Navigation

روسيا تلتحق أخيرا بـالمركز الأوروبي للأبحاث النووية

زجاجة الفودكا التي يُمسك بها جون آدامز في الصورة عادت فارغة إلى الإتحاد السوفياتي بعد أن أرسلت ملآنة في عام 1959 من دوبنا (شمال موسكو) إلى جنيف في مؤشر واضح على أجواء التفاهم التي كانت سائدة منذ ذلك الحين بين الفيزيائيين القادمين من غرب وشرق أوروبا. cern.ch

تستعد روسيا لتصبح عضوا شريكا في المركز الأوروبي للأبحاث النووية في جنيف. ومن المنتظر أن يُـصبح القرار نافذا في السنة المقبلة، ليضع حدا لمفارقة مثيرة للتعجب. فعلى الرغم من أن بلدهم لا يحظى إلا بصفة مراقب، إلا أن الروس كانوا متواجدين باستمرار في أكبر مختبر لفيزياء الجزيئات في العالم.

هذا المحتوى تم نشره يوم 01 أكتوبر 2013 - 11:00 يوليو,
ليودميلا كلوت, swissinfo.ch

الصورة بالأبيض والأسود، وهي مُستخرجة من المجموعات التاريخية لمركز "سيرن". نحن الآن في عام 1959 وجون أدامز، رئيس فريق معجل البروتونات، يُـمسك زجاجة فودكا أُهديت له من زملائه في المعهد الموحد للأبحاث النووية في دوبنا (شمال موسكو). وفي تلك المناسبة، تلقى العاملون في المركز تعليمات تقضي باحتسائها بعد التشغيل الناجح للجهاز. لذلك، قاموا بإفراغها حتى القطرة الأخيرة وثبّـتوها على صورة فورية (بولارويد)، تُـقيم الدليل على تشغيل المعجّـل قبل إرسالها تاليا إلى الاتحاد السوفييتي.

في تلك الفترة، لم يكن الروس يكتفون بمتابعة أشغال المركز الأوروبي للأبحاث النووية عن بُـعد، بل كانوا يترددون عليه بانتظام. وعلى مدى عدة أعوام، كانت تاتيانا فابيرجي، حفيدة صانع المجوهرات الشهير كارل فابيرجي، أشبه بـ "الملاك الحارس" لهم. فقد ساعدت هذه السكرتيرة العاملة لدى المركز العلماء السوفييت على الإقامة في جنيف، بل استقبلتهم في العديد من الأحيان في بيتها، لمساعدتهم على توفير نفقات الفنادق.

اليوم، يحتضن المركز الأوروبي للأبحاث النووية، أهم جالية علمية روسية مهاجرة في العالم، أي 883 شخصا! ولا يتفوق عليهم عدديا - من بين البلدان غير الأعضاء في المنظمة – إلا الأمريكيون الذين يُقدّر تعدادهم بـ 1757 شخصا.

swissinfo.ch

أبــاً عن جــد

في جنيف، يُـمكن للمرء أن يلتقي بعائلة فريدة من نوعها، تتشكل من جيلين من الفيزيائيين. إيغور غولوتفين (79 عاما)، يُـعتبر من جيل الرواد. فقد وصل إلى المدينة المطلة على ضفاف بحيرة ليمان قبل أكثر من 50 عاما وشاهد بأم عينيه تشييد مختبر السيرن، كما عمل مع اثنين من الفائزين بجائزة نوبل. وهو يُشرف اليوم، على تسيير مجلس التعاون العلمي بين المركز ومعهد دوبنا.

ابنه أندري غولوتفين، المتخرج من جامعة الدولة في موسكو والأستاذ في المعهد الملكي بلندن، كان يتردد بانتظام على جنيف منذ منتصف التسعينات. وابتداءً من عام 2007، بدأ العمل على تجربة LHCb (Large Hadron Collider beazty experiment)، وهو واحد من بين أربع مجسّـات للتصادمات داخل أضخم مُعجّـل للجزيئات في العالم. وعلى مدى ثلاثة أعوام، تقلّـد مهمة منسق التجربة، ليُـصبح بذلك أول روسي يشغل وظيفة رفيعة كهذه، ضمن المؤسسة.

بشكل عام، يجتهد الفيزيائيان في عدم التطرق إلى المسائل المتعلقة بالشغل في البيت، لكن "إذا ذهبنا لتناول الغداء معا، فعندها، لا يمكننا بالتأكيد تجنب التطرق إلى المسائل الفلسفية، ومن بينها التحاق روسيا بالسيرن"، مثلما يعترف أندري غولوتفين مازحا.

الشركاء والآخرون

تادوش كورتيكا، مهندس من أصل بولندي ويتحدث 5 لغات من بينها الروسية، بطلاقة، يعمل في السيرن منذ 22 عاما، وهو الرجل الذي يُـشرف على العلاقات مع بلدان أوروبا الشرقية ويهتم بالخصوص بالتعاون مع روسيا.  

في هذا السياق، يوضح كورتيكا أنه "بإمكان أي دولة أن تُـصبح عضوا شريكا في السيرن، ثم عضوا كامل الحقوق بعد عامين، إذا ما رغِـبَت في ذلك. وتعني وضعية العضو الشريك، إلتزاما ماليا محدودا، إذ لا تدفع هذه البلدان سوى 10% من قيمة الإشتراك الكامل. وفي مقابل ذلك، يتم الحد من الحقوق الممنوحة لهم".

من جهة أخرى، يمكن للأعضاء الشركاء، تسليم تجهيزات ومواد إلى السيرن، إما بشكل مباشر أو في إطار مشاريع دولية الطابع، وهو ما يعني أن بإمكان المنتجين الروس للتكنولوجيا الرفيعة، الحصول على حوافز تفضيلية للمشاركة في مختلف المناقصات والعطاءات التي يُـعلن عنها المركز. وكما هو معلوم، فإن المبالغ المشمولة بهذه العروض، تُـقدّر بمئات الملايين من الفرنكات في كل عام.

إضافة إلى ذلك، تتوفر البلدان الشريكة على ممثل ينوب عنها في مجلس المركز. كما يُـمكن لمواطنيها العمل مباشرة لفائدة المنظمة والحصول على مرتب سويسري. ومن أول المستفيدين من هذه الوضعية، هناك الطلبة الذين يُـتاح لهم متابعة برامج تعليمية، ذات مستوى رفيع جدا على المستوى العالمي.

في الوقت الحاضر، تصل ميزانية المركز الأوروبي للأبحاث النووية، إلى مليار فرنك، يتم تـمويلها من طرف الدول الأعضاء الـعشرين. ألمانيا، التي تترأس حكومتها سيدة حائزة على ديبلوم رفيع في الفيزياء النووية، هي الدولة التي تستثمر أكثر من بقية الأعضاء (220 مليون فرنك). في المقابل، تضخّ فرنسا حوالي 170 مليون وبريطانيا مبلغا أقل (160 مليون). أما مساهمات سويسرا وبلجيكا والنرويج وبولندا والسويد وبقية الدول الأعضاء، فتصل إلى 30 مليون فرنك.

من الآن فصاعدا، سيتوقف السيرن عن منح صفة البلد المراقب، التي تتمتع بها حاليا، كل من الهند وروسيا والولايات المتحدة وتركيا واليابان، وسيتعين عليها الإختيار في أجل معقول للوضعية النهائية التي ترغب في الإبقاء عليها، أي إما أن تكون عضوا مشاركا أو عضوا كاملا.

swissinfo.ch

إيجابيات وسلبيات

بصفته مستشارا للمدير العام للمركز رولف ديتر هويير فيما يتعلق بالتعاون بين السيرن وروسيا، يعرف أندري غولوتفين جيدا المصالح الجغرا - سياسية للطرفين. ولدى سؤاله: لماذا تطلب الأمر سنتين كاملتين كي يتقدم ديميتري ليفانوف، الوزير الروسي للتعليم والعلوم بطلب رسمي للإنضمام، اكتفى غولوتفين بالإشارة إلى أن الأمر يتعلق بـ "مسار داخلي للبلد (أي روسيا) تطلب وقتا لإنضاجه".

في السياق نفسه، أوضح الأستاذ الجامعي، أن "طيف وجهات النظر بخصوص انضمام روسيا إلى السيرن، واسع جدا بلغة الفيزيائيين. أنا مثلا، أنتمي إلى معسكر المتطرفين الذين يعتقدون بأنه مُهمّ جدا لتطوير البحوث الأساسية، أي أن جنيف ستتحول إلى مُختبر (محلي) إضافي، يتيح للطلبة الروس إجراء تربصات فيه".

على الجهة المقابلة، هناك معارضون أيضا لا يُخفون خشيتهم من أن تضيع الأموال الروسية هدرا في جنيف، عوضا عن استثمارها مباشرة في التجهيزات العلمية. فبالنسبة لروسيا، تقدر قيمة الإشتراك كعضو مشارك بحوالي 7 ملايين فرنك، فيما تناهز 70 مليون فرنك سنويا لو حازت على عضوية  كاملة فيه.

أخيرا، لا يعتبر أندري غولوتفين أن هذه المشاركة ترف مُكلف، بل يحرص على تنسيب المسألة على طريقة أينشتاين، ويقول: "إذا ما أخذنا بعين الإعتبار مُجمل المبالغ المستثمرة في تطوير الفيزياء في روسيا، فإن المبلغ الذي سيُدفع إلى السيرن يبقى ضعيفا".

الدول الأعضاء والبقية

في عام 1954، وقّـع 12 بلدا أوروبيا على الإتفاقية المؤسسة للمركز الأوروبي للأبحاث النووية (سيرن). وفي موفى القرن العشرين، انضمت 9 دول أخرى إلى المنظمة، فيما انسحبت منها يوغسلافيا نهائيا.

في عام 2010، قرر المركز رسميا توسيع عضويته إلى خارج أوروبا، وإثر ذلك، ترشحت العديد من البلدان كأعضاء مشاركين فيه، مثل البرازيل والباكستان وتركيا وأوكرانيا وروسيا.

في الوقت الحاضر، تحصلت رومانيا على وضعية البلد المرشح للعضوية. أما إسرائيل وصربيا والمفوضية الأوروبية والهند واليابان وروسيا وتركيا واليونسكو والولايات المتحدة، فهي بلدان أعضاء مشاركة في المرحلة السابقة للإنضمام.

في عام 2012، قررت موسكو إضفاء الطابع الرسمي على مشاركتها في النشاط العلمي لمركز جنيف، رغم أنها كانت مساهمة فيه بشكل عملي. ومن المنتظر الآن، أن تُـجيب إدارة السيرن على الطلب الروسي في غضون العام المقبل.

بلغت تكلفة بناء المعجّـل الضخم للسيرن، 6 مليارات من الفرنكات، في حين تجاوزت المساهمة المالية لروسيا في هذا المشروع 150 مليون فرنك. أما مساهمتها العلمية، فقدرت بحوالي 10% من التجارب الأربعة، التي تم إجراؤها حتى الآن.

End of insertion

باحثون وتجارب

يعمل في السيرن 11000 باحث يقدُمون من 50 بلدا ويتمتعون بوضعية "مستخدمين"، حيث يتم إرسالهم إلى جنيف من طرف جامعتهم أو معهد الأبحاث الذي يعملون لديه، وهي الجهة التي تدفع لهم رواتبهم ومنح السفر بالفرنك السويسري لفترات تتراوح ما بين أسبوعين وعدة أعوام. مع ذلك، توجد بعض الفوارق، وخاصة بالمقارنة مع الزملاء الأوروبيين العاملين في المختبر.

يبلغ عدد الأشخاص العاملين في المركز بدوام كامل 2300 شخص وتُـطلق عليهم تسمية "الطاقم"، لكن هذه الوضعية تقتصر على الباحثين التابعين للدول الأعضاء. إضافة إلى ذلك، يشغل 1000 شخص وظائف مؤقتة.

عمليا، لا يمكن اعتبار هذه القواعد المعمول بها في المركز الأوروبي للأبحاث النووية "تمييزية" نظرا لأنها تُـيسّر للجميع إمكانية العمل في مختبرات المنظمة، وذلك بغض النظر عن جنسياتهم. ففي روسيا على سبيل المثال، فلّـصت التشريعات الجديدة من إمكانية نفاذ الأجانب عموما إلى المعطيات العلمية والمعلومات التكنولوجية.

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة