القضايا العربية غابت عن معركة الانتخابات

المرشح الديمقراطي جون كيري في اجتماع انتخابي عقده في ماديسون بولاية ويسكنسون يوم 28 أكتوبر 2004) Keystone

للسفير السابق للجامعة العربية في نيويورك الدكتور كلوفيس مقصود كتاب بعنوان "العروبة في زمن الضياع".

هذا المحتوى تم نشره يوم 28 أكتوبر 2004 - 12:51 يوليو,

ومع أن الكتاب لا يتطرق لظاهرة غياب الحوار حول القضايا العربية في خضم معركة انتخابات الرئاسة الأمريكية فإن عنوانه يجسد واقع الحال الذي يفسر الإسقاط الكامل تقريبا لهموم المنطقة العربية من السجال الإنتخابي.

من أطرف الاستطلاعات التي أجريت خارج الولايات المتحدة هذه الأيام هو ذلك الذي عبرت فيه غالبية العراقيين الذين شملهم الاستطلاع عن أملهم في فوز كيري على بوش. وربما يكون فشل إدارة بوش في العراق مبررا لذلك التوجه بين العراقيين ولكن هناك الكثيرون في العالم العربي الذين يعلقون آمالا كبارا على كيري في تغيير التوجه الخطير للسياسة الأمريكية إزاء الشرق الأوسط. فهل هناك في جعبة كيري ما يبرر تلك الآمال؟

سويس إنفو طرحت هذا التساؤل على الأستاذ خليل جهشان استاذ العلاقات الدولية بجامعة ببرداين بكاليفورنيا ومدير فرع الجامعة في واشنطن فقال: "العرب يأملون في نجاح كيري ليس حبا فيه ولا في تصريحاته المساندة لإسرائيل ولكن للاستياء الشديد من سياسات بوش خاصة إزاء الفلسطينيين وفي العراق وبالتالي فهم يريدون نجاح كيري ليس حبا في زيد ولكن كرها لمعاوية".

ولكن الاستاذ جهشان الذي ترأس لسنوات طويلة اللوبي العربي الأمريكي في واشنطن يرى أن السؤال الحقيقي هو: "هل يعني تبديل من يجلس في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض تغيرات أساسية في السياسة الأمريكية خاصة إزاء الشرق الأوسط والمنطقة العربية؟"

ويجيب قائلا: "العالم العربي دائما يخطئ كرأي عام وكأنظمة إذا تصور أن النظام الأمريكي يعتمد على تغير الأشخاص وآن الأوان ليعتمد العالم العربي على التعامل مع من يجلس في البيت الأبيض من منطلق المصالح القومية العربية وليس من خلال الفروق بين مرشح وآخر."

ويؤكد الأستاذ جهشان أن "الخلل في العلاقات العربية الأمريكية خلال الثلاثين عاما الماضية مرده إلى أنها علاقات ذات اتجاه واحد فأمريكا تعرف تماما ماذا تريد من العرب مثل ضمان الاستقرار في المنطقة وضمان أمن إسرائيل وضمان التدفق الحر للبترول العربي وتسعى الولايات المتحدة إلى تحقيق هذه الأهداف الثابتة وإن لم تحققها طوعا فستحققها بالقوة، بينما العرب لا يعرفون ماذا يريدون كمجموعة إقليمية ماذا يريدون من الولايات المتحدة ولا يسعون بشكل جماعي لتحقيق المصالح القومية العربية فلذلك يغرق العرب مع كل انتخابات للرئاسة الأمريكية في سراب الآمال التي قد يحملها المرشح الجديد وكان من الأجدر بهم أن يدرسوا كيفية التأثير من أجل تغيير السياسات الأمريكية التي تسئ إلى المصالح القومية العربية بغض النظر عمن يجلس أو سيجلس في مقعد الرئاسة الأمريكية".

لماذا توارت القضايا العربية؟

أما الدكتور سامر شحاتة أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورجتاون في واشنطن فأعرب لسويس إنفو عن اعتقاده بأن السبب الرئيسي في غياب القضايا العربية في معركة انتخابات الرئاسة الأمريكية هو أنه "ليس هناك فروق كبيرة بين مواقف بوش وكيري إزاء قضية الصراع العربي الإسرائيلي فكلاهما مساندان لإسرائيل ولرئيس وزرائها المتشدد شارون وساند كل منهما السور أو الجدار العازل الذي بناه، كما أن شارون نجح في إقناع بوش وكيري بأن إسرائيل تخوض معركة مماثلة لمعركة أمريكا ضد الإرهاب رغم الفروق الضخمة بين الاحتلال للأرض الفلسطينية وتعرض نيويورك وواشنطن لهجمات إرهابية، كما أن اللوبي الإسرائيلي بذل جهودا ضخمة في الضغط والتلويح بأصوات اليهود الأمريكيين كسلاح في معركة الانتخابات الرئاسية المتقاربة وحاول الحزب الجمهوري من خلال تأييد بوش العملي لشارون انتهاج استراتيجية جديدة قدمها كارل روف أقرب مستشاري البيت الأبيض إلى الرئيس بوش تستهدف اقتناص أصوات اليهود التي تذهب تقليديا إلى مرشح الحزب الديمقراطي.

ويتفق الاستاذ خليل جهشان مع الدكتور سامر شحاتة في هذا التحليل ويقول: "يعود غياب القضايا العربية خاصة النزاع العربي الإسرائيلي إلى أن الرئيس بوش منذ بداية عهده تخلى عن الاهتمام بدور أمريكي في تسوية الصراع وحاول أن ينأي بنفسه عن التورط شخصيا في الوساطة مثلما فعل كلينتون وأخفق، وسلم عبء الوساطة للاتحاد الأوروبي ثم لم يتابع تطور رؤيته للسلام بإقامة دولة فلسطينية بحلول عام 2005 وترك لشارون مهمة فرض حل للصراع على هواه وأسقط بوش موضوع عملية السلام في المنطقة من أولوياته وجعل من الحرب على الإرهاب بؤرة تركيزه، لذلك لم يكن غريبا ألا يتطرق الحوار في المعركة الانتخابية للقضايا العربية، أما بالنسبة لجون كيري فقرر عدم الخوض في الحديث عن القضايا العربية والصراع العربي الإسرائيلي لكي لا يخسر أصوات اليهود الأمريكيين لعلمه بأن أكثر من ستين بالمائة من تمويل الحزب الديمقراطي هو من تبرعات ومساهمات أنصار إسرائيل من اليهود الأمريكيين كما أن أكثر من نصف الكادر الحزبي الديمقراطي يتألف من عناصر موالية لإسرائيل وبالتالي أسقط مناقشة القضايا العربية لأسباب انتهازية تتعلق بالتنافس على أصوات اليهود الأمريكيين".

وكان من الملفت للنظر أنه عندما انضم الرئيس السابق بيل كلينتون هذا الأسبوع لجهود حشد أصوات الناخبين لصالح جون كيري حرص على أن يطمئن اليهود الأمريكيين إلى أنه لو تم انتخاب جون كيري فلن يقل تأييده ودعمه لإسرائيل عن الرئيس بوش.

وعلى الجانب الجمهوري نجحت حملة بوش في استمالة جانب من أصوات اليهود الأمريكيين من غلاة المتطرفين الذين يساندون سياسة المحافظين الجدد التي تربط بين دعم إسرائيل بلا حدود وبين عودة السيد المسيح ليعيد السلام إلى ربوع الأرض والذين يساندون الموقف الصهيوني إزاء النزاع العربي الإسرائيل بالاحتفاظ بالارض وفرض السلام بالقوة. وبلغت نسبة مساهمة اليهود الأمريكيين في تمويل الحملات الانتخابية للجمهوريين إلى ثلاثين بالمائة. وهكذا يرى الأستاذ خليل جهشان أن المرشحين تنافسا على أصوات اليهود الأمريكيين بإسقاط القضايا التي تهم العرب من الحوار في المعركة الانتخابية إلا بالتأكيد على أهمية الحفاظ على أمن إسرائيل ومساندتها.

"الشرخ الأوسط الكبير"

وسألنا الدكتور سامر شحاتة عن تفسيره للشرخ الذي أصاب الاهتمام الأمريكي المحموم بقضية نشر الديمقراطية في العالم العربي من خلال ما يسمى بمبادرة الشرق الأوسط الكبير بمجرد أن بدأت معركة انتخابات الرئاسة الأمريكية فقال إن هناك سببان، أولا: أن المبادرة ولدت ميتة حيث لم تراع الاختلافات في الممارسة الديمقراطية ومدى استعداد المجتمعات العربية للتحول الديمقراطي ولعل الحديث عن الديمقراطية أسهل من التطبيق وأوضح مثال على ذلك الانتخابات الصورية في تونس. ثانيا: أنه رغم دعوة بوش ثم كيري للتحول الديمقراطي في العالم العربي فلم يقدم أي منهما خطة واضحة للتطبيق.

ولا يتفق الدكتور شحاتة مع التحليل القائل بأن إعادة انتخاب بوش لفترة رئاسية ثانية سيكون من شأنه مواصلة الضغط على الأنظمة العربية للتحول الديمقراطي ويرى أن بوش أخفق في تقديم نموذج الديمقراطية الذي زعم أنه سينتقل من العراق إلى دول المنطقة وأدت سياساته إلى إحداث صدع لم يسبق له مثيل بين الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بحيث "سيتعذر عليها أن تمارس دورها كقائد للعالم الحر أو كمبشر بالديمقراطية على أسنة الرماح"؟!.

أما الأستاذ خليل جهشان الرئيس السابق للوبي العربي الأمريكي فيفسر اختفاء الحديث عن الشرق الأوسط الكبير في الحملة الانتخابية لكل من بوش وكيري بأن إدارة بوش اضطرت إلى الانسحاب من اهتمامها السابق بمبادرة الشرق الأوسط الكبير بعد أن شعرت بالرفض العربي للأبعاد السياسية السلبية لتلك المبادرة في المنطقة والنظر إليها على أنها محاولة لإعادة رسم الخريطة السياسية للشرق الأوسط، وإدراكها لقصر النظر والسذاجة الذي اتسمت به فكرة نشر الديمقراطية في منطقة شاسعة تمتد من أفغانستان شرقا إلى المملكة المغربية غربا وتضم مجتمعات متفاوتة في التجارب السياسية ومتباينة في البنية الاجتماعية والتطور الاقتصادي وحجم الطبقة المتوسطة التي غالبا ما تقود التحول نحو الديمقراطية. ولذلك توارى الحديث من مرشحي الرئاسة عن الشرق الأوسط الكبير واكتفى كل منهما بالتعبير عن ضرورة "إدخال إصلاحات في المجتمعات العربية والإسلامية"

واستبعد السيد جهشان أن يؤدي انتخاب جون كيري إلى إعادة الحياة إلى مبادرة الشرق الأوسط الكبير لأن لجوءه المتواصل لمهاجمة السعودية وعدد من الأنظمة العربية الصديقة للولايات المتحدة في غمار انتقاده لسياسات بوش عكر صفو أي علاقات طيبة في المستقبل بين إدارته (إذا فاز) وبين تلك الأنظمة، كما أن انتهازيته السياسية قدمته للعالم العربي في شكل من يزايد على مساندة بوش لإسرائيل بوعود بمساندة أكبر لذلك فلن يلق مشروع الشرق الأوسط الكبير أي تشجيع من الأطراف العربية في صورة نجاح كيري.

حيرة العرب ومسؤوليتهم

في نفس السياق، يرى الدكتور سامر شحاتة أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورجتاون أنه رغم حقيقة أن أهداف السياسة الخارجية الأمريكية لا تتغير بتغير الرئيس فإن سبل تحقيق هذه الأهداف يمكن ان تتغير بانتقال الرئاسة من بوش إلى كيري وضرب مثالا على ذلك بأن كيري لن يتبني مبدأ بوش الخاص بتوجيه الضربات الاستباقية كاستراتيجية للأمن القومي الأمريكي ، كما أن كيري يمكن أن يتخذ موقفا أكثر معقولية في التعامل مع سوريا بالمقارنة مع بوش، غير أنه أعرب عن اعتقاده بأن كل المؤشرات تدل على أن فرص بوش في الفوز بفترة رئاسية ثانية أكبر من فرص فوز المرشح الديمقراطي جون كيري.

وتشير أحدث استطلاعات الرأي العام بين الناخبين من العرب الأمريكيين في أربع من الولايات المتارجحة بين بوش وكيري هي ميشيجان وفلوريدا وأوهايو وبنسلفانيا، والذي أجرته مؤسسة زغبي إنترناشيونال إلى أن ستين في المائة منهم سيعطون أصواتهم لكيري وأن 33 في المائة منهم يفضلون بوش وقرر 7 في المائة منح أصواتهم للمرشح المستقل رالف نادر رغم إدراكهم بأنه لن ينجح ولكن تعبيرا عن تبرمهم من بوش وكيري معا.

وإذا تكرر سيناريو الانتخابات المتقاربة الذي حدث في انتخابات عام 2000 فربما يصبح العرب الأمريكيون كفة الترجيح حيث أنهم يشكلون أكثر من 5 في المائة من أصوات الناخبين في ولاية ميشيجان، ويشكلون 2 في المائة من أصوات الناخبين في فلوريدا و2 في المائة في ولاية أوهايو وحوالي 2 في المائة في ولاية بنسلفانيا ويصل عدد أصوات الكلية الانتخابية في الولايات الأربع إلى 85 صوتا وهي كفيلة بتحديد الفائز في انتخابات الثاني من نوفمبر خاصة إذا تذكرنا أن بوش فاز في انتخابات عام ألفين بفارق صوت واحد من أصوات الكلية الانتخابية أكبر من الحد الأدني المطلوب وهو 270 صوتا من إجمالي عدد أصوات الكلية الانتخابية وهو 538 صوتا.

وفي كل الحالات، لن يكون فوز كيري ضمانا لعودة القضايا العربية إلى بؤرة اهتمام السياسة الخارجية الأمريكية طالما واصل العرب خروجهم من صناعة التاريخ وإهمال أنظمتهم للممارسة الديمقراطية بشكل سمح للآخرين بصياغة تاريخهم ورسم مقدراتهم وطالما أهمل العرب ضرورة التعامل مع الولايات المتحدة من منظور المصالح المشتركة وانتظار البطل الذي سيحول المستحيل إلى ممكن.

محمد ماضي - واشنطن

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة