تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

الكل في مأزق!

يرى بعض المراقبين أن طرح إمكانية البحث عن بديل للرئيس عرفات يشكل مأزقا ليس فقط للجانب الفلسطيني بل لكل أطراف الأزمة

(swissinfo.ch)

يواجه عرفات كما يواجه العرب و الإسرائيليون والأمريكيون مأزقا مركبا بكل معنى الكلمة، انه مأزق البحث عن بديل لقيادة عرفات وإنهاء دوره ، وهى عملية ليست بالسهولة بمكان كما تبدو ظواهر الأشياء، أو كما توحي بذلك السياسة الإسرائيلية.

ففي غضون الأيام القليلة الماضية لم تعد الإشارات الأمريكية الرسمية الخاصة بالرئيس عرفات غامضة أو تحتمل اكثر من تفسير، فمثل هذه المرحلة من الغموض الإيجابي تبدو وقد ولت تماما. والأمر لم يعد مجرد تلميح وإنما اكثر من تهديد مباشر ورسالة واضحة بأن مرحلة عرفات قد أوشكت على الانتهاء بالنسبة للإدارة الأمريكية، فالرجل لم يعد قادرا على تلبية ما يريده الأمريكيون ويطالبونه به، ولا هو مرغوب إسرائيليا خاصة من قبل رئيس الوزراء شارون.

وفى المقابل فإن السلطة تحذر من مغبة الانقلاب على عرفات أو مقاطعته سياسيا، فالرجل ما زال من المنظور الفلسطيني رمزا وقائدا، ومسئول أيضا بحكم كونه المسئول الوحيد الذي تم انتخابه شعبيا وفقا لاتفاقيات أوسلو. إضافة إلى أن البحث في بديل شخصي أو جماعي وفى ظل ظروف الحصار الإسرائيلي تعنى اكثر من هزيمة سياسية ومعنوية للقضية الفلسطينية برمتها، وهى هزيمة لن يفلت منها أي قائد فلسطيني أخر سيجد نفسه في موقع المسئولية بعد غياب أو تغييب عرفات.

هي معضلة لإسرائيل نفسها!

إن المأزق الذي يعانى منه عرفات والسلطة من ورائه ليس قاصر عليه وحده، فهو مأزق مركب بكل المعاني وفى كل الاتجاهات بداية من الإسرائيلية نفسها ، ومرورا بالموقف العربي ونهاية بالدور الأمريكي. ولكن يظل حجم المأزق اكبر واكثر قسوة بالنسبة لعرفات والسلطة الوطنية.

فبالنسبة للإسرائيليين ، من الواضح أن الأمر بات محسوما بالنسبة لعرفات، فالمطلوب إنهاء دوره تماما، وسواء كانت الدوافع سياسية بحتة أو شخصية تعود إلى رغبة انتقام دفينة لدى شارون، ترجع إلى اكثر من عقدين حين افلت عرفات من الحصار الذي أطبقه عليه شارون في بيروت عام 1982، فإن النتيجة واحدة. فحين يغيب عرفات سيكون على الفلسطينيين البحث عن بديل يمكنه أن يتعاطى مع إسرائيل بمرونة اكثر وتنازلات اكبر.

وهنا تكمن المشكلة الإسرائيلية، لان البديل ليس جاهزا بعد، ولن يستطيع أن يملأ الفراغ السياسي والمعنوي الذي يشغله عرفات لاعتبارات تاريخية ونضالية ونفسية. ومن ثم ستكون قبضته اقل وشرعيته غائب. وبديل مثل هذا لن يفيد إسرائيل ولن يمنحها أي ميزة إضافية. بل على العكس سيكون الأمر محملا باحتمالات اكبر ناحية فوضى سياسية فلسطينية شاملة، ستعكس نفسها حتما على ما يراه شارون أمان إسرائيل والإسرائيليين، الذي رغم كل الإمكانات الإسرائيلية وعمليات الحصار يبدو غائبا وغير قابل للتحقيق، والأرجح أن يزداد الوضع الأمني الإسرائيلي سيزداد سوءا في حال البديل القيادي الفلسطيني غير القادر على الحسم والفاقد للشرعية.

ووفقا لهذا المأزق فإن الإسرائيليين يبدون حريصين من الناحية الشكلية على أن تأتى خطوة تغييب عرفات منه شخصيا. أو بعبارة أخرى أن يضع هو نفسه طريقة تخليه عن السلطة وان يمنح شرعيته لمن يخلفه. وهنا فإن عرفات ليس جاهزا بعد ليلعب مثل هذا الدور لصالح غريمه وعدوه الأول. وتلك بدورها معضلة إسرائيلية كبرى.

ومأزق عربي جماعي...

عربيا فإن مأزق عرفات هو في شق كبير منه مأزق عربي جماعي ، فللمرة الأولى لا يستطيع العرب أن يمنعوا الأذى الشخصي والسياسي المباشر على أحد الرموز العربية، كما أن الخيارات المتاحة من الناحية العملية لا تقدم الكثير. ويبدو الخيار المر الذي يتعامل معه العرب هو إما التخلي عن عرفات وبالتالي التماهي مع رغبة قوة الاحتلال، والمساهمة في تحقيق رغباتها بكل ما يعنيه ذلك من هزيمة سياسية كبرى بكل معنى الكلمة. وإما العمل بكل قوة على رفع الحصار، من خلال تكثيف الضغط السياسي الجماعي على الإدارة الأمريكية لكي تلعب دورا في رفع الحصار الإسرائيلي ومنحه هامش حركة سياسية وعملية تمكنه من أداء بعض الوظائف المطلوبة وتلبية بعض الشروط .

ورغم ما ينطوي عليه هذا الاحتمال من ظاهر الانتصار العربي وعدم الوقوع تماما في الفخ الشاروني، فإن النتيجة العملية ستكون غير بعيدة عن تلبية الكثير من الشروط الأمريكية والإسرائيلية نفسها. بعبارة أخري أن الخيارات العربية قاسية سواء ما تضمن رفع السند السياسي والمعنوي عن عرفات أو ما تضمن نوعا من مساعدته على الخروج من مأزقه الراهن.

الولايات المتحدة وشعرة معاوية

على الصعيد الأمريكي فالأمر ليس هينا كما يبدو، فالتخلي عن عرفات لن يكون بلا ثمن، والظاهر أن الإدارة الأمريكية رغم إشاراتها الواضحة بخيبة الأمل في قيادة عرفات تدرك أن الوسيلة التي سيتم بها إنهاء دوره سيكون لها تأثير كبير في تحديد مستوى العنف والفوضى الذي ستجتاح المنطقة بعد غيابه. ولذلك فإن القرار الأمريكي وما يتضمنه من تهديدات بوضع السلطة أو عناصر أو تنظيمات فرعية من حركة فتح تحت خانة الإرهاب أو مقاطعته سياسيا أو تأجيل مهمة زينى أو إنهائها تماما، يصب حتى هذه اللحظة في تكثيف الضغوط على عرفات ليقوم بمهمة تفريغ أراضى السلطة الوطنية من كل ما يعتبره الأمريكيون والإسرائيليون عناصر إرهابية إسلامية. وبالرغم من عدم منطقية الموقف الأمريكي الذي ينطوي على المزيد من الضغوط دون أي مقابل ملموس يمكن عرفات من القيام بالدور المطلوب، فإن الإدارة الأمريكية تبدو في مرحلة بحث وتقصى واستطلاع لما ستحمله المرحلة القادمة من احتمالات، وتنتظر الأجوبة العربية على تساؤلاتها بشأن التعامل مع عرفات ومع السلطة الفلسطينية ذاتها.

والمأزق الذي يواجهه الأمريكيون لا يختلف كثيرا عن المأزق الذي يواجهه الإسرائيليون أنفسهم، ذلك أن غياب عرفات وإنهاء دور السلطة الوطنية سيعنى أن الاحتلال الإسرائيلي بات واضحا وليس مستترا كما هو الحال الآن، ومثل هذه الخطوة ستغير تماما طبيعة القضية كلية، ويتفرع عنها أسئلة وقضايا اكثر تعقيدا عما هو عليه الوضع الآن، ويبد أن الأمريكيين ليس مستعدين بعد للتعامل مع قضية احتلال إسرائيلي مباشر.

والخلاصة؟

خلاصة ما سبق أن المأزق الذي يعانيه عرفات هو مأزق شامل يمس الجميع، بيد أن الجانب الفلسطيني ـ رئيسا وسلطة وفصائل ـ يظل عليه العبء الأكبر في الخروج من هذه المعضلة. ولعل النقطة الأولى واجبة البحث والتقدير تكمن في عمل مجموعة من الموازنات السياسية، وهى عملية لا تقود إلى نتائج ملموسة إلا وفق شروط أهمها أن تكون مبنية على أساس من الحوار الوطني الذي يشارك فيه الجميع على أسس متساوية وبأعلى قدر من الشفافية المتبادلة.

وشرطها الثاني أن تكون مبنية على رهان وحيد هو الاعتماد المطلق على النفس ونبذ الرهان على أي مدد أو مساندة خارجية، لاسيما المساندات العربية الرسمية .
أما الشرط الثالث فهو التعبئة لمزيد من التضحيات وبكل الأشكال المادية والعينية والاستعداد لمرحلة اكبر من الهمجية الإسرائيلية، وشرطها الرابع فهو تحصين الوحدة الوطنية الفلسطينية وفقا لبرنامج مرحلي محدد البنود يعطى فيه وله كل فصيل فلسطيني ما يمكنه من العطاء دون مَنٍ أو خروج على ما يتم التوصل إليه من توافق على الوسيلة والهدف معا.

إن تطبيق هذه الشروط يمكنه أن يقود إلى أحد خيارين سياسيين: الأول أن يعاد بناء السلطة الوطنية الفلسطينية بحيث تضم كافة الفصائل، وبما يماثل قيام حكومة وحدة وطنية. أما الخيار الثاني فهو التوصل إلى صيغة توافق حد أدنى بين جميع الفصائل الفلسطينية، تقوم على أساس الاستمرار في خيار الانتفاضة بعد تطعيمها بوسائل وآليات مبتكرة، والتمسك بقيادة عرفات لاعتبارات رمزية وسياسية ومعنوية متكاملة.

والواضح أن الخيار الأول هو اكثر من طموح لاعتبارات عملية بحتة، فالتوصل إلى عملية تفعيل لأجهزة السلطة الوطنية وهى تحت الحصار والضغط والقصف الإسرائيلي مسألة بعيدة المنال، إذ يصعب تصور في ظل وضع كهذا أن تقوم الوفود المختلفة بالتباحث و التشاور واتخاذ القرارات واعتماد الخطط وهكذا.

ومن ثم يبقى الخيار الثاني هو الأكثر مناسبة، وهو الأكثر قابلية للتحقيق، خاصة وان جميع الفصائل تتمسك بخيار الانتفاضة باعتباره الخيار الوحيد المتاح للنضال الفلسطيني. ولكن تظل نقطة الخلاف حول مسيرة الانتفاضة نفسها، وهل تدخل المسار العسكري الواضح والصريح أم يُعاد إليها جانبها المدني والسياسي بطريقة مبتكرة وفاعلة، وبحيث تكون هناك خطة عمل يشارك فيها جميع الفصائل كل على حسب قدره مقدرته. وفى التصور أن مثل هذا الخلاف حول عسكرة الانتفاضة أو التمسك بطابعها المدني اكثر قابلية للحل والتطبيق معا.

د.حسن أبو طالب-القاهرة

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×