أجمعوا على أن الدِّين والدولة لم ينفصلا كُـلِـيا في التجربة التحديثية التونسية. بمعنى أن الدولة لم تقطع صِـلتها بالعامل الدِّيني، ولكنها في الآن نفسه، لم تسمح له بأن يستقِـل بنفسه أو يتولى قيادة الدولة. لقد عملت الدولة لأكثر من ثلاثة قرون على توظيف الدِّين لصالح مشروعها ودعم شرعِـيتها، واستمر ذلك حتى مع المرحلة "البورقيبية"، رغم مواقف الرجل الراديكالية.

"المصالحة بين الدين والدولة"

لقد التزم المؤرِّخون بدورهم الطبيعي، أي دراسة ما حدث في الماضي البعيد والقريب، ولم يقتربوا من الحاضر، الذي أعطى نفَـسا جديدا للعلاقة بين السياسي والدِّيني، وذلك منذ تمّ رفع شعار ما سُـمي بـ "المصالحة بين الدِّين والدولة"، على إثر إزاحة الرئيس بورقيبة عن الحُـكم.

هذه المصالحة التي أحدثت يومها انقساما داخل النُّـخب، تجسِّـد في عرائض متضادّة، كما أنه لا يزال يثير قلق الأوساط العِـلمانية في تونس، خاصة بعد إطلاق أول إذاعة دينية والسماح بإنشاء "بنك لاربوي" في البلاد.

وبالرغم من أن العداء لا يزال مستحكما بين النظام والإسلاميين، وهو ما يفسِّـر تجدّد الحملة ضدّ المحجَّـبات في مطلع السنة الدراسية وتشديد الرقابة على الشباب المتديِّـنين، إلا أن هناك مَـن يعتبر بأن قيام تحالُـف بين الإسلاميين والسلطة ـ أو على الأقل شق من هذه السلطة ـ يبقى احتمالا قائما، وهو ما يُـؤرق أوساط شق من العِـلمانيين على الأقل.

"قراءة الإسلام وليس التخلي عنه"

المؤكد أيضا، أن أغلب المجموعات السياسية التونسية، أصبحت تتجنَّـب الدخول في اشتباك علَـني مع الإسلام وتعلن من مواقعها الأيديولوجية المختلفة، بأن الدِّين جزءٌ أساسي من الهُـوية الوطنية. وكما قال السيد محمود بن رمضان، أستاذ جامعي في الاقتصاد وناشط حقوقي وأحد قياديي حركة التجديد: "إن المعركة الثقافية والسياسية حاليا، تتمحور حول قراءة الإسلام، وليس التخلي عنه".

أما فيما يتعلق بمستقبل العلاقة بين الدِّين والدولة في تونس، فستُـحدِّدها بالتأكيد عوامِـل عديدة، من بينها مستقبل النظام السياسي ومآل الفرز الذي ستخضع له النُّـخب الحاكمة، وكذلك التشكّـل الجديد الذي ستعرفه القِـوى السياسية، ومن بينها ساحة الإسلام السياسي المُــقدِمة على عديد من المتغيِّـرات الهيكلية، وأخيرا، التعرف على ما إذا كانت تونس متَّـجهة نحو تعميق الممارسة الديمقراطية أم أن معارضتها ستشهد مزيدا من الضعف والتهميش؟

"شاق واق" فيلم تونسي حول التجارة باسم الدين يثير جدلاً في أيام قرطاج السينمائية

تونس - ا. ف .ب: يحذر المخرج التونسي الشاب نصر الدين السهيلي في فيلمه "شاق واق" الذي اثار جدلاً وتم سحبه من المسابقة الرسمية لايام قرطاج السينمائية، من تنامي ظاهرة التجارة باسم الدين في العالم العربي.

وقال السهيلي بعد عرضه، امس 27 أكتوبر، امام جمهور غفير تزاحم امام قاعة المونديال لوكالة فرانس برس، "اخيرا تم عرض الفيلم للجمهور بعدما تم سحبه من المسابقة الرسمية للمهرجان ولم يمنع تقديمه للصحافيين" مدينا بشدة "عملية ابعاده".

وكشف المخرج "ان وزارة الثقافة والمحافظة على التراث طلبت منه في وقت سابق التوقف عن الإدلاء بتصريحات صحافية احتجاجا على إقصائه من المسابقات، في مقابل برمجة الشريط في اطار قسم بانوراما".
في المقابل اكد المنظمون ان "المخرج هو الذي قرر سحب الفيلم".

واضاف المخرج "لقد اردت (من خلال الفيلم) وضع الاصبع والتنبيه الى خطر كبير يحدق بنا دعمته القنوات الفضائية التي ما برحت تبث فتاوى على لسان مشايخ متزمتين الا وهو التطرف الديني والمتاجرة باسم الدين الاسلامي المعتدل". وتابع "كما يتناول تلاعب السلطة بالشباب غير المثقف ومساهمتها في صنع ارهابيين".

ويستهل المخرج فيلمه بعملية دفن لامام جامع قرية صغيرة تسمى "شاق واق" تقع في سفح الجبل فيشرع المسؤولون المحليون في البحث عن امام مسجد جديد تتوفر فيه الشروط الضرورية لتولي هذا المنصب الروحي المهم لسكان القرية.
وعند انتشار الخبر يتسابق المنحرفون واللصوص والمجرمون وخريجو السجون للمشاركة في الاختبار في مشهد كاريكاتوري ساخر يفضح عقلية انتهازية مسكونة بالطمع.

ومن خلال هذه الشخصيات يكشف المخرج عن مخاطر التجارة باسم الدين وطمس روح الاسلام المتسامحة والثقافة التنويرية التي "يحاربها الجهلة المتسترون بالدين".

وعزا السهيلي الاقبال الكبير على مشاهدة هذا العمل رغم ان الافلام القصيرة لا تستهوي عادة الجمهور العريض، "الى تعطشهم لحرية التعبير والافلام المستقلة التي تتسم باستقلالية كبيرة في طرح افكارها".

ومضى يفسر "لقد منع الفيلم من العرض في اطار ايام قرطاج السينمائية بعد سحبه من مسابقتها الرسمية بدون مدي بتوضيحات حول اسباب الرفض" قبل ان يلفت الى ان "ضغط الاعلاميين ومنظمات المجتمع المدني هي التي يعود اليها الفضل في برمجة هذا العرض اليوم".
واكد ان "السباق للفوز بجوائز المهرجان لا يهمني بقدر ما تهمني مشاهدة الجمهور لهذا المجهود وردود فعله".

ودعا السينمائيين الشبان "الى المثابرة وان يكونوا في حجم المسؤولية في هذه المرحلة التي تجاوزت فيها الرقابة كل الحدود وصارت افظع".

وهي المرة الثانية التي يتعرض فيها نصر الدين السهيلي الذي اخرج عمله "بدون دعم من احد" لهذه الضغوط. فقد سبق ان منع فيلمه الاول "بوتليس" العام 2008 "لان طريقة تناولي للمواضيع تزعج على ما يبدو وتخلق مشاكل" على ما قال. ويروي هذا الفيلم قصة رجل عربيد يستولي على ارض شاسعة ويستغلها طيلة عشرين عاما بطريقة غير شرعية.

وفي سياق متصل قال عاطف بن حسين, الذي يتقاسم ادوار البطولة في الفيلم مع الممثلين البارزين لمين النهدي وفاطمة بن سعيدان وتوفيق الغربي "ان الفيلم مختلف في طرح الموضوع عن بقية الافلام التونسية وربما هذا يزعج الكثيرين". ونوه النقاد بالفيلم لما يتسم به من "طرافة وخطاب واضح".

ووصف الصحافي نور الدين بالطيب هذا العمل "بالموجع والجريء" ورأى فيه "خطابا واضحا في دفاعه عن التنوير كقيمة أساسية لتنمية مشروع التحديث والتنمية وفضحا لثقافة الجراد الاسود الذي يستهدف اجمل وأنبل أفكار التنوير والحداثة من خلال اغتيال الاختلاف ومصادرة التفكير".

وعلق مواطنه ناجي الخشناوي قائلا "ان زاوية الطرح تبدو طريفة وذكية وتنم عن قدرة في تفكيك ظاهرة التطرف الديني بطريقة بعيدة عن المباشراتية والسطحية" متسائلا "متى ستنتهي مواسم الخوف والتردد لدفع الافق الثقافي والفكري الى مساحات اكثر حرية وتحرر؟"

وتستمر ايام قرطاج السينمائية الى الاحد 31 أكتوبر ويتنافس فيها 47 فيلما طويلا وقصيرا من النوع الروائي والتسجيلي من ثماني دول عربية وثماني دول افريقية للفوز بالجوائز الثلاث الرئيسية للمهرجان".

(المصدر: وكالة الصحافة الفرنسية أ ف ب بتاريخ 28 أكتوبر 2010)

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة