المادة والمادة المضادّة!

لابد من خلط الهيدروجين والهيدروجين المضاد لمعرفة ما اذا يتبقى شيء من هذا او ذاك cern.ch

ترجع النظرية العِلمية التي تتعلق بوجود مادّة مضادة أي مثيلة ومقابلة لكل مادّة، للثلاثينات من القرن الماضي وعلى وجه التحديد لحامل جائزة نوبل الفيزيائي البريطاني بول ديراك.

هذا المحتوى تم نشره يوم 29 سبتمبر 2002 - 10:09 يوليو,

الآن، وبعد مرور ما يقرب من 70 عاما، لم يعد هنالك أدنى شك من وجهة النظر العِلمية المحضة، على صحة هذه النظرية.

إن الحديث عن المادّة والمادّة المضادّة أو المقابلة، هو بمثابة الحديث عن عالم منظور ومحسوس، وعالم غير منظور ولا محسوس. ويعتبر العلماء والباحثون الواحد صورة طبق الأصل للآخر باستثناء الشحنة الكهربائية.

ولفهم عمق هذه النظرية العِلمية، قد ينظر الإنسان في المرآة العادية حيث يرى صورة طبق الأصل لنفسه، وإن لم تكن "نفسه" بالمعنى المادّي للوهلة الأولى.

لكن العالم البريطاني بول ديراك أكد في الثلاثينات من القرن الماضي، أن تلك "النسخة أو الصورة المطابقة الأصل" تتواجد عمليا ومادّيا وليست وَهمية، كتلك التي نراها في المرآة العادية.

فالحديث عن كون منظور ومحسوس وآخر غير منظور ولا محسوس، يُذكر بقوله تعالى: "يا معشر الجنّ والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السّماوات والأرض فأنفذوا لا تنفذون إلا بسلطان". ولا غرابة في هذه الحالة في أن تنتهي المسيرة العِلمية والتكنولوجية نحو إعطاء أبعاد منظورة ومحسوسة للمادة المضادّة، إلى إثبات وجود مخلوقات أخرى كالجنّ والملائكة الذين قد يؤمن البعض ولا يؤمن آخرون بوجودهم.

وقد تكاثفت الأبحاث على المادة المضادّة للمادّة بعد عام 1997 بفضل إنشاء المسارعات النووية ذات الجهد العالي لشطر الجزيئات النووية عن طريق ضربها ببعضها بعضا بقوة عظيمة، وحينما انطلق الباحثون في "سيرن" وفي مراكز عِلمية أخرى للبحث عن تلك المادة غير المنظورة ولا المحسوسة، بداية من الهيدروجين الأحادّي الذرة، كما هو معروف.

الهيدروجين المضاد بين الشك واليقين

وقبل نهاية القرن العشرين، نجح الباحثون الأوروبيون والأمريكيون في توليد بضع ذرّات من الهيدروجين المضاد، لكنهم لم ينجحوا في "الإمساك" بتلك الذرات العابرة، لأنها كانت تختفي من مقصورة المسارع النووي بنفس السرعة التي تظهر فيها للعيان، وتقارب جدا سرعة الضوء.

وللتغلب على هذه الصعوبة، لجأ الباحثون في المركز الأوروبي للأبحاث النووية "سيرن"، لمكيدة تكنولوجية بسيطة تمثلت في فصل "غمامة" جزيئات positron الموجبة الشحنة الكهربائية عن "غمامة" جزيئات antiproton السلبية الشحنة، كي يجمعوا بين "الغمامتين" بعد ذلك، داخل" قفص" مغناطيسي.

ولدى تبريد هذا الخليط لحوالي 10 درجات مئوية فوق الصفر للتخفيف من سرعة الجزيئات، أخذت الموجبة منها تحوم حول السالبة لتوليد الهيدروجين المضادّ. وقد تمكن الباحثون من متابعة هذه العملية وملاحظة الهيدروجين المضادّ، بفضل نظام معلوماتي متقدّم جدا، طوّره علماء الطبيعيات بجامعة زوريخ لهذه الغاية.

ويقول خبراء "سيرن"، إن التجارب الأخيرة تمخضت عن توليد ما لا يقل عن خمسين ألف ذرة مضادة للهيدروجين. لكن النظام المعلوماتي الجبّار، لم يسجل إلا مائة وثلاثين ذرة من هذه الذرات الهيدروجينية التي عبرت شاشة النظام المعلوماتي بسرعة مقبولة.

ولا يجد الباحثون حاليا أي جدوى من هذه التجارب الباهظة التكاليف، سوى إرضاء التعطش للعلم والمعرفة وإقامة البراهين على بعض النظريات التي واكبت النظرية النسبية أو تفرعت عنها منذ أوائل القرن العشرين.

التعطش للمعرفة أولا.. والتطبيق يتبع!

ولا بد من الإشارة هنا أن التماس بين المادّة والمادّة المضادّة يؤدي لفناء الاثنتين معا فناءا نهائيا، لأنه يحولهما إلى نور عظيم، يقارنه بعض علماء الفيزياء النظرية بنور الانفجار الكوني الأول المعروف باسم "بيغ بانغ".

لكن البعض الآخر من المُنظرين يقول، إن الاكتشاف المادّي للذرات المضادة أو المقابلة، قد يثير علامات الاستفهام على دِقة النظرية النسبية التي لا ترى فارقا بين مستوى أو كثافة المادّة والمادّة المضادّة في الكون لصالح النظرية النسبة العامة التي ترى فارقا على هذا الصعيد.

وللبرهان على صحة هذه النظرية أو الأخرى، لا بد من "خلط" الهيدروجين بالهيدروجين المضادّ، لمعرفة ما إذا يتبقى شيئ من هذا أو ذاك، بعد عملية الفناء المتبادل التي يتحدث المنظرون عنها.

جورج انضوني - سويس إنفو

باختصار

إن الفارق الوحيد بين الذرة أو الجزيء والمضادّين، أي المقابلين لهما، يرجع للفارق في الشحنة الكهربائية لا غير. فقد أقام الباحثون الدليل العِملي على توأمة المادة بعد وفاة بول ديراك بقليل. لكن علماء CERN، المركز الأوروبي للأبحاث النووية، ومقره جنيف أقاموا الآن الدليل المادّي على صحة هذه النظرية.

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة